سيد القمنى ..... Sayed elQemany

هذا الموقع مهدى من محبـى الدكتور سيد القمني الى محبى الوطن و العقل و الحرية -------- هذا المفكر المصرى الوطنى الحر العظيم المثير للجدل من مواليد 1947 بني سويف , اعماله الأكاديمية تناولت منطقة شائكة في التأريخ الإسلامي. يعتبر السيد القمني من انصار فكر المعتزلة

أكتوبر 10، 2006

الملجمون في الأرض

الملجمون في الأرض

ماذا حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين

تعالوا نتذكر ما سبق وأكدنا عليه في أعداد هذه المجلة حول ما حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين ، بعد أن كان مفتوحا على الواقع المتغير وعلى السماء إبان تواجد صاحب الدعوة ، وكيف أن السماء قد تجاوبت مع الأرض وتتبعت أحداثها المتغيرة بمتغيرات مشابهة في النص القرآني ، تلائم الجديد وتتفاعل في نسخ وإبدال وإنساء ومحو وقراءات متعددة بأحرف سبعة أو أكثر .

لكن مع موت النبي ونشوء طوارئ جديدة ، كان سببها تشبث أبي بكر بالخلافة في ظل معارضة الذين منعوا الزكاة والآخرين الذين ارتدوا ، فقد ارتبط الإسلام بالخليفة وتم تحويل الإسلام إلى مبرر للسلطان وقرارته ، ومن بعده أصبح الدين ورجاله في خدمة السلاطين على اختلافهم ، واستبعد المسلمون من طرح فهمهم لدينهم في ضوء المتغيرات ، وتم ربط الفهم للدين بمعارضة السلطة أو موافقتها .

وتوافقت السلطات الدينية والدنيوية على احتكار فهم نصوص الدين وتكفير وتبديع ومطاردة وتصفية أي فهم مختلف معارض.

حتى كرس الخليفة الثالث عثمان الربط القانوني الشرعي الوحيد للنص بالسلطة وتفسيرها للنص ، وتم قصر فهم كلام الله على فرقة وحيدة هي حليفة الحاكم ، ومن ثم أصبح الفهم ليس شأنا إنسانيا متفاوتا بين الأفراد حسب ثقافاتهم ، وإنما أصبح شأن السلطة والحكومة

لذلك تم التنكيل عبر التاريخ بكافة الفرق التي حاولت إنتاج فهمها الخاص لدينها ، وتم اعتبارها مارقة على الدين والوطن معا لمعارضتها الفهم الوحيد الرسمي ، ومن ثم تحول الإسلام عن فضاء مفتوح مطبوع بطابع بيئته الصحراوية والمفتوحة ، إلى حرز مغلق ملزم للجميع وفق المفهوم المحدد رسميا ، بل وتم وضع شروط لأي مجتهد تجعله في البدء ملتزما بفهم حلف الفقيه (السلطان) للنص ، أو يدور في فلك هذا الفهم وحده في مسائل جزئية محكومة بالأصل ، وهكذا ، ومن فجره تمت سرقة إسلامنا منا ، لينغلق على فهم 1400 عام مضت أقصى عنه الرأي المختلف عما فهمته السلطة الرسمية الصحابية في فجرها ، بتقديس أسلاف بعينهم تم وضعهم في رتبة تجعل من تصرفاتهم ومواقفهم - حتى لو عارضت الإسلام البكر - مقدسات للمسلمين حتى الأبد ، مع تقديس شخوص أصحاب هذه القرارات حتى تتقدس قراراتهم ليصبحوا بعددهم وعدتهم أسيادا للمسلمين كما الرب سيدا ، رغم أن رب الإسلام لم يمنح أحدا حق هذه السيادة المطلقة إلا لنبيه وحده ، وفي بعض الحالات يمكنك أن تكتشف أن النبي نفسه لم يحز هذه السيادة والإطلاقية التي منحها الفهم الرسمي لنفسه ولسلطته ورجاله وسلفه الصالح.

وهكذا دعم رجل الدين المحترف مركزه المرموق والسلطوي العظيم بالدين ، وشكل أبشع شكل انتهازي في التاريخ لدين المسلمين ، لكنه في نقس الوقت تمكن من أن يجلس أمام المسلمين في مقعد نبي المسلمين الخالي بوفاته ، ليعظ ويفتي ويحكم وينفذ أحكامه ، حتى بات مترسبا في أذهان المسلمين بشكل لا واع أن هؤلاء المحترفين هم القادرون وحدهم على التواصل مع دين تباعد عن مفاعيل الزمان المتطور ، وأصبح طلاسم غامضة ، وللغوص فيه مختصون مدربون مهرة لهم باع تخصصي ، من نوع يضفي عليهم القداسة

وليس مطلوبا من المسلم العادي مثل هذا الغوص الخطر ، وأصبح وجود رجل الدين في الإسلام ضرورة ، وهو الدين الوحيد الذي لم ينص لا معنى ولا مبني على شيء اسمه رجل الدين .

وما تباعد الدين عن فهم الناس إلا لأنه مغلق على معنى واحد ، ولأن هذا الفهم قد تمت سياجته بشروط تعجيزية وإضافات وحشو من قواعد فقهيه وحديث وتفاسير وتفاسير للتفاسير ، جعلت من دين المسلمين أكبر دين في العالم من حيث مساحته الثقافية وجداول شروط التعامل معه ، حتى بات الأصعب في التعامل معه بين الأديان رغم أنه في بكارته كان هو الأبسط بين كل الأديان .

منذ برز الغزالي (أبو حامد / حجة الإسلام) وألجم العوام عن علم الكلام (حسب عنوان كتابه الأشهر) تمت فلسفة استبعاد المسلمين عن التحدث في شئون الدين ، وتم قصر الإفتاء على المؤهلين له ، ليفتوا للملجمين في الأرض في كل حركة أو إشارة أو سكنة ، وجعل المحترفون أنفسهم هم أهل الذكر المقصودين بالأيات "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" رغم أن المقصود بها في بكارة الوحي هو سؤال أهل الكتاب للتيقن من صدق الوحي الإسلامي .

مع ختم الفم بالشمع الأحمر التاريخي بتحبيذ اتباع أوامر الأيات القائلة : "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" "101 / المائدة" .

أسس الأكليروس الحصين حلف السلطان لتحبيذ عدم السؤال وعدم المعرفة وتأكيد مستمر على قصور عقولنا ، لأن الله خلق لها سبل معرفة محدودة محددة هي أن نسأل أهل الذكر ونأخذ بإجاباتهم ، كما كان واجبهم قبلنا أن يسألوا سابقيهم ليأخذوا إجاباتهم ، وهكذا كان النقل ، فالنقل حتى نصل إلى القرن السابع عند الحلف السلطاني الأول .

لقد تم من البدء التأكيد على حرمة السؤال خارج المسموح به من لطافات الفتاوي اللذائذية الغرائبية وأغلبها الغرائزية ، وعدا المسموح لا أحد يسأل نفسه ليبحث بنفسه عن جواب ، لأن هذا البحث سيؤدي لاستخدام العقل الذي هو ميزة الإنسان عن الوحوش والبهائم ، واستخدام العقل سيجر إلى التفكير المنطقي ، والتفكير المنطقي سيسقط الخرافة ويتحداها ، وهي إحدى أهم أدوات الرأي السلطاني ، لذلك كان القرار هو تحريم السؤال .

لقد تم من البدء تكفير أي ابتداع جديد ، بل أصبح الابتداع الذي تسعى إليه البشرية في كل مكان ، وصمة عار تلحق بالعبد الصالح إن حاوله ، لأن كل بدعة ضلالة ، بتجريم صارم واضح مباشر لكل إبداع ، ورغم أن المقصود بهذا الحديث إن كان صحيحا هو الابتداع في شئون التعبد وحدها ، فإن سادتنا وسعوا المعنى بقدر اتساع ذممهم . ليضربوا لنا الأمثلة من تاريخ الدعوة وكيف ضرب النبي في صدر البدوي الشاك فزال شكه ، وكيف خضع الغزالي لشروط الإيمان بعد الشك فقذف الله في صدره بنور الإيمان : كتابه (المنقذ من الضلال).

بل إن النبي نفسه عندما كانت توجه له الأسئلة طلبا للمعرفة ، فإنه ما كان يجيب من نفسه إنما ينتظر إجابة السماء ، في أسئلة حول بسائط المعلومات كالأهلة واليتامى والأنفال وذي القرنين .. إلخ ، ومن ثم تم وضع المسلم في مأزق الحصول على المعرفة وهو ليس بنبي ، ليقيم المحترفون من سدنة الدين أنفسهم مكان نبي المسلمين ، وسطاء بين البشر والسماء يجيبون لهم بأسئلة هي الصواب المطلق الذي لا يأتيه الباطل . رغم علم سادتنا هؤلاء أن ذلك يعني نقصا رئيسيا في الإسلام ، وأنهم جاءوا ليكملوا هذا النقص كلما اتسع ، وهو ما يعني أيضا أن النبي قد قصر في إبلاغ كامل دعوته لأمته ليعطي المجال للسدنة من بعده ليقوموا بوظيفة الإكمال المستمرة عبر التاريخ ، دون أن يتحقق هذا الاكتمال يوما ، بدليل ما يضيفونه كل يوم ، رغم تأكيدهم للآيات "وما فرطنا في الكتاب من شيء" لكنها هي الآيات نفسها التي يستخدمونها لدعم سيادتهم ، لأن الآية تؤكد المصدر السماوي للمعرفة الذي لا يطاله المسلم العادي إلا عبر المتخصص الدعوي .. ولمزيد من تأكيد أن المعرفة ليست خارج الإسلام أبدا يتم تأكيد تفسيرهم للآيات "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" "3 / المائدة" وأن هذه النعمة التامة تتضمن كل جواب على أي سؤال . أي أن أكتمال الرسالة يعني اكتمال معارف البشرية بتمامها وليس بإمكاننا أي إضافة جديدة أو بذل أي جهد جديد خارج هذه المعرفة المكتملة .

وكي يتمكن حلف الكاهن والسلطان من الحصول على أعظم نصيب ممكن من النعم ، جعلوا المسلم في رؤيته المستقبلية لا يرى مستقبل حياته في أرضه وكيف ليكون أفضل ، بل يقفزون به إلى مستقبل أبعد هو الحياة الأخرى لأن الحياة الدنيا هي متاع الغرور وهي إلى الفناء ، بينما الباقيات الصالحات خير عند ربك وأبقى.

ومن ثم تم صرف الناس عن متاع الدنيا الذي هو جزء من التفاعل معها ، وتطويرها لمزيد من الرفاه والسعادة ، إلى متاع الآخرة حيث يسكرون وينزون على الحور العين ويعيشون لذة الخلد الكسول أبدا الدهر ، تاركين الآثام للحلف السيادي يستمتع في قصوره بالشراب والجواري الحسان ، بينما كان أهل الدين يجلدون الناس في الشارع على شرب الخمر ويرجمون الزناة ، ليس فقط لجرهم إلى الجنة بالسلاسل ، ولكن لصرف العامة عن نعم وبلهنية ، تكفي بالكاد حلفاء السلطان في عيشتهم الراضية التي تطلب دوما المزيد ؟

وبسبيل تأكيد وتركيز الثروة كان يتم نزح ثروات المواطن والبلاد الإسلامية الخاضعة والإفراط في الجباية ، وهو مبدأ لازال يسري حتى اليوم منعا لحدوث مساحات تقارب أو مساواة ، لأن المساواة هي العدو الأكبر لحلف السلطان الديكتاتوري ، لأنها تؤدي إلى تسامح المتساوين مع بعضهم البعض ، ومن ثم ينبذ المجتمع التعصب ، لهذا يصر تاريخنا السلطاني على عدم السماح بتسرب السماحة إلى المجتمع ، بوضع نظرية المؤامرة الكونية الكبرى التاريخية ضد الإسلام ، منذ ابن سبأ الذي أشعل الفتنة الكبرى وحتى اليوم .

وهي المؤامرة التي لابد أن تفرض على العامة الانصياع للحلف السلطوي ، لأنه حامي حمى الدين والديار من العدوان الخارجي ومن المؤامرة ، ليصبح صحيح الإخلاص للأمة والدين هو إخراس أي صوت يعلو فوق صوت معركة دائمة ، يخوضها المسلمون دفاعا عن أنفسهم ضد المؤامرة العالمية التاريخية الصهيونية الصليبية الإستشراقية العلمانية الشيطانية ، وعلى كل الأغنام أن تقف وراء كلاب الحراسة التاريخية مطيعة منقادة.

ومنعا لحل أي مشاكل يجعلون طوارئ بلادنا الأمنية دائمة مستمرة ، حتى لو سالمتنا الدنيا كلها ، لأن هذا السلام سينهي فكرة المؤامرة ويسقطها مع توابعها تسلسليا حتى الحلف الكبير الذي لابد أن يهتز بدوره وينهار ، من هنا وضع مشايخنا في إسلامنا عقيدة جديدة تؤجج الصراع الدائم بين المسلمين وغير المسلمين في الدنيا كلها ، هي عقيدة الولاء والبراء التي تمسح السماحة مسحا ليستمر الصراع ، الذي يحتاج إلى تأجيج التعصب باستمرار بدلا من السماحة بين المسلمين ، لأن السماحة تنهي الصراع ولا تحتاج لمتعصبين يحمون العقيدة ، تنهي دور هذا الحلف المقيت.

يؤججون الصراع والتعصب كل يوم في كل مكان بأشرطة الكراهية التي حولت وسائل المواصلات في بلادنا إلى وسائل دعوة متنقلة ، بإعلامنا بتعليمنا بقيمنا ، فنذبح الوطن لأن مسيحيا حول غرفة في منزله إلى كنيسة ، أو لأن كاتبا او فنانا أو سياسيا أهان نبي الإسلام في بلاد ما وراء بحر الظلمات ، ليظل الإسلام دوما بحاجة لوجود سدنته ، وحتى ينسى الناس أن الدين في حماية صاحبه وأنهم ليسوا أكثر قدرة منه لأنه هو الله ، وأنهم ودينهم هم من في حمايته وليس العكس .

ويا حزن القلب على وطن لا شبيه له في عمقه التاريخي والعلمي تخرج قياداته اليوم من النخبة المتعلمة في نقابات محامين أو مهندسين أو أطباء أو نوادي هيئات تدريس الجامعة لينادوا بضرورة قفزنا إلى المستقبل خلاصا من الذلة والهوان ولكن بالعكس ، قفزا إلى الماضي ، كما لو كانت مصيبة تخلفنا الحالي لم ترض كامل رغبتهم ليأخذونا إلى مزيد من التخلف والأنهيار.

إن السدنة بعد سقوط الخلافة وما تبعها من حركات استعمارية واستقلالية انقسموا إلى فريقين ، فريق قرر استمرار العمل ضمن السلطة الرسمية لينعم إلى جوارها بنعيمها ، وفريق ثان قرر العمل تحت الأرض أي مع الناس ، لأنهم كلهم تحت الأرض ، مستغلا نفوذه التاريخي على أرواحهم من أجل تثويرهم أو دفعهم ولو بالقتل نحو الحكم الثيوقراطي ليحكموا بأنفسهم مباشرة دون حاجة لوجة مدني كان قناعا ليس اكثر ، مع تحالف تحتي بين الفريقين يدعمان بعضهما باستمرار .

ترى ما هو شكل خريطة واقعنا الثقافي الفلسفي الذي قدمته لنا الدكتورة (منى أبو سنة) وهي تجيب عن سؤال "لماذا يغيب التنوير في البلاد العربية" في صفحات العدد قبل السابق من هذه المجلة ؟

و حدثتنا عما قال الفلاسفة مؤسسا على الفلسفة الكانطية من أجل تنويرنا . لتنوير العقل فلسفيا بعد أن تم سلبه ملكة الفهم نفسها قسريا ، فلم يعد اللانضج اختياريا كما قدمت لنا عبر كانط إنما هو لا نضج قسري قهري .

إن التنوير الفلسفي الذي يستهدف المستقبل يحتاج سادتي الفلاسفة (وأنا بالمناسبة من أهلها المتخصصين) إلى رؤية مستقبلية تحدد ما هو المستقبل المطلوب وتعرفه عن يقين ، ويقيننا سادتي الفلاسفة أن مستقبلنا يتم بالتزام أوامر الدين ونواهيه كما تم وضعها لنا ، حتى نتأكد من حجز المكان الأفضل في جنات الخلد ، وهو ما يعني أن المستقبلية عندنا بالعكس يا سادة ، المستقبلية عندنا في الماضي ، لأن أزمنتنا تختلف عن أزمنتكم .

سيدتي الدكتورة تحيطنا علما نافعا بما وضع كانط من تشخيص لمعضلة التنوير ، وكيف أن "اللانضج المعيق للتنوير يعود إلى نقص العزيمة والجسارة في إعمال الفهم من غير معونة آخرين فيما لديه من نصوص" .

المشكلة سادتي الفلاسفة عندنا أن "نقص المعرفة وتقييد عمل الفكرة ، وقتل الفهم" ، هو قواعد إيمانية كبيرة ليست شيما تحتاج للجسارة عليها ، فهي بالعكس تماما ، فقد طلب الغزالي حجة الإسلام تلجيمنا عن الكلام باللجام كالحيوانات الملجمة ، ويحدثنا – نور الله قبره- قائلا : "إن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق ، عليه التقديس والتصديق والاعتراف بالعجز عن فهم كنه ما لم يفهم ، والكف عن البحث في باطنه ، مع التسليم بما يقوله أهل العلم (يقصد بالدين) في هذه الأمور" .

وهو ما يعني أن جماهير المسلمين قد حكم عليهم نظامهم الديني بالغباء وعدم القدرة على الفهم والتعلم ، لذلك وجب عليهم التسليم للمشايخ ، فهم أهل الخبرة الفنية في التعامل مع هذا الدين .

إن سادتي الفلاسفة لا يرون أننا في مرحلة سابقة على ما احتسبه كانط مسلمة موضوعية هي "إعمال الفهم" كملكة هي الأشد عدلا في تقسيمها بين الناس ، كما قال ديكارت ، ومع ذلك فإن هذه الملكة عادلة التقسيم لا وجود لها عندنا أصلاً ، نحن في مرحلة أسبق من مرحلة الفهم !!

كانط ينصحنا مأجورا مشكورا على لسان الدكتورة منى بالخروج على حالة اللانضج الاختياري ، بينما الدكتورة لاشك تعلم أن ما لدينا هو حالة لانضح معتقة معنعنة نقلية متوارثة ، حالة استنكار للفهم وإعماله في وجود سادتنا من سدنة التخصص في معرفة الله ، تحولت إلى عدم فهم يورث جينيا بصبه في روح السنوات الأولى لطفولة المسلم .. إن ما لدينا لم يخطر سادتى الفلاسفة لكانط .

وإذا كان الفلاسفة يريدون تنويرنا بالرجوع إلى فلاسفة الغرب بفلسفة نقلية فنحن في غنى عنهم ، لأن مصدر تنويرنا جاءنا عن نبينا عن إرادة إلهية ، جعلت من مجتمع جاهل جائع متخلف بدائي ، حاضنا لرسالتها الخاتمة ، وقيما وحاكما على شعوبها وشعوبنا الموغلة في الحضارة والمدنية .

نحن في بلادنا سادتي الفلاسفة النقليين ، أكثر رفاهية من الاحتياج للعمل ، فكلانا الأغنياء في الخليج والفقراء في غيره ، لم يقدم احدهما شيئا بعد للإنسانية يساهم به في حضارتها ، لأنهم ببساطة عندما يحتاجون شيئا باعتبار الحاجة أم الاختراع ، لا يخترعون ، إنما يلجأون للدعاء وللقنوت ، يطلبون إلى السماء أن تقوم بالمطلوب نيابة عنهم ، يريدون علما سابق التجهيز يسهر عليه رجال الدين ، ويعتمد مصدرا مرجعيا واحدا لا يتغير ولا يزيد هو القرآن والحديث . نحن في بلادنا نحقق ما نشتهي بالدعاء لنظهر لله أننا أخلص إليه ، وأننا الأولى برعايته من إسرائيل وأمريكا .

سادتي الفلاسفة .. إن أجهزة تشكيل الرأي العام الحديثة والهائلة القدرة كالمذياع والتلفاز لم تكن موجودة زمن كانط ، ليرى كيف أمكن استثمارها بالعودة إلى ما قبل بداية استخدام المخ لوظيفته (العقل) ، وساعتها كان سيقول كلاما اخر بالقطع .

إن خيرنا سادتي ليس معكم ، ولا مع كلامكم الكبير الرفيع البعيد عن مستوى فهمنا الملغي أصلا ، إن خيرنا ومصالحنا مع محترفي العمل الديني ، لسنا مع طه حسين بعد أن أعلن فشله بنفسه ونزع عن نفسه الاستنارة ، ولبس ثياب الشيخ ليعلن نهاية مشروعه بنفسه ما بين الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي ، ولا مع سيد القمنى بعد ان اعلن تبرؤه مما كتب ، ولا مع نصر ابو زيد بعد ان هرب بجلدة الى هولاندا وارضنا تتشقق عطشا البة .. بينما لم يتراجع لا ابن كثير ولا ابن حنبل ولا ابن عبد الوهاب ولا ابن لادن ولا ابن الزرقاوى ولا ابن قرضاوى .

سادتي الفلاسفة يرون "ضرورة الإصلاح الديني الذي يحقق مشروعية الفحص الحر للنص الديني" . ألا تعلمون سادتي أن هذا الفحص الحر المطلوب قد تم وانتهى العمل منه خلال القرون الآربعة الهجرية الأولى ، وعلى يد أسلاف أعظم منا تم القرار بشأنهم بأنهم "لا يجود التاريخ بمثلهم مرة أخرى" !! وقد بذلوا الطاقة وأفرغوا الجهد والطاعة في فرز الحديث وإسناد الما ئل منه وشرحوا القرآن وفسروا غوامضه وأرسوا قواعد الفقه ، حتى بات من القول المأثور "لم يترك السلف شيئا للخلف " .

إن إعادة الفحص المطلوبة هي عمل مغرض خبيث ضد ما أجمعت عليه مقاصد الأمة ، وهو جزء من المؤامرة العالمية ، وللدين حراس وللأمة أمناء يا فلاسفة .

أما كيف يقوم الإصلاح الديني : يقول لنا الفلاسفة "بمبدأين هما : إجلاء الغموض الكامن في النص الديني ، والثاني إعادة الفحص"!!

يا للكلام الجميل حقا ، لكنه يبدو مطلا من نافذة أخرى لا ترانا ، فلا غموض لدينا ، لأنه يصيب من يريد أن يعتقد نفسه فاهما ، يصيب ضعاف الإيمان لعماء بصيرتهم وغضب الله عليهم ، لأن المؤمن الصادق ينير الله له بصيرته ، وإن لم ير ما وراء النص الغامض فسيريه الله إن آجلا أو عاجلا ، بدليل وجود مشايخ لا يجدون أي صعوبة مع أي نص فى اى شئى كان . وفكرنا هو الصالح لكل زمان ومكان لأنه معرفة إلهية تامة ، والإيمان به نهايته حتمية معروفة ليس فيها أي احتمالات .. جنة الخلد بخمرها وحورها وولدانها ، حيث لا مهمة للمؤمن سوى الاكل والسكر والنكاح فى لذة ابدية .

أمتنا الوحيدة في العالم التي اكتشف فيها رجل الدين (الزنداني اليمني) علاجا نهائيا لأمراض البشرية المستعصية الثلاثة "السرطان وفيروس سي والإيدز" ، وربما يسعى الآن إلى اكتشاف دعاء يسقط صورايخ وطائرات الأعداء قياسا على إسقاط المطر بالصلاة .

سادتي الفلاسفة.. إن حتمية قيام التنوير تصبح قائمة عندما نشعر بالحاجة إليه ، بينما نحن نعتقد بحاجة العالم غير المسلم كله إلينا ، لننقله مما هو فيه من ظلمات إلى نورنا.

سادتي الفلاسفة ، إن البداية تكون عندما نقتنع أن ما بأيدينا ليس شيئا ذا بال ، بل هو شيء بالت عليه كل القرون اللواحق.

نشرت فى روز اليوسف 18/2/2005

ماذا حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين

تعالوا نتذكر ما سبق وأكدنا عليه في أعداد هذه المجلة حول ما حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين ، بعد أن كان مفتوحا على الواقع المتغير وعلى السماء إبان تواجد صاحب الدعوة ، وكيف أن السماء قد تجاوبت مع الأرض وتتبعت أحداثها المتغيرة بمتغيرات مشابهة في النص القرآني ، تلائم الجديد وتتفاعل في نسخ وإبدال وإنساء ومحو وقراءات متعددة بأحرف سبعة أو أكثر .

لكن مع موت النبي ونشوء طوارئ جديدة ، كان سببها تشبث أبي بكر بالخلافة في ظل معارضة الذين منعوا الزكاة والآخرين الذين ارتدوا ، فقد ارتبط الإسلام بالخليفة وتم تحويل الإسلام إلى مبرر للسلطان وقرارته ، ومن بعده أصبح الدين ورجاله في خدمة السلاطين على اختلافهم ، واستبعد المسلمون من طرح فهمهم لدينهم في ضوء المتغيرات ، وتم ربط الفهم للدين بمعارضة السلطة أو موافقتها .

وتوافقت السلطات الدينية والدنيوية على احتكار فهم نصوص الدين وتكفير وتبديع ومطاردة وتصفية أي فهم مختلف معارض.

حتى كرس الخليفة الثالث عثمان الربط القانوني الشرعي الوحيد للنص بالسلطة وتفسيرها للنص ، وتم قصر فهم كلام الله على فرقة وحيدة هي حليفة الحاكم ، ومن ثم أصبح الفهم ليس شأنا إنسانيا متفاوتا بين الأفراد حسب ثقافاتهم ، وإنما أصبح شأن السلطة والحكومة

لذلك تم التنكيل عبر التاريخ بكافة الفرق التي حاولت إنتاج فهمها الخاص لدينها ، وتم اعتبارها مارقة على الدين والوطن معا لمعارضتها الفهم الوحيد الرسمي ، ومن ثم تحول الإسلام عن فضاء مفتوح مطبوع بطابع بيئته الصحراوية والمفتوحة ، إلى حرز مغلق ملزم للجميع وفق المفهوم المحدد رسميا ، بل وتم وضع شروط لأي مجتهد تجعله في البدء ملتزما بفهم حلف الفقيه (السلطان) للنص ، أو يدور في فلك هذا الفهم وحده في مسائل جزئية محكومة بالأصل ، وهكذا ، ومن فجره تمت سرقة إسلامنا منا ، لينغلق على فهم 1400 عام مضت أقصى عنه الرأي المختلف عما فهمته السلطة الرسمية الصحابية في فجرها ، بتقديس أسلاف بعينهم تم وضعهم في رتبة تجعل من تصرفاتهم ومواقفهم - حتى لو عارضت الإسلام البكر - مقدسات للمسلمين حتى الأبد ، مع تقديس شخوص أصحاب هذه القرارات حتى تتقدس قراراتهم ليصبحوا بعددهم وعدتهم أسيادا للمسلمين كما الرب سيدا ، رغم أن رب الإسلام لم يمنح أحدا حق هذه السيادة المطلقة إلا لنبيه وحده ، وفي بعض الحالات يمكنك أن تكتشف أن النبي نفسه لم يحز هذه السيادة والإطلاقية التي منحها الفهم الرسمي لنفسه ولسلطته ورجاله وسلفه الصالح.

وهكذا دعم رجل الدين المحترف مركزه المرموق والسلطوي العظيم بالدين ، وشكل أبشع شكل انتهازي في التاريخ لدين المسلمين ، لكنه في نقس الوقت تمكن من أن يجلس أمام المسلمين في مقعد نبي المسلمين الخالي بوفاته ، ليعظ ويفتي ويحكم وينفذ أحكامه ، حتى بات مترسبا في أذهان المسلمين بشكل لا واع أن هؤلاء المحترفين هم القادرون وحدهم على التواصل مع دين تباعد عن مفاعيل الزمان المتطور ، وأصبح طلاسم غامضة ، وللغوص فيه مختصون مدربون مهرة لهم باع تخصصي ، من نوع يضفي عليهم القداسة

وليس مطلوبا من المسلم العادي مثل هذا الغوص الخطر ، وأصبح وجود رجل الدين في الإسلام ضرورة ، وهو الدين الوحيد الذي لم ينص لا معنى ولا مبني على شيء اسمه رجل الدين .

وما تباعد الدين عن فهم الناس إلا لأنه مغلق على معنى واحد ، ولأن هذا الفهم قد تمت سياجته بشروط تعجيزية وإضافات وحشو من قواعد فقهيه وحديث وتفاسير وتفاسير للتفاسير ، جعلت من دين المسلمين أكبر دين في العالم من حيث مساحته الثقافية وجداول شروط التعامل معه ، حتى بات الأصعب في التعامل معه بين الأديان رغم أنه في بكارته كان هو الأبسط بين كل الأديان .

منذ برز الغزالي (أبو حامد / حجة الإسلام) وألجم العوام عن علم الكلام (حسب عنوان كتابه الأشهر) تمت فلسفة استبعاد المسلمين عن التحدث في شئون الدين ، وتم قصر الإفتاء على المؤهلين له ، ليفتوا للملجمين في الأرض في كل حركة أو إشارة أو سكنة ، وجعل المحترفون أنفسهم هم أهل الذكر المقصودين بالأيات "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" رغم أن المقصود بها في بكارة الوحي هو سؤال أهل الكتاب للتيقن من صدق الوحي الإسلامي .

مع ختم الفم بالشمع الأحمر التاريخي بتحبيذ اتباع أوامر الأيات القائلة : "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" "101 / المائدة" .

أسس الأكليروس الحصين حلف السلطان لتحبيذ عدم السؤال وعدم المعرفة وتأكيد مستمر على قصور عقولنا ، لأن الله خلق لها سبل معرفة محدودة محددة هي أن نسأل أهل الذكر ونأخذ بإجاباتهم ، كما كان واجبهم قبلنا أن يسألوا سابقيهم ليأخذوا إجاباتهم ، وهكذا كان النقل ، فالنقل حتى نصل إلى القرن السابع عند الحلف السلطاني الأول .

لقد تم من البدء التأكيد على حرمة السؤال خارج المسموح به من لطافات الفتاوي اللذائذية الغرائبية وأغلبها الغرائزية ، وعدا المسموح لا أحد يسأل نفسه ليبحث بنفسه عن جواب ، لأن هذا البحث سيؤدي لاستخدام العقل الذي هو ميزة الإنسان عن الوحوش والبهائم ، واستخدام العقل سيجر إلى التفكير المنطقي ، والتفكير المنطقي سيسقط الخرافة ويتحداها ، وهي إحدى أهم أدوات الرأي السلطاني ، لذلك كان القرار هو تحريم السؤال .

لقد تم من البدء تكفير أي ابتداع جديد ، بل أصبح الابتداع الذي تسعى إليه البشرية في كل مكان ، وصمة عار تلحق بالعبد الصالح إن حاوله ، لأن كل بدعة ضلالة ، بتجريم صارم واضح مباشر لكل إبداع ، ورغم أن المقصود بهذا الحديث إن كان صحيحا هو الابتداع في شئون التعبد وحدها ، فإن سادتنا وسعوا المعنى بقدر اتساع ذممهم . ليضربوا لنا الأمثلة من تاريخ الدعوة وكيف ضرب النبي في صدر البدوي الشاك فزال شكه ، وكيف خضع الغزالي لشروط الإيمان بعد الشك فقذف الله في صدره بنور الإيمان : كتابه (المنقذ من الضلال).

بل إن النبي نفسه عندما كانت توجه له الأسئلة طلبا للمعرفة ، فإنه ما كان يجيب من نفسه إنما ينتظر إجابة السماء ، في أسئلة حول بسائط المعلومات كالأهلة واليتامى والأنفال وذي القرنين .. إلخ ، ومن ثم تم وضع المسلم في مأزق الحصول على المعرفة وهو ليس بنبي ، ليقيم المحترفون من سدنة الدين أنفسهم مكان نبي المسلمين ، وسطاء بين البشر والسماء يجيبون لهم بأسئلة هي الصواب المطلق الذي لا يأتيه الباطل . رغم علم سادتنا هؤلاء أن ذلك يعني نقصا رئيسيا في الإسلام ، وأنهم جاءوا ليكملوا هذا النقص كلما اتسع ، وهو ما يعني أيضا أن النبي قد قصر في إبلاغ كامل دعوته لأمته ليعطي المجال للسدنة من بعده ليقوموا بوظيفة الإكمال المستمرة عبر التاريخ ، دون أن يتحقق هذا الاكتمال يوما ، بدليل ما يضيفونه كل يوم ، رغم تأكيدهم للآيات "وما فرطنا في الكتاب من شيء" لكنها هي الآيات نفسها التي يستخدمونها لدعم سيادتهم ، لأن الآية تؤكد المصدر السماوي للمعرفة الذي لا يطاله المسلم العادي إلا عبر المتخصص الدعوي .. ولمزيد من تأكيد أن المعرفة ليست خارج الإسلام أبدا يتم تأكيد تفسيرهم للآيات "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" "3 / المائدة" وأن هذه النعمة التامة تتضمن كل جواب على أي سؤال . أي أن أكتمال الرسالة يعني اكتمال معارف البشرية بتمامها وليس بإمكاننا أي إضافة جديدة أو بذل أي جهد جديد خارج هذه المعرفة المكتملة .

وكي يتمكن حلف الكاهن والسلطان من الحصول على أعظم نصيب ممكن من النعم ، جعلوا المسلم في رؤيته المستقبلية لا يرى مستقبل حياته في أرضه وكيف ليكون أفضل ، بل يقفزون به إلى مستقبل أبعد هو الحياة الأخرى لأن الحياة الدنيا هي متاع الغرور وهي إلى الفناء ، بينما الباقيات الصالحات خير عند ربك وأبقى.

ومن ثم تم صرف الناس عن متاع الدنيا الذي هو جزء من التفاعل معها ، وتطويرها لمزيد من الرفاه والسعادة ، إلى متاع الآخرة حيث يسكرون وينزون على الحور العين ويعيشون لذة الخلد الكسول أبدا الدهر ، تاركين الآثام للحلف السيادي يستمتع في قصوره بالشراب والجواري الحسان ، بينما كان أهل الدين يجلدون الناس في الشارع على شرب الخمر ويرجمون الزناة ، ليس فقط لجرهم إلى الجنة بالسلاسل ، ولكن لصرف العامة عن نعم وبلهنية ، تكفي بالكاد حلفاء السلطان في عيشتهم الراضية التي تطلب دوما المزيد ؟

وبسبيل تأكيد وتركيز الثروة كان يتم نزح ثروات المواطن والبلاد الإسلامية الخاضعة والإفراط في الجباية ، وهو مبدأ لازال يسري حتى اليوم منعا لحدوث مساحات تقارب أو مساواة ، لأن المساواة هي العدو الأكبر لحلف السلطان الديكتاتوري ، لأنها تؤدي إلى تسامح المتساوين مع بعضهم البعض ، ومن ثم ينبذ المجتمع التعصب ، لهذا يصر تاريخنا السلطاني على عدم السماح بتسرب السماحة إلى المجتمع ، بوضع نظرية المؤامرة الكونية الكبرى التاريخية ضد الإسلام ، منذ ابن سبأ الذي أشعل الفتنة الكبرى وحتى اليوم .

وهي المؤامرة التي لابد أن تفرض على العامة الانصياع للحلف السلطوي ، لأنه حامي حمى الدين والديار من العدوان الخارجي ومن المؤامرة ، ليصبح صحيح الإخلاص للأمة والدين هو إخراس أي صوت يعلو فوق صوت معركة دائمة ، يخوضها المسلمون دفاعا عن أنفسهم ضد المؤامرة العالمية التاريخية الصهيونية الصليبية الإستشراقية العلمانية الشيطانية ، وعلى كل الأغنام أن تقف وراء كلاب الحراسة التاريخية مطيعة منقادة.

ومنعا لحل أي مشاكل يجعلون طوارئ بلادنا الأمنية دائمة مستمرة ، حتى لو سالمتنا الدنيا كلها ، لأن هذا السلام سينهي فكرة المؤامرة ويسقطها مع توابعها تسلسليا حتى الحلف الكبير الذي لابد أن يهتز بدوره وينهار ، من هنا وضع مشايخنا في إسلامنا عقيدة جديدة تؤجج الصراع الدائم بين المسلمين وغير المسلمين في الدنيا كلها ، هي عقيدة الولاء والبراء التي تمسح السماحة مسحا ليستمر الصراع ، الذي يحتاج إلى تأجيج التعصب باستمرار بدلا من السماحة بين المسلمين ، لأن السماحة تنهي الصراع ولا تحتاج لمتعصبين يحمون العقيدة ، تنهي دور هذا الحلف المقيت.

يؤججون الصراع والتعصب كل يوم في كل مكان بأشرطة الكراهية التي حولت وسائل المواصلات في بلادنا إلى وسائل دعوة متنقلة ، بإعلامنا بتعليمنا بقيمنا ، فنذبح الوطن لأن مسيحيا حول غرفة في منزله إلى كنيسة ، أو لأن كاتبا او فنانا أو سياسيا أهان نبي الإسلام في بلاد ما وراء بحر الظلمات ، ليظل الإسلام دوما بحاجة لوجود سدنته ، وحتى ينسى الناس أن الدين في حماية صاحبه وأنهم ليسوا أكثر قدرة منه لأنه هو الله ، وأنهم ودينهم هم من في حمايته وليس العكس .

ويا حزن القلب على وطن لا شبيه له في عمقه التاريخي والعلمي تخرج قياداته اليوم من النخبة المتعلمة في نقابات محامين أو مهندسين أو أطباء أو نوادي هيئات تدريس الجامعة لينادوا بضرورة قفزنا إلى المستقبل خلاصا من الذلة والهوان ولكن بالعكس ، قفزا إلى الماضي ، كما لو كانت مصيبة تخلفنا الحالي لم ترض كامل رغبتهم ليأخذونا إلى مزيد من التخلف والأنهيار.

إن السدنة بعد سقوط الخلافة وما تبعها من حركات استعمارية واستقلالية انقسموا إلى فريقين ، فريق قرر استمرار العمل ضمن السلطة الرسمية لينعم إلى جوارها بنعيمها ، وفريق ثان قرر العمل تحت الأرض أي مع الناس ، لأنهم كلهم تحت الأرض ، مستغلا نفوذه التاريخي على أرواحهم من أجل تثويرهم أو دفعهم ولو بالقتل نحو الحكم الثيوقراطي ليحكموا بأنفسهم مباشرة دون حاجة لوجة مدني كان قناعا ليس اكثر ، مع تحالف تحتي بين الفريقين يدعمان بعضهما باستمرار .

ترى ما هو شكل خريطة واقعنا الثقافي الفلسفي الذي قدمته لنا الدكتورة (منى أبو سنة) وهي تجيب عن سؤال "لماذا يغيب التنوير في البلاد العربية" في صفحات العدد قبل السابق من هذه المجلة ؟

و حدثتنا عما قال الفلاسفة مؤسسا على الفلسفة الكانطية من أجل تنويرنا . لتنوير العقل فلسفيا بعد أن تم سلبه ملكة الفهم نفسها قسريا ، فلم يعد اللانضج اختياريا كما قدمت لنا عبر كانط إنما هو لا نضج قسري قهري .

إن التنوير الفلسفي الذي يستهدف المستقبل يحتاج سادتي الفلاسفة (وأنا بالمناسبة من أهلها المتخصصين) إلى رؤية مستقبلية تحدد ما هو المستقبل المطلوب وتعرفه عن يقين ، ويقيننا سادتي الفلاسفة أن مستقبلنا يتم بالتزام أوامر الدين ونواهيه كما تم وضعها لنا ، حتى نتأكد من حجز المكان الأفضل في جنات الخلد ، وهو ما يعني أن المستقبلية عندنا بالعكس يا سادة ، المستقبلية عندنا في الماضي ، لأن أزمنتنا تختلف عن أزمنتكم .

سيدتي الدكتورة تحيطنا علما نافعا بما وضع كانط من تشخيص لمعضلة التنوير ، وكيف أن "اللانضج المعيق للتنوير يعود إلى نقص العزيمة والجسارة في إعمال الفهم من غير معونة آخرين فيما لديه من نصوص" .

المشكلة سادتي الفلاسفة عندنا أن "نقص المعرفة وتقييد عمل الفكرة ، وقتل الفهم" ، هو قواعد إيمانية كبيرة ليست شيما تحتاج للجسارة عليها ، فهي بالعكس تماما ، فقد طلب الغزالي حجة الإسلام تلجيمنا عن الكلام باللجام كالحيوانات الملجمة ، ويحدثنا – نور الله قبره- قائلا : "إن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق ، عليه التقديس والتصديق والاعتراف بالعجز عن فهم كنه ما لم يفهم ، والكف عن البحث في باطنه ، مع التسليم بما يقوله أهل العلم (يقصد بالدين) في هذه الأمور" .

وهو ما يعني أن جماهير المسلمين قد حكم عليهم نظامهم الديني بالغباء وعدم القدرة على الفهم والتعلم ، لذلك وجب عليهم التسليم للمشايخ ، فهم أهل الخبرة الفنية في التعامل مع هذا الدين .

إن سادتي الفلاسفة لا يرون أننا في مرحلة سابقة على ما احتسبه كانط مسلمة موضوعية هي "إعمال الفهم" كملكة هي الأشد عدلا في تقسيمها بين الناس ، كما قال ديكارت ، ومع ذلك فإن هذه الملكة عادلة التقسيم لا وجود لها عندنا أصلاً ، نحن في مرحلة أسبق من مرحلة الفهم !!

كانط ينصحنا مأجورا مشكورا على لسان الدكتورة منى بالخروج على حالة اللانضج الاختياري ، بينما الدكتورة لاشك تعلم أن ما لدينا هو حالة لانضح معتقة معنعنة نقلية متوارثة ، حالة استنكار للفهم وإعماله في وجود سادتنا من سدنة التخصص في معرفة الله ، تحولت إلى عدم فهم يورث جينيا بصبه في روح السنوات الأولى لطفولة المسلم .. إن ما لدينا لم يخطر سادتى الفلاسفة لكانط .

وإذا كان الفلاسفة يريدون تنويرنا بالرجوع إلى فلاسفة الغرب بفلسفة نقلية فنحن في غنى عنهم ، لأن مصدر تنويرنا جاءنا عن نبينا عن إرادة إلهية ، جعلت من مجتمع جاهل جائع متخلف بدائي ، حاضنا لرسالتها الخاتمة ، وقيما وحاكما على شعوبها وشعوبنا الموغلة في الحضارة والمدنية .

نحن في بلادنا سادتي الفلاسفة النقليين ، أكثر رفاهية من الاحتياج للعمل ، فكلانا الأغنياء في الخليج والفقراء في غيره ، لم يقدم احدهما شيئا بعد للإنسانية يساهم به في حضارتها ، لأنهم ببساطة عندما يحتاجون شيئا باعتبار الحاجة أم الاختراع ، لا يخترعون ، إنما يلجأون للدعاء وللقنوت ، يطلبون إلى السماء أن تقوم بالمطلوب نيابة عنهم ، يريدون علما سابق التجهيز يسهر عليه رجال الدين ، ويعتمد مصدرا مرجعيا واحدا لا يتغير ولا يزيد هو القرآن والحديث . نحن في بلادنا نحقق ما نشتهي بالدعاء لنظهر لله أننا أخلص إليه ، وأننا الأولى برعايته من إسرائيل وأمريكا .

سادتي الفلاسفة .. إن أجهزة تشكيل الرأي العام الحديثة والهائلة القدرة كالمذياع والتلفاز لم تكن موجودة زمن كانط ، ليرى كيف أمكن استثمارها بالعودة إلى ما قبل بداية استخدام المخ لوظيفته (العقل) ، وساعتها كان سيقول كلاما اخر بالقطع .

إن خيرنا سادتي ليس معكم ، ولا مع كلامكم الكبير الرفيع البعيد عن مستوى فهمنا الملغي أصلا ، إن خيرنا ومصالحنا مع محترفي العمل الديني ، لسنا مع طه حسين بعد أن أعلن فشله بنفسه ونزع عن نفسه الاستنارة ، ولبس ثياب الشيخ ليعلن نهاية مشروعه بنفسه ما بين الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي ، ولا مع سيد القمنى بعد ان اعلن تبرؤه مما كتب ، ولا مع نصر ابو زيد بعد ان هرب بجلدة الى هولاندا وارضنا تتشقق عطشا البة .. بينما لم يتراجع لا ابن كثير ولا ابن حنبل ولا ابن عبد الوهاب ولا ابن لادن ولا ابن الزرقاوى ولا ابن قرضاوى .

سادتي الفلاسفة يرون "ضرورة الإصلاح الديني الذي يحقق مشروعية الفحص الحر للنص الديني" . ألا تعلمون سادتي أن هذا الفحص الحر المطلوب قد تم وانتهى العمل منه خلال القرون الآربعة الهجرية الأولى ، وعلى يد أسلاف أعظم منا تم القرار بشأنهم بأنهم "لا يجود التاريخ بمثلهم مرة أخرى" !! وقد بذلوا الطاقة وأفرغوا الجهد والطاعة في فرز الحديث وإسناد الما ئل منه وشرحوا القرآن وفسروا غوامضه وأرسوا قواعد الفقه ، حتى بات من القول المأثور "لم يترك السلف شيئا للخلف " .

إن إعادة الفحص المطلوبة هي عمل مغرض خبيث ضد ما أجمعت عليه مقاصد الأمة ، وهو جزء من المؤامرة العالمية ، وللدين حراس وللأمة أمناء يا فلاسفة .

أما كيف يقوم الإصلاح الديني : يقول لنا الفلاسفة "بمبدأين هما : إجلاء الغموض الكامن في النص الديني ، والثاني إعادة الفحص"!!

يا للكلام الجميل حقا ، لكنه يبدو مطلا من نافذة أخرى لا ترانا ، فلا غموض لدينا ، لأنه يصيب من يريد أن يعتقد نفسه فاهما ، يصيب ضعاف الإيمان لعماء بصيرتهم وغضب الله عليهم ، لأن المؤمن الصادق ينير الله له بصيرته ، وإن لم ير ما وراء النص الغامض فسيريه الله إن آجلا أو عاجلا ، بدليل وجود مشايخ لا يجدون أي صعوبة مع أي نص فى اى شئى كان . وفكرنا هو الصالح لكل زمان ومكان لأنه معرفة إلهية تامة ، والإيمان به نهايته حتمية معروفة ليس فيها أي احتمالات .. جنة الخلد بخمرها وحورها وولدانها ، حيث لا مهمة للمؤمن سوى الاكل والسكر والنكاح فى لذة ابدية .

أمتنا الوحيدة في العالم التي اكتشف فيها رجل الدين (الزنداني اليمني) علاجا نهائيا لأمراض البشرية المستعصية الثلاثة "السرطان وفيروس سي والإيدز" ، وربما يسعى الآن إلى اكتشاف دعاء يسقط صورايخ وطائرات الأعداء قياسا على إسقاط المطر بالصلاة .

سادتي الفلاسفة.. إن حتمية قيام التنوير تصبح قائمة عندما نشعر بالحاجة إليه ، بينما نحن نعتقد بحاجة العالم غير المسلم كله إلينا ، لننقله مما هو فيه من ظلمات إلى نورنا.

سادتي الفلاسفة ، إن البداية تكون عندما نقتنع أن ما بأيدينا ليس شيئا ذا بال ، بل هو شيء بالت عليه كل القرون اللواحق.

نشرت فى روزاليوسف 18/2/2005

ادفنوا موتاكم !

على عينا وراسنا كل ألوان الخطاب التدليلي التبجيلي لمؤسسة الأزهر ، لكنني أعتقد أنه مع حركة الإصلاح فلا أحد فوق المؤاخذة أو كبير على المساءلة ، ومن هنا سأحاول إلقاء نظرة تاريخية على الأزهر للوصول إلى نتيجة نستطيع أن نحكم فيها على أدائه كمؤسسة حكومية وطنية ، خاصة في ظل مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان ، والتي سنصر طوال الوقت على طلب تفعيلها في واقعنا حتى نصدق ما يحدث ونتفاعل معه ونحترمه .

إن الأزهر يقوم في مبادئه على اهداف ثابتة وغايات اسمى ، هي تخريج قادة للفكر الديني ، هدفهم إنقاذ العالم من الظلمات والأخذ بيده إلى النور ، أي إلى الإسلام ، ويقدم للدارسين فيه معارف ومهارات يؤكد أنها الأفضل في العالم كله ، لأنها موروثة عن الزمن القدسي عندما كانت الأرض على اتصال بالسماء في بلاد أخرى تقع على الجانب الشرقي من البحر الأحمر ، وأن الرب قد أختار هذه المنطقة وباركها وحرمها وبخاصة مكة والمدينة ، فأصبحتا أقدس المواقع على الأرض ، وأن الله الذي أوحى لعبده هناك هو الأدرى بما يصلح لمخلوقاته منهم.

و هنا نقول كلاما تقريريا لا بلاغيا أن هذا الفكر عندما يكون الخلفية والأساس الذي يقوم عليه التعليم الأزهري ، فهو ما يعني أن هذا اللون من التعليم قد ظل دون تطور أو تغير أو تبدل أو انفتاح ، تأسيسا على مسلمة تؤكد أن خير القرون في الزمان كله كان بالحجاز في القرن اسابع الميلادى.

وتقوم المسلمة على حديث بهذا المعنى ، فيترتب عليها أن أي تغيير يتفاعل مع متغيرات الواقع وتقدم الزمن ، يعني أن هناك نقصا في مأثورنا وتراثنا الكامل المقدس ، وحتى لا يكون هناك أي نقد تم تشريع الحدود التي تقونن قطع الأطراف وجز الأعناق والجلد والسلخ في حال التفكير ، مجرد التفكير ، بما يتناقض مع تراثنا الخالد أبد الدهر ، تفنى الدهور ولا يفنى.

و المعلوم أن التعليم في بلادنا قد انقطع عن تخصصاته القديمة في جامعات الإسكندرية وأسيوط وطيبة ، ومدارسه المتخصصة في الفنون والعلوم على اختلافها ، فمع الفتح العربي أصبح التعليم في بلادنا كله دينا وبعضه دين وما يستنتج منه دين ، وذلك لكفالة طاعة المواطنين لسيادة سلطة تمثل جماعة أو هيئة أو طائفة ، مهمتها أن تقوم بالتفكير نيابة عن كل المواطنين ، لأن الوطن ليس بحاجة لتفكير أكثر مما هو بحاجة إلى دين وذمة وشرف .. إلخ ..إلخ ، وتعتبر هذه السيادة السلطوية نفسها العقل المفكر القادر المبدع المتمكن من إدارة كل الشئون داخليا وخارجيا ، وذلك لأن العوام قاصرون عن إدارة شئونهم بالخلقة والفطرة .

ومع هجمة الأسلمة التي أتتنا مع زوبعة ما يسمونه "الصحوة الإسلامية" تمكن السعودي بن عبد الوهاب من إعادة فتح مصر ، وقام كل أسيادنا من القبور ، يشيرون لنا كي نسمع ونطيع ، هكذا قال بن تيمية ، وهكذا قال الغزالي ، وهكذا قال ابن عبد الوهاب ، وهكذا قال ابن قطب ، وهكذا قال ابن عاكف ، وهكذا قال ابن ابى العزائم ، لقد نهض موتى التاريخ ليحكمونا مرة أخرى كسادة لنا يقولون قولا مقدسا ، بعد أن ظلوا يقولون ما ينوف على ألف وأربعمائة عام ، ظلوا أربعة عشر قرنا يقولون وحدهم ولا ينطق غيرهم ، ومعهم لا قول لشعب ولا لمواطن عبر التاريخ الهباب غير قول آمين.

ماذا يقول الطالب الدارس؟ وهل مسموح له أن يقول أمام البخاري أو الشعراوي وباقي جحافل هذه الأقوال المقدسة المنزهة وحدها؟ إن الطالب في ظل هذا المنهج التعليمي لن يفهم أبدا أن من حقه أن يقول ، فهذا شيء عجاب ، وبدعة ما لها في شرعنا من باب.

ألا ترون المسلمين في الفضائيات يخاطبون أصحاب القداسة بقولهم : يا شيخنا ويا مولانا ويا سيدنا ، في اعتراف بائس بأن العبودية كحامل لهذه الثقافة قد ختمت الأرواح بالذلة والمسكنة؟

ألا تسمعونهم يطلبون الفتوى على الملأ في أخص الشئون حتى أدخلوهم معنا في مخادع الزوجية؟

ألا ترون مدى الصغار ومدى التمكن من الأرواح والعقول حتى بات الواحد منا لا يخطو خطوة دون أن يعرف فيها رأي مشايخنا؟

وفي المقابل لابد أن يستشعر الشيخ أنه شخص استثنائي غير باقي الناس ، فهو سيدهم ، وهو من يخطط لهم ، وهو من يضع لهم القوانين ، ويكون له الحق كل الحق من بعد أن يكفر هذا ويرضى عن هذا ، أن يشكل خطرا على هذا النظام ، وأن يضغط على ذلك الفريق ، ومن ثم أن يلعب سياسة ، لأن جمهوره يقدسه ، وهو الفائز بحول الله.

و كلنا يعلم أن الهدف من إنشاء الأزهر كان هو دعم توجهات الفاطميين بمصر ، ومع تغير الأنظمة الحاكمة والمذاهب المسيطرة ، تقلب الأزهر في جلسته مع كل جديد على مستوى السلطة ، وأتيت أنه يمكنه التغير مع المتسجدات ، فانتقل من التشيع الفاطمي إلى المذاهب السنى في نقلة نقيضة بالكلية ، ومن بعد ذلك أثبت مرونة مذهلة في التحول والتغير ، فكان مع اشتراكية عبد الناصر ، ثم مع الانفتاح الاقتصادي ، وكان مع الحرب ، ثم أصبح مع السلام ، وهي مرونة تحسده عليها كل الهيئات الدينية المشابهة في العالم .

لكن عندما يتعلق الأمر بحريات المواطنين أو بحقوق الإنسان الأساسية كحق الحرية وحق الاعتقاد وحق إعلان الرأي ، فإن الأزهر كان يتخذ أشد المواقف تزمتا وانغلاقا وأصولية شديدة المراس. وهو أمر يؤدي إلى التساؤل عن سر هذه الازدواجية ما بين أزهر مرن قادر على تطوير نفسه وتطويع الإسلام لما هو جديد ، وبين وقوفه ضد حقوق المسلمين وحرياتهم الأساسية !

هل كان موضوع مشايخ الأزهر عبر التاريخ هو استمرار الحظوة السلطانية وهباتها اللدنية فقط؟! هل كان مع ما يريد الحاكم حتى لو قهرا واستعبادا ، ويصبح ضد شعبه عندما يطلب أن يكون إنسانا كبقية الناس في العالم ، وإنسانا كريما كرمه الله ؟!

والملاحظ لتاريخ الأزهر سيكتشف أنه رغم كل ما حصل عليه من قداسة ورفعة ، فإنه لم تثبت عليه يوما اهتمامات وطنية بالمعنى المفهوم من كلمة وطنية ، ومن كلمة مواطنة ، لأن لغته واهتماماته وموضوعاته وتاريخه وكل ما يتعلق بشأنه الدعوى يأخذنا إلى وطن أهم وأقدس من مصرنا ، يأخذنا إلى حيث أسيادنا في الحجاز . ولا أتهم الأزهر أنه انشغل يوما بناسنا الذين هم على مختلف الاصطلاحات : غوغاء ، رعية ، أهل ذمة ، أنباط ، علوج ، موالي ، بقدر ما انشغل بكيف يوجه العوام ليدفعوا لله والحاكم ، كما لا أتهم الأزهر بأنه حقق سبقا في ميدان حقوق الإنسان ، لأنه ضدها حتى الآن ، وأكثر ما يحز في نفسي كمسلم أن الأزهر لم يسع مرة إلى رقي الأمة ، أو دعوتها إلى نقل الحضارة من بلاد المتقدمين إلى بلادنا ، حتى بعد أن أدرك مدى تخلفه مع مجئ الحملة الفرنسية ، ومع ذلك لم يطور الأزهر نفسه ، ولأن فاقد الشئ لا يعطيه ، فهو ما كان بالأصل قادرا على تطوير الأمة.

حتى بعد بونابرته ، وقف الأزهر ضد كل اكتشاف أو أختراع أو حرية ، لأن كل ذلك خروج على الإيمان ، لأنه لم يخرج من لدنهم هم ، ولا يبقى إلا أن تسألهم : ومن أعجزكم عن فعل مثل فعلهم وأن تتطوروا مثل تطورهم ؟! هل كان المسلمون سيقولون لكم لأ . . هذا كفر؟

وعبر السنين السوداء السوالف التي كان فيها أجدادنا يروون أرض مصر الطيبة بعرقهم ودموعهم .. وحتى الآن ، كان رجال الأزهر هم محل الوجاهة الاجتماعية والوجوه المقدمة ، تحترمهم الرعية وتجلهم ، بل تتبارك بهم وتتقدس ، لكن هذه الرعية التي كانت تقبل الأيدي طلبا للرضا السماوي ، لم يكونوا موجودين في أجندة مشايخنا ، لأن مصدر رزق مشايخنا ووضعهم السيادي مستمد وقائم على عدم الأخذ في الاعتبار بشئون الرعية في القرارات السيادية ، لذلك كان رجال الأزهر هم الطبقة الحقيقية الحامية للحكام من أجل استقرار الأوضاع الاجتماعية على ما هي عليه دوما ، ومن ثم كان الأزهر هو الحامي الحقيقي لمنظومة الاستبداد الشرقي في دولة خراج تتركز كل السلطات فيها عند القمة ، حيث السادة والأشراف والبكوات والفاتحون ، ولم يكن للشعب سوى دور واحد هو تنفيذ الأوامر والصدع بالفتاوي ودفع المطلوب منه لتقسيمه على مائدة اللئام ! ثم ال الازهر فى النهاية الى حليف للحكومات الوطنية ، اخذ بموجبة مكانا سياديا يتم تعيين شيخة بقرار جمهورى مع تلقيبة بالامام الاكبر وبدرجة رئيس وزراء !!!!!.

وكلنا يعلم أيضا أنه بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر ، فإن محمد علي لم يلجأ للأزهر مع عزمه وكارزميته وخططه لبناء مملكة قوية ، إنما اتجه أولا إلى التخلص من كل مراكز القوى الفاسدة في مذبحة القلعة ، ثم اتجه ثانيا نحو أوروبا ، و لم يستطع الأزهر حينها أن يقدم بديلا وطنيا أو قوميا أو دينيا أو محليا للتحضر كالغرب ، لم يكن عنده ما يفيد به الأمة وينهض بها ، كان خالي الوفاض .. كان لا يعرف سوى التخديم على السلاطين ، وهو ما استمر يقوم به ، لكن النهضة زمن محمد علي تركته إلى بعث البعثات واستجلاب الخبراء وخطط الإصلاح الغربية ، فنهضت مصر لتصبح ندا للدول العظمى في عصرها منذ قرنين من الزمان . وقامت نهضتها على الانفتاح على العلم بمعناه العصري الإنساني الكشفي الابتكاري التجريبي ، وأيامها قال أحدهم : لو كان لمشايخ الأزهر أي نفع لأخذهم معه نابليون إلى فرنسا.

ولابد من توضيح بدهية معلومة وهي أننا عندما نتحدث عن الأزهر لا نتحدث عن الإسلام ، لأنه ليس في القرآن أو الحديث شيء اسمه أزهر أو رجال أزهر ، وبالنظر إلى حال الأزهر سنجد أنفسنا بإزاء حالة متحفية تتحرك في عالم حفري ، لأن علماء الأجناس والحضارات يقولون لنا أن أيه حضارة سليمة لابد أن يضيف إليها الجيل الواحد إضافات ابتكارية جديدة تصل إلى نسبة 15 % لتفسح المجال للتطور والنمو والازدهار ، بينما تعلقت قلوب الناس في بلادي برجال الدين ، فإن رجال الدين في بلادي مازلت غاية أمانيهم أن نعود معهم إلى القرن السابع ميلادي ؟! هي دعوة إلى "الخلاء" حيث لا تاريخ ، ولا وجود.

وإذا طالعنا كشف حساب الأزهر في تأدية مهمته التأسيسية ، وهي حماية دينه ومجتمعه ، بما له من كرامة مرفوعة وأموال مدفوعة ليؤدي دوره التربوي والديني ، ولأنه قلعة ديننا الحصينة بالفرض الضروري ليبرر وجوده ، فإن أزهرنا لم يحصن نفسه ولا مجتمعه ولا دينه ، وفشل بكل سلطانه القادر في إرساء مبادئ الدين السمح ومعاني الأمن والأمان أو التطور بالدين ليتماشى مع متطلبات الزمن ، لقد فشل الأزهر في ذلك ولم يستطع مواجهة الفكر التكفيري ، بينما من تصدي لهذه المهمة للحفاظ على الدين وعلى الناس وعلى الوطن ، هم المفكرون الليبراليون الذين يكفرهم الأزهر ، وأنهم في ذلك أصحاب الفضل العظيم الذي لا ينكره إلا فاسد الضمير والأفاق اللئيم . لقد فشل الأزهر لأن الفيروس اخترقه مبكرا ، بينما أمن الليبراليون من الإصابة عندما تحصنوا بطعم الحضارة.

لقد فشل الأزهر في أداء دوره لله وللوطن وللناس عندما أصر ولم يزل يصر على مسلمة أن "الحق لا يتغير".

نعم إن الحق والخير والجمال هي قيم مطلقة بين بني الإنسان ، لكن معيار القيمة نفسه قد تغير بمرور الزمن ، واكتسبت هذه القيم معاني جديدة ، وللتبسيط الشارح اتساءل : هل تكون مضاجعة رجل لامرأة رغم إرادتها بحجة أنها جارية أو ملك يمين أو سبية حرب .. خيرا!؟ أم هو هتك عرض علني بموافقة القانون الشرعي ؟!

وهل يظل القانون الذي يشرع هذا قانونا ملائما اليوم؟

وهل مضاجعة صغيرات البنات حتى سن تسع حسب المبدأ السني المعلوم هو خير اليوم أم شر؟

وهل الفنون الجميلة بأنواعها من موسيقى إلى مسرح إلى باليه إلى غناء وطرب إلى فن تشكيلي رسما أو نحتا أو تصويرا ، مما يرتقي بالحس الإنساني ويؤدي إلى رهافة الروح .. هل هذا شر؟ أم خير؟

وهل تفجير زوار الحفيد النبوي في مساجد العراق في يوم الجمعة ، وتمزيق أشلاء الأبرياء من شيعة أو نصارى العراق .. هو خير أم شر؟

يبدو سادتي أن الأزهر بما يعلنه يعيش زمنا غير زماننا وعلينا نحن أن نراجع شئونه ، وقبل هذا وذاك أن نراجع فهمنا لقيم الحق والخير والجمال بما يوافق زماننا.

والعجيب أن الأزهر يراوح مكانه دون أن يلتفت شرقا إلى بلاد المقدسات ليرى الإصلاح وهو يدق أبواب الأرض المقدسة ، ونوافذ محمد بن عبد الوهاب ، ثم قام الأزهر يصلح ويعالج بعد أن دقت أمريكا عاصمة الخلافة ، منذرة بقية الأنظمة الخليفية في المنطقة لكن الأزهر قام يصلح بنفس الفكر ونفس الأدوات وذات المنهج والمنطق ، فهو يعالج بينما هو حامل الوباء ، ويداوي بالتي كانت هي الداء . مشايخنا مازالوا عند قديمهم لا يدركون أن القيم أيضا متغيرة ، وأن الحق ليس واحدا ، وأن الخير والجمال أيضا قد أصبحا قيمتين إنسانيتين لا طائفيتين ، بل تشملان جميع البشر.

كان يفترض في الأزهر بالنسبة للدين أن يكون كوزارة الصحة بالنسبة للمواطنين ، لكنه عندما لم يتحرك اخترقه الوباء واستشرى وانتشر .. فإذا برجاله يصدرن فتاوي قتل الأبرياء فيستشهد فرج فودة ، ويطعن نجيب محفوظ ، ويقفون ضد الحملة التي قامت للقضاء على عادة ختان الإناث بفتاوي محتشدة ، ويكفرون بنوك الدولة ويحرمون معاملاتها بما يضرب الاقتصاد الوطني في مقتل.

فذهب الناس يودعون أموالهم بيوت الأموال الإسلامية برعاية مباشرة علنية دعائية من رجال الدين في بلادنا من شعراوي إلى قرضاوي ، إلى أزلامهم ممن وفروا للصوص نهب فقراء مصر وتدمير اقتصادياتها ، عندما ركن الناس إلى ثقتهم في مشايخهم بإيمان تسليمي خانع خاضع يبحث عن ربح سريع دون بذل أي جهد ، فكان ما كان ، وكم حذر أخي وصديقي الراحل ممجدا فرج فودة من بيوت الأموال ارجع لكتابة (الملعوب) ، وقدم فيه الدراسات الوافية بحسبانه اقتصاديا مبرزا ووطنيا مخلصا ، في وقت كان المشايخ يعلنون ويدعون لبيوت الأموال ، وأيضا يقبضون أجورهم من هذه البيوت من مال الفقراء ، وقتلوا فرج بفتاواهم وفروا بأموال الناس ، ولم يقم واحد فقط ممن قبضوا من هذه الأموال بردها حتى تعود لأصحابها ، من شعراوي إلى قرضاوي وما بينهما وما بعدهما من أزلام ، ومع ذلك مازال عوامنا يعتبرونهم السادة والأسياد.

لقد ظلوا يقولون ألفا وأربعمائة عام "أربعة عشر قرنا" البخاري يقول .... ، وابن عباس يقول ..... ، وابن تيمية يقول ..... ، وبن لادن يقول .... ، ليضيفوا لإسلامنا مالم يكن فيه يوما ، وكلهم ليسوا بأنبياء ، لقد قالوا طويلا وقننوا طويلا.

لكن اليوم من سيقول ، هو نحن .. الناس ، وسنقول كل مختلف عن المعلوم بالضرورة ، وسنعلن كل رأي يضرب الخطوط ، الحمراء جميعا ، ويهتكها هتكا ، وسنتجاوز كل الأسوار المانعة القامعة من ثوابت الأمة ، سنقول مصالحنا ومعاشنا ومستقبلنا وحرياتنا وحقوقنا الإنسانية ، نريد عندما ينزل المواطن المصري بلدا لا يفتشون حتى ما تحت ملابسه الداخلية ، نريدهم ان يستقبلونه هاشين باشين حفاوة بإنجازه وعلمه ونبوغه ، لقد انتهى بنا مشايخنا إلى كاريكاتير دموي ومحل هزوء وسخرية واحتقار من شعوب العالم ، بعد أن وأدوا وقتلوا كل جميل في بلادنا.

اليوم لم تعد معاهد العلم مكانا لتعليم الناس الإيمان ، فهو أمر يحصله الإنسان بنفسه عندما يريد ، ولم تعد مكانا يحفظون فيه التراث ، لأن التراث يحفظ بدار الكتب أو المتاحف ، معاهد اليوم هي التي تقوم بصنع الإنسان الحي لا الميت ولا المخدر بأحلام أموات لم تتحقق يوما ولا حتى في زمانها القدسي ، معاهد اليوم تعلم الناس ما ينفعهم بالعمل والجهد المنتج المبهج.

أما التراث وأهله الملتحفون بأكفان الموتى فقد آن لنا أن نودعهم اليوم غير آسفين داعين أهل مصر : يا أهل مصر .. ادفنوا موتاكم ، وبلا عزاء !.

نشرت فى روزاليوسف العدد 4006

اعقروا الجمل

لم يكن المتفجر فردا منفلتا متوحدا ، بل تأكد أنه ضمن خلية ، والله يعلم أين بقية الزنابير ، لكن الفكرة لا تنتفى بهذا الاكتشاف لأنه قد صار ممكنا أن يقوم بالفعل الإرهابى شخص مفرد ، كما حدث بطعن مواطن لسائح يقبل زوجته قبل التفجير بأسبوع ، لقد علمناهم وثقفناهم أن هذا المشهد الذى ترق له حواس البشر فى كل الأرض فيهشون له ويبشون وتخفق قلوبهم له حنانا وتفيض مشاعرهم بالإنسانية.

علمناهم فى المدرسة وفى التليفزيون والمسجد وداخل الأسرة أنه مشهد قبيح داعر غير محتشم ، فكان رد فعل المواطن هو خروج الطاقة التى زرعنا مولدها بداخله ، حتى إنه لم يستطع أن يقاوم مولد الكراهية والقبح بداخله فطعن الزوجين بالمطواة ، فأى قبح وكراهية زرعنا فى بلادنا الجميلة الرقيقة ست الحسن كله؟!

إن مولد القبح والكراهية والقسوة كمولد الطاقة ، ينفجر مع ازدياد الضغط بداخله ، وهو ما يقع تحته المسلم المسكين مع ما يتعرض له من ضغط هائل من أهل الدين فى بلادنا أكثر مما يتعرض له أى أهل دين آخر فى العالم.

فبينما يكفى المسيحى صلاة أن يرشم الصليب فى ثانية واحدة ، فإن المسلم مطالب بالتحول إلى آلة ميكانيكية تردد ذات الفعل كل يوم ، فهو مطالب بأن يذهب إلى المسجد خمس مرات فى اليوم ، ومطالب باستمرار بقراءة القرآن والتباكى إن لم يستطع البكاء وأن يقضى فيه يوم العمل الرسمى بلا إمكانية لأحد أن يطالبه بأداء عمله وهو يقرأ القرآن ، وتلاوة ما لا حصر له من أدعية وأذكار تصاحب كل حركة وكل سكنة من صحوه فجرا إلى لحظة دخوله فراش الزوجية.

عملية ترديد تكرارى فيسرح منه العقل فلا هو مع ما يتلو ولا هو مع ما يجرى فى واقعه ليفهمه ، فى فاصل ساتر بين العقل وبين واقع العالم الذى يجرى من حوله ، فيصبح فى حالة هلوسة مستديمة ضاعت معها القدرة على التمييز بين الجميل والقبيح ، وبين الخير والشر ، وبقيت فقط قيمة الحلال والحرام من وجهة نظر الإسلام وحده ، على المسلم محظورات ضاغطة عاتية ، فهو ممنوع من السؤال خارج القواعد المسموح بها ، وحرية التفكير ، فهى كما حدد الدين شروطها ، وكذلك تمتنع حرية الرأى ، ولا حوار إلا حول كتاب الله وشئون الشريعة كما قررها فقهنا.

و للملبس شروط وأصول تحولت إلى فرائض إسلامية مستجدة كالحجاب ، وياليتهم فرضوا للمسلمين شيئا يدفعهم للأمام ماداموا قد قرروا أن يضيفوا لفرائض الإسلام ما لم يكن فيها بابتداع غير حميد.

وعلى المسلم أن يكون حافظا لكثير من آيات النجاح عند الإقدام على الفعل وآيات إعماء الخصم وفك بصيرة المسلم وجلائها ، المسلم محروم من الكرنفالات الجماعية التى تجمع أبناء الوطن كله على الحب والتلاقى فى شوارع الوطن ليحبوا بعضهم ويحبوا الوطن ، المسلم محروم من الترفيه و الرقص الجميل الراقى والفن الذى يرقى الأحاسيس ، محروم من السينما ومن الرواية ومن المسرح ومن الموسيقى اللهم إلا الدفوف وهو ما لا علاقة له بالموسيقى.

المسلم محاصر حتى الشلل فى العقل فيسلم عقله لنواب الإسلام على الأرض ، لأن هناك من يفكر له ، وهو ما يقوم على مبدأ أن الرسول لم يكن ينطق عن الهوى وهو رسول ، وكان لا يجيب عن أى سؤال لمسلم إلا بعد وصول الوحى ، فما بال المسلم وهذا نبيه وسنته وقدوته ، هل بإمكان المسلم أن يخطو خطوة من تلقاء نفسه؟!

أما المرأة المسلمة فهى إلى عبودية ذليلة كما قال إمام المفسرين الرازى ، فهى عنده بعد تطبيق كل واجباتها تصبح كالأسيرة فى يد الرجل ، ويقول قرضاوى «الجزيرة/ حلقة الأهلية السياسية للمرأة» ، مفسرا ما تنوء به المرأة المسلمة ، فهى إضافة إلى كل المطلوب من المسلم الذكر ، فإن عليها واجبات أكثر وحصارا أشد ، يقول قرضاوى:«ضوابط أكثر للمرأة لأن الرجل ليس فتنة كالمرأة ، يطلب منها تغطية الشعر والنحر والعنق ولباس ما لا يشف ولا يصف.. المرأة مطلوب منها من الضوابط ما ليس مطلوبا من الرجل» ، ويفسر قرضاوى السر فى كل هذا الضغط على المرأة دون الرجل بقوله: «المرأة تودى الراجل البحر وترجعه عطشان.. وإن كيدكن عظيم»!

ولهذا القدر سلمت المرأة عقلها وروحها واعتقدت أن تلك فروض دينية مقدورة عليها ، حتى قامت الدكاترة السيدات الأزاهرة يكفرن كاتب هذه السطور عندما تحدث عن حقوق المرأة المطلوبة لها كمواطن كامل الأهلية كالرجل عبر الإعلام والتعليم والمسجد ، وحتى الجماعات الدينية الأهلية ، أمكن السيطرة على عقل المواطن ، ومن ثم إمكانية توجيهه حسب المراد ، أصبحنا أدوات فى أيديهم يفعلون بنا ما شاءوا ، إن شاءوا حاربوا بنا من أجل أمجادهم ، وإن شاءوا حولوا بعضنا إلى آلات تفجير متحركة ، فهناك فريق الوعظ والإرشاد ، وهو الأكثر خطورة لأنه الذى يفرش الأرض الثقافية للإرهاب ، وهناك فريق التبرير الإعلامى للأعمال الإرهابية ، يدين من طرف اللسان ليبرر بأسوأ التبريرات ، وهناك فريق التفجيرات المحترف الذى يترك لفريق آخر مهمة الدفاع عنه وتبرير فعله ، فإن ضاقت الحلقة ادعوا أن هؤلاء قلة لا شأن لهم بالمسلمين ، وأن الإسلام برىء منهم ، وأنهم يتفجرون حولنا وفينا وفى كرامة بلادنا وفى ديننا لأنهم قد حرموا من الحرية. أترون مكاسب الصحوة الإسلامية المباركة؟! أتروننا فى قاع الأمم تخلفا ، بل أكثر الأمم حصولا على احتقار العالم؟!

أترونهم وقد أوهموا شبابنا أن الاستبداد شأن حديث العهد اخترعته الحكومات الحالية بدعم من دول الكفر ، وعلى رأسها الطاغوت الأمريكى ، وأن قيم الحرية والعدالة والمساواة كانت هى السائدة فى مجتمعات المسلمين قبل ظهور الاستعمار ، يقولون ذلك باسم الدين المفترض فيمن يتحدث باسمه أن يكون لسانه أكثر طهارة من ذلك ، وأرفع من ذلك التدنى والكذب على الوطن وأهله من أجل مكاسبه السيادية على أكتافنا طوال تاريخنا الأسود الدموى المرعب منذ الفتح وقوانينه. فى هذه الشبكة العنكبوتية التى مدت خيوطها الشريرة فى كل الوطن واستشرت سرطانيا فى عقل أبناء الوطن ، تتوه منك الإجابة وأن تتساءل: من المجرم القاتل؟!

فى حادث الأزهر ، وما قبل الأزهر ، وما بعد الأزهر؟! هل هو الشيخ المرجعى للإخوان وإخوانهم على مختلف الأصناف الشيخ قرضاوى ، الذى وقف ضد السياحة ، وهى المصدر المالى الأكثر ضمانا لمصر من أى مصدر آخر ، لأنها تملك كنزا يعدل كنوز العالم الأثرية مجتمعة ، فقال فى حلقة «الظاهريون الجدد/ الجزيرة»: «يزعمون أن مصلحة الناس أننا نبيح لهم البغاء.. أن نبيح للناس المسكرات تشجيعا للسياحة» ، وبداية كان هذا مدخله لتكفير السياحة: البغاء والمسكرات ، لقد كانت مكة كذلك لكن النبى منع هذا الدخل الاقتصادى مقابل دخل آخر ، هو الجهاد فى سبيل الله من أجل الحصول على دخل أعظم وأفضل بفتح البلدان واحتلالها ، لأن الله قال: «وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ، يعنى إذا كنتم خايفين من ضيق ، ربنا هيوسعها عليكم ، وفعلا وسع الله عليهم بالفتوح والغنائم» ، انظر إلى النصب على المسلمين وعلى الله على الملأ! المقابل إذن هو الجهاد لاحتلال العالم بعد إلغاء السياحة من بلادنا. بينما ملك البحرين فى جواره رفض الاستجابة لطلب المتأسلمين فى بلاده إلغاء الخمر ، لأن مملكة البحرين تحقق الآن أعلى عائد اقتصادى بالنسبة لعدد سكانها لكونها «موناكو» الخليج ، بفضل مجىء العرب المحرومين من الخمر فى بلادهم إلى البحرين ليعيشوا هناك فى لون من السياحة لا علاقة له بالآثار التى يقتل شبابنا زوارها.

رغم أن هناك آثارا جميلة ومهمة فى البحرين ، لكنها لم تكن يوما السبب فى ارتفاع الدخل الاقتصادى لهذه الدولة الصغيرة المنفتحة بذكاء بعد أن كانت أفقر دول الخليج. إن موقف قرضاوى ليس موقفا شخصيا بالتأكيد ضد مصر وضد توفير مصدر رخاء لأبنائها ، لأنه يقف ضمن جوقة كاملة تردد ذات الخطاب ، معظمهم فى مصر ، قرضاوى يرى: «أن هناك من يسعون إلى تفكيك الإسلام.. فيريدونه إسلاما بلا جهاد ، وزواجا بلا طلاق ، وعقيدة بلا شريعة ، وحقا بلا قوة ، ومصحفا بلا سيف ، هو رسالة تشمل كل جوانب الحياة من أدب الاستنجاء إلى بناء الدولة. يشرع للإنسان منذ أن يولد إلى أن يموت».

دون أن يقول بالطبع أنه لا يوجد قول شرعى فى الشأن السياسى ونظام الحكم فى الإسلام ، حتى لو قام بتأويل بعض الأحاديث فإنه سيجد أنها أقل بما لا يقارن باهتمام الإسلام بنظافة العربى مثلا: «أدب الاستنجاء» ، وشروطه ، فاهتم بشئون وتفاصيل ليست بذات شأن فى حياة المجتمعات والدول وسياستها ، وأهمل الشأن السياسى ، مما يشير إلى أنه قد ترك الشأن السياسى للمسلمين ، لكن قرضاوى ورجاله يقولون إن الشأن السياسى هو حكم الله وليس البشر وبما أن الله لن يحكم بنفسه ، فهم قد اختاروا أنفسهم للحكم بالنيابة عنه!

أوهم قرضاوى شبابنا المسلم بفكرة شمولية الإسلام تلك ، وأنها أصل الإسلام الذى دونه الكفر العلنى ، حتى اضطره المفكرون الليبراليون للاعتراف بأنها أبدا لم تكن أصلا من أصول الإسلام ، وبقوله فى الجزيرة فى 20/2/2005: «لما سقطت الخلافة الإسلامية وليس للإسلام سلطة دينية ، ماعدش للإسلام شىء ، لذلك الإخوان و حسن البنا كانا من أبرز دعاة هذه الفكرة». وفكرة الحاكمية ظهرت متأخرة فى كتابات سيد قطب ، إنما فكرة الشمولية بدأها حسن البنا منذ سنة 1928.

هذا قول مولانا فى اعتراف شديد الوطأة لا تعرف معه ما يجب أن نفعله مع مثل هؤلاء الذين أوهموا المسلمين بشمولية الإسلام لكل حركة وسكنة للمسلم ، وساعدتهم الدول الإسلامية عبر ما تملكه من وسائل تثقيف إعلامية وتعليمية لتأكيد هذه المعانى التى ليست أكثر من معان وأفكار لجماعة محظورة ملوثة بالدم.

لكن قرضاوى سعيد بما أنجزه فريقه فهو يقول سعيدا ومعه كل الحق: «أصبح المسلمون يتنادون فى كل مكان بتحكيم الشريعة الإسلامية ، ولو عمل الناس استفتاء من يحكم: الشريعة أم القانون الوضعى؟ الشريعة الإسلامية ستكتسح». ومع الشمولية الموهومة للإسلام بالصلاحية لكل مكان وزمان ، التى بدأ زرعها وريها منذ حسن البنا فقط ، يجب علينا الرجوع للقرن السابع الميلادى فى كل شأن من شئوننا ، ومسألة السياحة لا يعرفها الإسلام ويرفضها إذا لم تكن فى النطاق الإسلامى ، فلا سياحة فى الإسلام لأنه «لا يشد الرحال إلا إلى ثلاث: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا» ، يعنى قبرص واليونان كفر ، وكلما تعمقت أكثر كان كفرك أعظم ، المتعة الشخصية ممنوعة ، إن أردت المتعة فقد حددها لك الدين لتضع هناك أموال رحلتك زيادة فى حصة البنوك السعودية ، هذه هى السياحة المسموح بها ، ومعلوم أن التأكيد عليها كان لضمان استخدام الأماكن المقدسة كمصدر للكسب والرزق ، أما آثارنا الأعظم فى العالم على الإطلاق فهى سياحة محرمة لاقترانها بالمرفوض عمله فى مكة والمدينة ، ونحن لسنا لا مكة ولا المدينة ، ولا نطمع فى مثل تلك القدسية ، بقدر ما نريد أن نستثمر منجز أجدادنا التاريخى كى نعيش كما يعيش البشر ، من المسئول ، هل هو سيدى المفتى الذى ينشغل بالحضارة الإسلامية التى نامت ويريد أحدا ليهزها لتصحو لمصلحة البشرية ، أكثر من انشغاله بمصرنا وهمومها ودوره المنوط به من أجلها «ندوة بمسجد النور عن الحضارة الإسلامية نظمتها وزارة الأوقاف المصرية».

من المجرم القاتل السياف أو المتفجر أو جاز الرقاب؟! أم كلنا مجتمعا ودولة وحكومة؟!

أطمئنكم جميعا ، يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالى إن كلنا أبرياء: الحكومة بريئة والقاتل برىء ، وقرضاوى برىء ، الكل أبرياء ، لأن الله هو الفاعل الحقيقى: «إن الله هو الذى خلق القدرة فى الإنسان على فعل الأعمال ، فالله بهذا النظر هو المخترع للعمل كله لأن الإنسان ما كان قادرا على فعل ما لم يخلق الله فيه القدرة على ذلك الفعل».

انشغل إمامنا بآخرتنا وإثمنا من عدمه ، أما من مات ومن تعرض للظلم ومن قتل ، وأنظمة العبودية والقهر والثقافة التى تحرض على الكراهية والموت والغم ، كل هذا لم يفعل بذاته ، إنما الله هو الفاعل.

اطمئنوا إذن! لقد تركنا الإرهاب ينمو ويترعرع عندما سمحنا للفكر الإخوانى بالتغلغل فى إعلامنا وتعليمنا حتى بثوا فى عقول أبنائنا ما لا علاقة له لا بدين ولا بإسلام ولا بوطن ، لقد نما الإرهاب عندما تركناهم يؤسسون فى عقل المسلم المصرى أن المواطنة والجنسية بدعة ، لأنهم لا يعترفون بالأوطان ، إنهم أمة لا إله إلا الله فى أى مكان ، لقد استفحل شأن الفكر الكاره عندما سمحنا لمؤسسة الفتوى بالقول فيما هو خارج اختصاصها ، وعندما سمحنا لأكثر المشايخ قسوة أن يفتى فى تلفازنا وإذاعاتنا وفضائياتنا حتى تناقضت الفتاوى مع بعضها ، وتناقضت كلها مع القانون الوضعى الذى نكفره علنا وندرس هذا التكفير لأبنائنا مفضلين عليه قوانين القرن السابع الميلادى ، ومن قال بغير ذلك تتم محاكمته ، وهى إحدى التهم التى واجهها صاحب هذا القلم ذات يوم مضى ، ولن يعود سادتى أبدا ، وكونوا على يقين من ذلك. لقد انتشر السرطان عندما سمحنا لهم بسلب أرواح عيالنا لأن أى واحد منهم يطلب من رعاياه المؤمنين تسليمه عقله عندما يستفتيه ويسأله ويتتلمذ عليه لأنه المتحدث باسم الإسلام. لقد ترعرع الفيروس عندما سمحنا لشحنة الكراهية أن تتجه ضد الناس أنفسهم ومصالحهم ، عندما شحذنا الأرواح بكراهية دول الغرب المتقدم حتى تكره شعوبنا كل ما يتعلق بالغرب حتى لو كان الحرية والكرامة والديمقراطية ، بدلا من أن تتجه ضد من مرمغوا كرامتنا فى الطين أمام العالم من مشايخ وميليشيات المسلمين المسلحة!

لقد أعطيناهم الحق فى أن يعودوا لضرب الوطن وقتل الأبرياء عندما أطلقوا فى كل صحفهم قومية ومستقلة وحزبية وصفراء على ما يحدث فى العراق فى جانب المتسللين العرب وبقايا البعث الدموى ضد أهلنا فى العراق لقب «المقاومة» ، وهو لقب تشريفى قصدنا به أنها مقاومة وطنية مشروعة ، وقام مشايخنا يشبهونها بالمقاومة الفرنسية عندما احتلها النازيون ، هذا رغم أن مفكرينا الإسلاميين يعلمون أن الإسلام ليس فيه وطن أصلا كى نحارب دفاعا عنه لأن الجهاد هو فى سبيل الله لا يعترف بالأوطان لأننا أمة لا إله إلا الله. وقفنا مع السنة فى العراق عندما رفضوا المشاركة فى الانتخابات ، وإن لم يكن من البعض بالقول الصريح المباشر فقد جاء ضمنا ، لعلمهم أن خروج قوات التحالف سيترك الشعب تحت رحمة هؤلاء الإرهابيين يعيدون فرض ديكتاتورية حطمتها الإرادة الدولية ، بما لديهم من مخازن سلاح هائلة سلمها لهم أتباع صدام بعد سقوطه ، نحن نعلم أن السنة لا يريدون مشاركين لهم فى حكم العراق ، لا كرديا ولا شيعيا ولا مسيحيا ولا آشوريا ولا كلدانيا ولا مندائيا ، ثم إذا كانت مقاومة وخيار وطنى عراقى يقوم بها العراقيون؟!

فلماذا تضرب المقاومة أهلها ومواطنيها وهى الوطنية؟! إنهم يضربون أغلبية الشعب الذى توجه لصناديق الاقتراع ومعه كفنه ليقول لهم: لا انتهى زمنكم وزمن احتكاركم للسلطة. لكن السنة لا يتنازلون عن قناعة أن حكم العراق حق مكتسب لهم دون غيرهم ، ودخول الانتخابات يحمل اعترافا بحق الآخرين فى المنافسة على الحكم ، وهو المبدأ المرفوض ، وبينما المتطرفون يمسكون بسيدة مندائية ليقطعوها قطعا صغيرة وهى حية كان إعلاننا يبرز نجاحات المقاومة الباهرة وبشاعة الاحتلال الأمريكى ، إننا عندما نهلل لهذه المقاومة فى العراق ، فلا نبتئس عندما يخرج علينا المتفجرون فى وطننا بعد أن آمنوا بما نقول لهم.

قرضاوى يقول فى حلقة الظاهريون الجدد بالجزيرة: «إن الإنسان يضحى بنفسه من أجل دينه ، ويضحى بوطنه من أجل دينه ، فالدين مقدم على الإنسان». إن قراءة هذا النص هكذا يجعله غير مفهوم ، لكنه يصبح مفهوما عندما نرى لوحة الأزهر يوم قدم الصبى المتفجر دينه على وطنه. لماذا؟

لماذا أهاجم وطنى من أجل دينى؟

يجيب قرضاوى : «لإقامة الدولة المسلمة التى تحكم بشريعة الله. وعلى الدعاة أن يعملوا بكل ما يستطيعون ، ويهيئوا الرأى العام لتقبل فكرتهم وقيام دولتهم» ، وأن «على المسلم أن يكره الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضى بالمنكر الذى تطفح به الحياة من حوله ، فإن أدنى درجات الإيمان أن يغير المسلم المنكر بقلبه ، أى يكرهه ويتألم به ويسخط عليه ، وأرفع من ذلك درجة أن يغيره بلسانه إن استطاع» ، وأرفع من هذا أن يغيره بيده إن استطاع ، كتابه: ظاهرة الغلو فى التكفير ص 566 ، ولاحظ عنوان الكتاب ، وما يقول هو من سماحة مقابل ظاهرة الغلو فى التفكير ، أن بغير المسلم بيده بغض النظر عن القانون وعن حياة الناس وعن كرامة الوطن ، وبغض النظر كيف فهم هذا الذى سيغير بيده دين الإسلام. يقول أيضا: إن جهاد الكفار والإلحاد والعلمانية والتحلل وما يسندها من قوى داخلية أو خارجية فهو الآن فريضة العصر وواجب اليوم/ قرضاوى/ كتابه فى فقه الأوليات/ ص 116».

إن التربية والتعليم الناجعين يخلقان فردا يحب الحياة لا أن يكون حاقدا كارها لها ، فيهلك نفسه ويهلك الآخرين ، هذا بينما تحولت جامعات البحث العلمى فى بلادنا إلى جماعات دينية تتحاور فى الحلال والحرام وتبحث فى التفاسير الدينية بدلا من البحث فى قوانين الفيزياء والرياضيات.

إن جامعاتنا تبحث قضية الحجاب والنقاب والعفة والفضيلة وأركان الدين وتستضيف زغلول النجار ليجلس أمامه علماء جامعاتنا مبهورين بكشوفه العالمية ، وهو الانبهار الذى يشير إلى مستوى معرفة أساتذتنا الجامعيين بما تخصصوا فيه من علم. لقد نسيت الجامعة دورها كباحث علمى أول فى الوطن مهمته كشف أمراض الوطن المستوطنة فى عالم الطب أو فى عالم الثقافة ، لمكافحته من أجل الصحة البدنية والعقلية للمواطن ، واستغرقت فى البحث فى العسل وبول الجمل ، فتركت اختصاصها واستولت على دور المسجد ، والمسجد لا يرى بأسا فكل الطرق تؤدى إلى الحكومة الإسلامية.

وإن الزائر لجامعة الزقازيق تحديدا - التى كان منتحر الأزهر من طلابها النوابغ - سيجد الشعارات المكتوبة فى كل مكان ، وكلها شعارات لا علاقة لها بعلم ، بل هى شعارات العار والكراهية والحجاب والجهاد.

لقد روينا بذرة الإرهاب الكريهة عندما سمحنا للقانون وللتعليم والإعلام أن يقسم أبناء الوطن إلى فريقين ، وأن الوطن من نصيب فريق دون فريق ، وأن الصواب فريق واحد هو الحق المطلق ، وأنه مكلف بتصويب الآخرين ، أو إبادتهم إن لم يتمكن من تصويبهم.

لقد تسرطن العقل بالإرهاب عندما اختفى من ذاكرتنا طه حسين وماذا قال ولماذا ، وبقى خالد بن الوليد البطل الفاتح الذى ارتكب من الجرائم فى حياة النبى ما دفع النبى ليرفع يديه إلى السماء مناديا: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» .

عندما ظلت رموز الطائفة الواحدة المتسيدة هى الحاضرة بسيفها القاطع وخيلها الناقع وبطولات قتالها المجيدة ، وعندما غيبنا عن الوعى طلعت حرب وماذا فعل بعيدا عن القتل والقتال.

نسن قواعد قانونية مرورية تنص على عدم تدوين أى شعارات تشير إلى الديانة فى السيارات جميعها ، واليوم سيارات الحكومة نفسها تنوء بأحمال من هذه الشعارات الممزقة لمعنى الوطن والمواطنة ، أما السيف العظيم على الزجاج الخلفى للسيارات مع الآيات ، فقد لوحظ أنه قد بدأ يرسم هذه الأيام بلون الدم. إنها التجربة التاريخية التى مر بها المسلمون فى فجر تاريخهم فى معركة الجمل عندما خرجت السيدة عائشة أم المؤمنين رافعة راية العصيان ضد خليفة المسلمين على بن أبى طالب ، وهى المعركة التى قامت بين مسلمين صحابة على قيادة أحدهما زوجة النبى ، وعلى قيادة الآخر ابن عم النبى وربيبه وزوج ابنته ، وفى كلا الفريقين خيار صحابة كبار وكثر.

عندها تجلت مشكلة بشأن الجهاد وشروطه ، فبعد أن هزم على عائشة ، طالب المسلمون عليا بنصيبهم من الغنائم ، ورفض على لأن هذه الحرب بين مسلمين ، ورد عليه المعترضون: «أبحت لنا دماءهم ولا تحل لنا أموالهم وأعراضهم» ، فقال لهم الإمام على: من نصيب من منكم ستكون أم المؤمنين! لقد سقط فقه القتال وشرعنته عندما كان من مسلم ضد مسلم وتوقفت نتائجه وشروطه وأحكامه. أما الصحابى الجليل سعد بن أبى وقاص ، فقد رفض الدخول فى أى من الفريقين ، وقال: «لا أقاتل حتى تأتونى بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول أصاب هذا وأخطأ هذا» ، وهو الموقف الصواب بأى معيار وزنته ، وبعده كان موقف الإمام على ، والمسلمون يتدافعون قتالا عن جمل أم المؤمنين وهى تركبه تحرضهم على القتال ، ولما طال الأمر حتى مات الآلاف حول جملها كان أمر الإمام على أن «اعقروا الجمل».

كان القرار خطيرا إزاء حساسية الموقف ، فالجمل فيه أم المؤمنين وظعينة رسول الله ، مما أكسب الموقف كله حساسية قدسية ، لقد كان جمل أم المؤمنين رمزا أعطى هذه الموقعة اسمها التاريخى «موقعة الجمل» ، الجمل كان رمز ثقافة هى ثقافة الخروج على الخلافة والشرعية وعلى قانونها ، هى ثقافة اعتراض المسلم بالسلاح مع الاحتجاج بالدين ، لذلك نادى على الناس: «اعقروا الجمل لأن فى بقائه فناء العرب».

أبناء وطنى: اعقروا جملكم. اعقروا الجمل حتى لو كان مقدسا حتى لا يفنى المصريون ، فقد عقره قبلكم الإمام على كرم الله وجهه حتى لا يفنى العرب.

نشرت فى روزاليوسف 24 أبريل 2005

إنها مصرنا يا "كلاب جهنم"

المصريون الطيبون "مسلمين ومسيحيين"

هم الذين يدفعون فاتورة أعمالهم البربرية وحدهم :

· البعض يتصور أن بلداً مثل مصر يمكن أن تعود ولاية ليعود المصريون موالي لمماليك جدد

· بعض الشيوخ الأفاضل يدينون الأعمال البربرية في العراق من طرف ألسنتهم ويحشدون الأدلة الدينية المدعمة بالأسانيد في صغائر الأمور

· قرضاوي الديمقراطي شرع في قطع أعناق المدنيين في العراق ففتح الباب لضرب طابا

طالما سادتي حذرنا وكثيرا ما نبهنا ، وقلنا في هذه المجلة قولا طويلا بشأن ما سيجره علينا خطابنا المشيخي والقومجي ، وأن كراهيتنا المبررة أو غير المبررة لأمريكا لا تبرر تأييدنا للسفاحين من مجرمي القاعدة في العراق بحسبانهم مقاومة وجهاداً في سبيل الله ، وأن ما تفعله القاعدى في العراق بعد تسلل عناصر غير عراقية إلى داخل العراق ، هو بدوره وجود أجنبي يقود حملة مجازر تعادل في وجودها هناك الوجود الأمريكي ، إن لم تكن أسوأ ، لأن وجود التحالف في العراق قد اكتسب مشروعية دولية بأهداف علنية واضحة للعالم ، وأن وجود أجانب من القاعدة في العراق قد حول المعركة من معرحكة تحرير إلى ساحة لتخليص الثأر ، ليدفع العراقيون ثمن الزمن الصدامي الدامي الرهيب ، ويدفعوا أيضاً ثمن حرب القاعدة وأمريكا دون مستحقات عليهم لأي من الجانبين .. و يا لهفي عليك يا عراق.

أبدا لا يبرر موقفنا كراهيتنا لـ"لمعاوية" ولا حب لـ"علي" ، أبدا لا يبرر موقفنا كراهية أمريكا كي نحب القاعدة .

من موقف الكراهية وحده قامت مبادئنا إزاء ما يحدث في العراق ، فأجمع الخطاب الإسلامجي مع الخطاب العربجي القومجي على تسمية ما يرتكبه الإرهابيون في العراق بالجهاد ، ونسبوه للإسلام ، رغم أن هذه النسبة بينها وبين الإسلام مسافات لم تملأها حتى الآن أي دلائل مشيخية بينات مقنعات اللهم سوى الكراهية وحدها.

قلنا على صفحات هذه المجلة أن تشجيع الفريق السني "القاعدة فرع العراق" من جانبنا وتبرير أفعاله المجرمة في حق الإنسانية من قبل مشايخ العرب ، وتشجيع الميليشيات الشيعية الصدرية من قبل إيران ، وصدور قناوي مشايخنا مثل "قرضاوي الديمقراطي" لصالح الذبح والدم للأبرياء سيؤدي إلى تفجر العراق ، و العراق قنبلة هائلة غير ذكية ، وإن تفجر العراق فإن شظاياه ستمتد من فاس إلى بغداد وإلى كل بلاد العرب أوطاني ، وسيتحول شرق أوسطنا الكبير إلى بؤرة التهاب مزمنة في كوكب الأرض ، ونحن من سيكون في قلب البؤرة.

وعدنا وزدنا ورجعنا للأصول في أمهات علومنا الإسلامية نستمد منها المواقف التي لا تخرج عن الإسلام وفي الوقت نفسه تراعي مصالحنا .. فهل نحن ننادي في موتى ؟ ليتهم كانوا موتى لأراحوا واستراحوا ، لكنهم أحياء من قوتنا يرزقون وعلينا يتسلطون وضد مصالحنا يفتون ، وبكل جهل يتغنون بغض النظر عما يحدث للناس وللأوطان ، فهم في كل وقت وزمان سدنة الدين طالعين واكلين نازلين واكلين. ومن هنا لا يشغلهم أبدا ما يحدث لبلادنا ولا لناسنا لأنهم بنار ما يحدث لا يكتوون ، لذلك ظلوا يسمون ما يحدث في العراق مقاومة ، تساندهم صحفنا بغباء منقطع النظير يصور كل ما يحدث في العراق على أنه مجازر أمريكية لمزيد من تجييش الناس تحت راية الجهاد والكراهية .

وكان أهم ما نبهنا عليه أن تشجيع القاعدة فرع العراق وتبريرها هو تشريع للفعل مجرداً ، تشريع لها كي تضرب في أي مكان ، في روسيا ، في فرنسا ، في السعودية ، في مصر لا فرق .

والآن .. وبعد مؤامرة السابع من أكتوبر ، وبتعبير الأستاذ محمد عبد المنعم ، ترى ما هو موقف أبنائنا من أدباء الأقاليم الذين عقدوا مؤتمرهم في الأقصر وتبنوا تحويل العراق إلى فيتنام ثانية لأمريكا ؟ بغض النظر عما يحدث للعراقيين ، لقد أكلوا وشربوا وانبسطوا وناموا في الفنادق الفاخرة وألقوا شعرهم وقصصهم على بعضهم في ذهبوا ليناموا في بيتهم يحلمون بمساحات الدم العراقية في فيتنام العراقية المأمولة ، المهم هو إغراق أمريكا في وحل فيتنام أخرى ، رغم أن الفيتناميين لا يتمنون أبدا عودة ما حدث حتى لو كان فيه "ولو خيالاَ" القضاء على أمريكا نفسها .

الآن بعد طابا ما هو رأي صحفنا القومية وتلفازنا العبقري ومشايخنا المناضلين أمام صواني الثريد واللحم الطري يجلسون على أكتافنا أرائك وعلى ظهورنا طنافس ومن لحم أكتافنا يأكلون كما يشاءون ، ثم ما رأي القومجية من جماعات الكوبونات النفطية والفضائح التاريخية والذين وإن تأجلت فضائح بعضهم فهي إلى حين .

الآن بعد طابا ما هو رأي شارعنا المجني على دماغه بخط إعلامي ساخن لا يضخ فيه إلا الجهاد بالقنابل والرصاص ، في خط واحد أحد لا يعرف المواطن غيره ، نصفه كذب على الحقائق وتزوير الخبر الذي يعطي للمواطن مبتسرا أو مكذوراً أو مزورا لمزيد من الشحن ضد أمريكا ، ونصفه سحن لآليات الكراهية والدمار بطلب من رب السماء .

الآن يواجهكم جميعا حضرات السادة المناضلين السؤال : بماذا نسمي كلاب جهنم الذين ذبحوا فرحنا يوم لسابع من أكتوبر ، ولطخوا وجه مصر الحضاري بالدم ، ووجهوا إلى كرامتها طعنة خسيسة أمام الدنيا ، بعد أن كان فخرنا أننا قد طهرنا أرضنا من الإرهاب .

كم أجهضت كلاب جهنم أفراحنا ، فهم لا يسعدون إلا بالدم والبكاء فنتقوا أيامنا الخالدة وأفراحنا الوطنية لتحويل أعراسنا إلى مآتم ، لأنهم ضد الفرح الوطني بل هم ضد الأعياد الوطنية ، بل يعادون فكرة الوطن أصلاً ، كما في سخرية قرضاوي منها إذ يسميها تصغيرا وتحقيرا "رابطة التراب والطين التي تناقض توجيه القرآن الذي يلغي كل رابطة إذا تعارضت مع رابطة الإيمان والإسلام والعلمانية – 98 ، 99". وهي ذات الرباطة التي تعتبرها مناهج التعليم السعودية مثلا "لونا من الفسوق الذي يعاقب الله به بعض الشعوب الإسلامية – منهج التوحيد 3 / ث / ص 74" .

الآن لعل السؤال المطروح على ضمائركم سادتي قد أصبح مواضحا : ترى بم تصفون كلام جهنم الذين نهشوا كرامة بلادنا واعتدوا على أمننا ؟ هل هم مجاهدون ؟ أم هم إرهابيون يستحقون أن نطاردهم حتى أقصى الكون ثأرا لمصر ولأنفسنا ، أو أن نطاردهم إلى أقصى فكرة مجنونة داخل أدمغتهم المسعورة بشهوة الدم والهدم ؟

ترى ماذا يقول لنا سيدنا قرضاوي وسيدنا هويدي بالذات وبالخصوص بعد سلسلة الفتاوي من الأول وسلسلة مقالات السم الناقع المملوءة كراهية وتحريضا؟ أحدهم يفتي بالدم ، والثاني يتقدم بالشرح والتحليل والإقناع ، والثالث يقوم بالضرب في أي مكان .

لكنكم سادتي في موقف الإجابة الاضطرارية الآن على أكثر من سؤال وليس سؤالا واحداً .

دعوني أسألكم : من هو الوطني ومن هو الخائن مادمتم مغرمين بتحديد المصطلحات؟

أم لعلكم ماولتم عند السؤال الإرهابي : من هو المؤمن ومن هو الكافر؟ أي السؤالين عندكم صحيح يا سدنة التاريخ العربي الإسلامي الأسود؟

هل نحن وطن واحد له حكومة معروفة وحدود أقليمية كل ذرة فيها هي كبد الوطن ، أم نحن ولاية ضمن أمة لها خليفة متنطر في صورة قرضاوي أو في شكل هويدي يصدر الفتاوي ويشرح ويبرر القتل في فتوى عابرة للقارات تتدخل في شئون كل دولة يعيش فيها مسلم بالكراهية والفساد والدمار ، ويؤكد وجوده كسلطة لأمة خفية نحن ضمنها ، وأن هذه السلطة تصدر تشريعات باعتبار الفتوى تشريعا ، لم تعرض علينا لنوافق عليها ، فأصبح لدينا سلطتان : سلطة الدولة المعروفى وسلطة الدولة الخفية الظلامية .

وهو ما يستدعي السؤال لسادتنا سدنة الكراهية وأفراح الدم : هل قوانيننا دستورية وضعية أم قوانيننا هي فتاواكم التي تقولون عنها شرعية وتسلبون الشرعية عن الدستورية التي هي أكثر شرعية من أي شرع آخر حتى لو دعوتم له السماء نصيرا؟

أم ترانا يا حضرات السدنة فرانكو إسلام .

وهل تراكم بما أصبحتم تملكون من محطات فضائية وصحف دينية واختراق علني لأكبر مساحات في إعلام الدول الإسلامية .. تراكم ظننتم أنكم الناطق الرسمي باسمنا والمعبر عن شعوبنا ؟

مشكلتنا أن الصوت الديني السلطوي وهو يمارس وجوده ثقافة وتشريعاً وسياسة واقتصادا إسلامياً وإرهابا لا يتحمل مسئولية ما يفعل أمام العالم ، ليتركنا نحن وأنت يا حكومة نتحمل المسئولية أمام العالم على ما لم نفعل .

وسؤال لآخر للناس : هل المعارك التي تخوضها جماعات الإسلام السياسي اليوم ضد العالم هي باسمكم وهل وافقتم على إعلانها ؟ إن الإعلان الحرب يكون بقرار البرلمان ويعلنه رئيس الجمهورية وهو ما لا ناقة لنا فيه ولا جمل بل نحن مجني عليه .

إذن ما يبارك فعل أي جماعة منهم إنما يعطي الفعل مشروعية العمل في أي مكان ، كما فعل قرضاوي الديمقراطية عندما شرع بالنيابة عنا جميعا قطع الأعناق للمدنيين في العراق ، ومن ثم فقد شرع ضرب طابا أيضاً .

سؤال آخر لعامة المسلمين : هل كل تلك المعارك التي تخوضها القاعدة في العالم هي حروب تحرير ؟ إذن لماذا قتل العراقيين على الهوية الدينية والمذهبية كقتل الشيعة والمسيخيين والصابئة الحرانيين والآشوريين وغيرهم ؟ هل هي حروب ردة ضدنا باعتبار أن جميع المسلمين قد ارتدوا ولم يعد موجودا في الأرض على هدي الإسلام سوى القاعدة وحدها ؟

هي هي غزوات لإقامة الخلافة؟ تصور بعضهم يقول هذا متصورا أن بلدا مثل مصر يمكن أن يعود ولاية ليد قرشي وأن نعود موالي للسيد العربي ، وهذا هو الخبل العظيم .

أم هي حروب فتوحات ؟ وماذا تفتح تحديدا ؟ وماذا تحقق بهذا الفتح المبين ؟

الأسئلة كلها مطروحة علينا كلنا وبخاصة على مشايخنا الأجلاء الذين يعلن بعضهم إدانته لأعمال القاعدة البربرية حرجا ، ومن طرف اللسان من التماس التبريرات والأعذار والبحث عنها في فلسطين أو البوسنة أو الشيشان ، لكنهم جميعا لم يعلنوا حتى الآن إدانة دينية شرعية مدعمة بالقرآن الحكيم والحديث الشريف وقول الفقهاء الأكابر ، كما يفعلون عادة في صغائر الأمور ، لم يعلنوا تلك الإدانة واضحة بمحفل إسلامي عظيم الشأن يجمع كل صنوف المسلمين على كل مللهم ونحلهم لإعلان تكفير القاعدة وكل إرهاب متأسلم وخروجه على الدين بالضرورة وإهدار دم أي منهم لأي مسلم كباب لجنة أكيد ، حتى نبرئ أولاً أنفسنا ، وثانيا حتى نلقي العار عن عاتق المسلمين ، ورابعا حتى لا تبدوا أسوادا على المثقفين الليبراليين فقط تحاكمونهم وتصادرونهم وتفتون بكفرهم وتقتلونهم ، من باب تحسين الصورة يعني .

هل تسمعني يا كبير الأزهر ؟ هل تسمعني يا مفتينا ؟ هل تسمعي يا حكومة ؟ هل تسمعني يا وزير الإعلام ؟

عليكم بإجابات واضحات ومواقف تناسب قيمة مصر في هبة واحدة تثأر لكرامة مصر وتحق الحق في مواطنه وتردع أي عابث بأمننا ليفكر ألق مرة قبل أن يعبث ، الأمر لا يلقي على عاتق وزارة الداخلية وحدها ، إنما هو ملقى عليكم جميعاً .

أيها السادة أهلي وناسي مسلمين ومسيحيين .. السؤال الأخطر الملقى علينا جميعا هو : هي سيتمكن النافخون في أبواق الكراهية والدم من إسلاميجية وعروبجية أن يدوا عنا الغضب الأمركي الحقيقي ؟ .. وليس الأمريكي فقط بل والروسي والفرنسي والإسباني والألماني ، باختصار غضب الأمم المتقدمة جميعا إزاء أمتنا المسكينة بنت السبيل ؟ من سيدفع عنا الغضب عندما يبدأ ؟ ومن سيدفع الثمن ؟

أليس هم "المسلمين الطيبين" الذين لم تتلوث أيديهم بشئ مما يحدث بقدر ما هي معطرة بطين مصر وزيت مصانعها وصحائف موظفيها ؟ والمسيحيين المصريين لأنهم مصريون كل ملة ولون أيضاً ، إن كل الخطط السلمية طويلة الأجل لمعالجة أحوال الشرق الأوسط وثقافاته لتعيش القرن الحادي والعشرين ، يمكن أن تتحول عن حلم بغد مشرق إلى واقع بركاني تتحول فيه بلادنا إلى ساحات معارك لا نسعى إليها ولا رغبة لنا فيها ودونما ذنب جنينا إم لم نأخذ فقط على يد المتطرفين ، بل أيضا على الفكر المتطرف بفتح مساحات الرد عليه وردعه فكرا بفكر ومحاصرته والقهود له كل مرصد ، وأن نتحاكم كشعب متحضر إلى قاض سيرضى به الجميع هو شعب مصر ، هذا مستوى ندعو إليه بفتح باب الفرص المتكافئة لمناقشة الفهم الديني المطروح على الساحة أما الفكر الجديد .

ثم هناك مستوى لآخر هو مستوى القانون الذي لابد من تفعيله لتكريس هيبة الدولة ، فلا نسمح لمن يكفر القوانين الوضعية بفتاواه وإعلانها وكتابتها لأنه اعتداء على نظام الدولة ، ولا نسمح لمن يدعو إلى تطبيق شريعة غير ما نشرع لأنفسنا وبمراعاة القوانين الدولية ومواثيقنا العالمية ، فلن يمكننا مثلاً تشريع بيع الجواري مادمنا قد شرعنا الجهاد وكلاهما من لزوم ما يلزم لبعضهما لوجود السبايا ، ولا نسمح بإقامة ساحات القطع والذبح ، وهي بدورها من لزوم ما يلزم عن المناداة بالشريعة وتكفير قوانين الدولة ، ولأن المواثيق الدولية جميعا لم تعد تسمح بالعقوبات البجنية ولا باغتصاب النساء باسم السبي ولا بالاعتداء على الآخرين باسم الدين ، فلا لقاء مع المواثيق العالمية إلا بقوانين إنسانية وضعية تناسبنا وتناسبها وفق مصالحنا وشروطنا .

هل آن لمشايخنا إذن أن يجتمعوا مرى اجتماعا ذا جدوى وأثر فيكونون قد قدموا شيئا مفيدا للإنسانية عبر تاريخهم الطويل .

قولوا لنا سادتي ما هو الوطن وما هي هويتنا ؟ هل الوطن هو الإسلام أم هو مصر ؟ وعلى الإجابة يمكن البناء أو يمكن الهدم والدم.

نشرت فى روزاليوسف 16/10/2004 العدد 3984

الأديان ليست مهمتها صنع النظريات العلمية

تأملات فلسفية في "الجين الإلهي" و "نظرية داروين"

· النظريات متغيرة وغير ثابتة وما كان لنبي أن يتبنى نظرية علمية تخالف معتقدات عصره

· الإنسانية تضع مفاهيمها للكون وفق مراحل تطورها ووفق المعلومات المتوافرة في زمانها

تابعت باهتمام ، اهتمام مجلتنا روزاليوسف بملفين كبيرين استغرقا أعداداً ومازالا فيما يبدو . الملف الأول كان حول ما تمت تسميته : اكتشاف وجود (جين إلهي) يدفع الإنسان داخلياً لمعرفة الله ، على يد السيد (دين هارد) .

والملف الثاني حول نظرية النشوء والارتقاء أو ما بدأته الأستاذة منة بكر بعنوانها "في أمريكا .. التمرد على نظرية داروين" ، وقد شارك في الملفين صحفيون وعلماء متخصصون وعلماء مستشيخون و شيوخ متعالمون ، في مساحة حرة ومحترمة أبرزت حواراً جميلاً قد يكون بعضه هزيلاً وبعضه قوياً ، لكنها في مجموعها شكلت سيمفونية متناغمة لمختلف الآراء من مختلف التوجهات ، وهو الأمر المحمود لهذه المجلة والتوجه المشكور للتدريب على قبول ومناقشة مختلف الآراء والتعرف عليها وإعلانها ، في قضايا ربما تشغلنا أكثر مما شغلت أي آخر في الأرض ، لتماسها مع الإيمان والتدين وهو أكثر ما يشغلنا بين كل الأمم . لكني لم ألحظ الجانب الفلسفي مطروحاً في كل ما دار من حوارات ، ولا ما يبنيه هذا الجانب من أسئلة كثيرة يمكن أن تثري هذا الحوار وتغنيه وهو ما سأحاول طرحه هنا . ولنبدأ بالجين VHAT2 أو الجين الإلهي .

أول استنتاج نستنتجه من اهتمام السيد دين هارد بالبحث عن جين إلهي في البشر ، فبحث مثل هذا لا يشغل الملحدين ولا يهمهم في شيء . لكن يظل كلام دين المطلق غير المحدد ، لأنه عند التحديد فإن كلامه يمكن استثماره إسلامياً للدعاية والدعوة إلى الفطرة الحنى فيه ، لكنه لن ينقذ مستر هارد من السعير مهما بحث ونقب لأنه لم يكتشف أن هذا الجين قد تحددت مواصفاته في الإسلام تحديداً دون بقية الأديان ، وشكل الإيمان ، خاصة مع أسلمة جميع الأنبياء من آدم حتى محمد وشهادتهم المعلنة بذلك في كتاب الله .

فمالنا ومال دين هارد ؟ وما لشيوخنا بالحديث في الجينات والبحوث النصرانية ؟

تعالوا نستنتج ما يترتب على الإقرار بفرضية وجود الجين الإلهي
أولاً لابد أن نقر أن الإيمان أو الكفر يأتي من داخل خلايانا ، وهو ما يعني أن معدم هذا الجين لن ينفع معه وعظ الواعظين شيوخاً أو احباراً أو قساوسة ، فهو كالرجل العنين لا تجدي معه محاولات كل عاهرات الدنيا لأن جينه الجنسي معطل .
إذن فهذا ما يلتقي مع القرارات القرآنية التي كانت تؤكد للنبي أنه سواء أنذرهم أم لم ينذرهم فلن يؤمنوا، لأن الله قد ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم الأكنة التي ربما كانت هي ذلك الجين المفقود .
المعنى أن فاقد الجين الإلهي عاجز بالفطرة عن التعرف على الله والإيمان ، وهنا تحمل الفطرة دلالة جديدة هي عكس ما يفهمه منها المسلمون ، ومن ثم عليهم المزيد من تحديد المفاهيم ، و لابد سيترتب على التسليم بهذا الجين التساؤل عن جدوى إرسال الأنبياء والرسل وعن وظيفة الدعاية ومبرراتها ، سيكون كل هذا بلا معنى لأن الإنسان يعرف ربه بالفطرة ، ولأن إنساناً آخر لن يعرفه بالفطرة ، وبشهادة القرآن أيضاً (بختم الأكنة على العقول والقلوب) ، لن يعرفه مهما أرسلت السماء من رسل ، بعد أن تحدد مسبقاً وبالميلاد من سيكون المؤمن ومن سيكون الكافر .
و وفق اعتقاد المؤمن أن غير المؤمن لا أخلاقي وشيطان في شكل إنسان ، وهو اعتقاد يساوي اعتقاد السكران أنه أكثر صحوا من الصاحي ، فإن الاعتراف بوجود الجين الإلهي يعني أن الناس إما شياطين وإما ملائكة ، ولا علاج لأحدهما ليصبح كالآخر . ومن ثم على كل رجال الدين الاستقالة وإحالتهم إلى الاستيداع ، لأنهم في النهاية وبعد الآكل مريئاً والشرب هنيئاً لن يصنعوا في الواقع شيئاً حقيقياً . هذا رغم تصورهم أنهم من الصنف المقدس بالميلاد الجيني الإلهي ، وهو ما حرم منه أناس آخرون بلا ذنب جنوه ، بالميلاد ، مثل المغضوب عليهم ، ومثل الضالين.

وستتداعى التساؤلات تأخذ بعضها برقاب بعض : لماذا إذن تقاتل السلف الصالح حول ما اعتقد كل فريق منهم أنه صحيح الدين ، كالحرب الفلسفية والدموية حول هل صفات الله في القرآن كاليد والعين والسمع حقيقية أم لا . إن إكتشاف هذا الجين يدفع إلى اكتشاف الأسباب الحقيقية وراء هذا القتال بين مؤمنين بالجين وبالرسالة أيضاً الي دعمت الجين بأصول العبادة ، ووجود صاحب الدعوة بينهم ، وعند التدقيق سيكتشف المسلم أنها كانت مصالح دنيوية وصدمات سياسية ومكاسب ومغانم مادية ، وهو ما سبق وناقشه صاحب هذا القلم مناقشة أصولية في أعماله المنشورة ، وأنه لا الجين و لا الدين كانا طرفا في الصراع حقيقة ، إنما كان هناك الإنسان العاري إلا من مصالحه ، لأنه إذا كان الجين فاعلا وجالا على الله وأوامره فكيف له ألا يصيب ، عبر تاريخ البشرية والتي كانت تتخذ شكل المهابدة أي الإبادة الجماعية في معادلة صفرية دائمة عبر التاريخ الأسود للمتدينين .. لماذا ؟

وهل وجود الجين مع عدم تحديده كان هو السبب الحقيقي في هذا السجل الدموي للمتدينين؟ أم أن الجين الإلهي مثله مثل أي جين آخر معرض للعطب حتى عند القديسين والصحابة ، نماذج التقوى ، دون ذنب حقيقي سوى عطب يصيبهم كما يصيب أي بشر كان في الدنيا ؟

ثم ماذا عن فرعون المذكور في القرآن الذي قال لرعيته "أنا ربكم الأعلى"؟ ما كان جينه بالتحديد؟

الرجل هنا يعرف الألوهية ومعناها ، فهو غير ملحد وليس بكافر لأنه يعترف بأنه لابد من وجود إله ، لكن الجين الإلهي الدال على إله السماء لم يفعل فعله ، ولم يتعرف الفرعون عليه (بلغة الكمبيوتر) ، ولأنه لابد من وجود إله فقد عين نفسه إلهاً؟

أم أنه كان لديه جين غير ما لدى بقية الناس ؟

ثم تبقى أسئلة من لون آخر ، فالمعلوم أن الكائن الحي يحمل الجينات الدافعة للتزاوج والتناسل بالغريزة الجنسية ، وذلك لحفظ النوع ، فما هي أهمية وجود جين إلهي ، فانعدام الإيمان لا يقضي على النوع بهذا المعنى .

الغريب أن مشايخنا قاموا بهمة وأدلوا بدلوهم في الموضوع رغم علمنا أنه لو كان لأجدادنا مليارات الجينات الإلهية وقرر مشايخنا تكفيره فلن تشفع له جيناته الإلهية ، لماذا يدلون بقولهم في شأن محكم معروف لديهم مسبقا إزاء أي مخالف ؟

فيستدلون بفطنتهم من الكلام .. مجرد الكلام القابل للنقاش ، على الكفر والخروج على الله ما لهم ومال معامل دين هارد وأبحاثه ؟ إن من يطلب الدين يغار عليه ويعمل على رفعة أصحابه بفك الحصار عن عقولهم وحرياتهم لينطلقوا نحو العلم والرفعة ، حتى لو استدعى الأمر أن يضحي هؤلاء الغيورون على الدين بمكاسبهم وبلهنتهم ونعيمهم (واللهم نعم حسدا) وأن يضحوا بفكرهم الرافض للنهضة والتطور ويستريحوا .

ومسألة الجين الإلهي عند المسلم ستلتقي مع الحديث القدسي "كنت وحيدا في الأزل فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، فبي عرفوني" ، أو كما قال ، لكن ماذا عن عابد أوزيريس في مصر القديمة ، وماذا عن عابد عشتار في الرافدين القديم ، وماذا عن عابد أدونيس في الشام القديمة ، وهل ترتبط المعرفة الإله بوجود العابد الحامل لهذه المعرفة الفطرية ؟

أي أن وجود الإله معرفيا مشروط بوجود العابد المفطور على هذه المعرفة ، وبدونه يصبح الإله مجهولاً أو بمعنى آخر غير موجود في أي وعي .. ومن ثم لابد أن يقول العابد أنا موجود فعشتار موجودة ، أو أنا موجود فأوزوريرس موجود ، وأيا كان صاحب القول ، الذي هو الشطر الأول من العبارة ، وهو اليوم غير موجود ، فقد سقط الشطر الثاني بالتبعية ، وهو ما يعني أن وجود الشطر الثاني قائم على وجود الشطر الأول ، فاختفاء الأصل يتبعه اختفاء الظل ، واختفاء الشكل يتبعه اختفاء الصورة ، واختفاء الجذر بتبعه اختفاء الشجرة ، واختفاء الشمس يتبعه اختفاء النهار ، أي أن الأنا هو الباقي ، هو الصانع والمنتجات متعددة ، والخالق باق والمخلوقات إلى الزوال ، وهكذا زالت أرباب كانت تخلق حسب الطلب وطبقاً لشكل البيئة وظروفها المجتمعية ليظهر منتج جديد بمواصفات جديدة أكثر ملاءمة للتطور الجديد . وهو ما ينهي لنا ملف الجين الإلهي بينما الأسئلة بينما الأسئلة في أوراقه بلا إجابة شافية .

ونأتي لملف نظرية النشوء والارتقاء باسم نظرية داروين ، حيث قام ملف روزا على التمرد على نظرية داروين في أمريكا ، و هو في النهاية محاولة من المتدينين الأمريكيين لوضع النظرية الدينية في المقررات المدرسية إلى جوار نظرية داروين وترك الطلبة يختارون. وإذا كان هذا صحيحاً فهو بداية تحقيق نبوءة الإسلاميين بقرب انهيار أمريكا ، لذلك لا يمكن أخذ الكلام على علاته ، ولا أصدر عليه حكماً في جملته ، بقدر ما أستنتج أن الديمقراطية الأمريكية تطرفت لدرجة سمحت لبعض المتدينين من محاولة إعادة التدريس الديني إلى جوار العلم في المدارس ، وأنها ظاهرة ربما كانت لها أسبابها ، لكنها إلى زوال سريع ، كما هو واضح من التراجع إلى فكرة الدمج بين النظرية الدينية في الخلق والنظرية العلمية في التطور بنظرية "التصميم العاقل" التي بدورها لم تحظ بأي تأييد علمي حتى الآن.

ولا بأس مما قال د. حسن عطية في درس جديد من دروس العلم والإيمان ، لأنه في النهاية ينحو بنية صادقة إلى حث الإيمان إيجابيا نحو العلم واحترامه عبر احترام الدين. وأيضاً لا بأس مما قاله صديقي الدكتور محمد شحرور وتخريجاته الجديدة المتميزة ، وهو أيضاً لون من محاولة التطويع الإيجابي لإيمان المسلم بالدين ، كي لا يجد على نفسه حرجاً في الأخذ بنظرية النشوء والارتقاء . بدفع الناس عبر تلوين التحريم ببهجة الحلال برؤية أخرى جديدة .

وللدخول في صلب حكاية الخلق والتكوين دينياً أو النشوء والارتقاء علمياً ، أن الأولى تعمد إلى نظرية الخلق المباشر ، فكما للصنعة صانع ، فللكون الحي بحسبانة صنعه لابد من صانع خالق مباشر ، بينما تعمد نظرية النشوء والارتقاء إلى القول بتطور حيوي عبر ملايين السنين انتهى بتطور جميع الكائنات من أصول أولى مجهرية إلى ما هي عليه الآن.

والمعلوم لدى أهل الأنثروبولجيا والميثولوجيا وعلماء الأركيولوجيا والتاريخ مجتمعين أن نظرية خلق الإنسان من طين أحمر لازب حمأ وتشكيله تشكيلاً فنياً بواسطة إله نفخ فيه نسمة الحياة ، كانت نظرية أولى قديمة قدم البشرية ، و لدى كل شعوب الأرض من المصريين الذين قالوا أن الإله خنوم قد صنع البشر على دولاب الصلصال الفخاري ، إلى البابليين إلى الآشوريين إلى الإغريق إلى تاهيتي إلى سكان استراليا البدائيين الآن ، حتى إن قصة خلق حواء من ضلع آدم مدونة قبل ظهور الأديان السماوية جميعاً في بابل القديمة في قصة تمت إعادة صياغتها أكثر من مرة تحكي خلق السماوات والأرض والكائنات الحية والإنسان ، تعرف باسم (إينوما إيليش) وترجمتها (في العلى عندما) وهي الأصل الأصيل الذي نسخت منه التوراة قصة تكوينها نسخاً (أنظر تفصيل ذلك في كتابنا قصة الخلق ، أو منابع صفر التكوين) .

والإسلام بدوره يأخذ بنظرية الخلق المباشر ، لكنه فيما يبدو سيخالف هنا ما قاله الدكتوران حسن عطية ومحمد شحرور ، ولا يحكي عن تطور الإنسان عن البشر أو العكس ، إنما هو قادر على تبديل الخلقة مباشرة ، مما يدعم الأصل المعتاد في فهم الخلق المباشر ، فالدين شأن والعلم شأن سادتي الأكارم ، و ليس بالضرورة أن يمر الإيمان بالعلم عبر الإيمان بالدين ، والإصرار على ذلك هو سر كارثتنا الأزلية وخيباتنا غير القابلة للمنافسة ، لننظر إذن في ضوء محاولة تفسير القرآن لصالح العلم في ضوء قول الله في القرآن : "فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين/ 65 / البقرة" ، وكذلك "فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين/ 65 / البقرة" هنا عملية تحويل مباشر وفوري في الخلقة والخلق ، لم تعتمد التطور منهجاً لها ، لأن أهل ذلك الزمان ما كانوا يعرفون التطور ، وقد جاء الإسلام ليخاطبهم بلسانهم وعلى قدر عقولهم ، لقد جاء ليقول لهم ما يعلمون مسبقاً من أديان ومعارف متواترة . وكان طبيعياً أن يخاطبهم حسب إدراكهم الذي هو أقل بألف وأربعمائة عام من إدراكنا ، وتحسب العام الأخير فيها بما يعادل ما أنجزته الإنسانية كلها عبر تاريخها منذ وجدت على الأرض.

وما كان ليحدثهم بلسان نظرية التطور لأنه لم يكن لديهم مختبرات ولا ميكروسكوبات إلكترونية ولا مناهج علمية في البحث والتفكير ولا مراكز علمية متخصصة تصرف في بحوثها المليارات . لقد كان بإمكان الإنسان أن يتصور إمكانية تحول البشر إلى كائنات أدنى عقابا لهم على الآثام والجرائم كالقردة والخنازير لأنه الأرقى والأكثر وعيا منها ، لذلك ما كان ممكنا نظريا لصالح التفوق الإنساني أن يكون الإنسان متطورا أو ممسوخا عن كائنات أدنى رتبة .

إن كل نبي خاطب إجيال زمانه حسب زمانه وقدر فهم زمانه ، وهذه الأجيال من ناتج أجيال سابقة أكثر بربرية وهمجية ، ورثت عنها ضمن ما ورثت بعض ثقافاتها ومعارفها البدائية الأولى . ولم يكن باستطاعة أي نبي أن ينكر معارفهم عن التكوين والخلق وإلا طالبوه بالبديل الأصوب والأقرب للفهم .

لقد مرت الإنسانية وهي تضع مفاهيمها للكون من حولها بمراحل ، وكانت قبل الأديان الثلاثة في مرحلة تعددية للآلهة ، وأيضاً لها رؤيتها للخلق والتكوين المباشر لأنها تفهم أبعد من هذا ، وهو ما نسميه اليوم أساطير ، وكلمة أساطير تتضمن الخيال والوهم السحري غير المترابط أو غير المعقول أو غير المترابط أو غير المعقول أو غير المرتبط فيه السبب بنتيجته ، فيصبح المرض سببه شيطان وليس لفيروس ما وتصبح الكوارث سببها غضب الآلهة ، وليس أسباباً موضوعية في تكوين الأرض وطبيعتها ، لذلك نرى تفكيرهم أسطورياً من منظور زماننا ، لكنهم صاغوا مفاهيمهم للكون بلغة تعبيرية خاصة قد تبدو لغير المتخصص كلاماً لا معنى له ، لكنه بربطه بزمانه ومناهج زمانة في الفهم والتفكير ، تكتشف أن هذه الأساطير تسجيل لأحداث حقيقية حدثت وأيضاً تسجيل لمفاهيم وطرق لمعرفة ما حولهم وقوانين ناسبت زمانهم.

وقريباً سيأتي الزمان المتطور بقوة نحو فيزياء كونية جديدة وسيحتاج إلى عقل جديد وقوانين جديدة وإدراك جديد ، يوم تنتقل عبر الزمن لتقابل ذاتك أو يوم نكتشف ما في الطرف الآخر من الثقوب السوداء الكونية ، أو كيف أمكن اليوم إطلاق جسيم بسرعة أكثر من سرعة الضوء ثلاثمائة مرة ، حتى إنه وصل جهاز الاستقبال قبل أن ينطلق ويختفي من مكانة الأول، نحن مقبلون على تحول هائل جديد يحتاج فهما جديداً يصبح معه فهم زماننا بالنسبة للآتي ضمن مرحلة الأساطير.

ونحن على أبواب هذا التحول الكوني ، الذي سيأخذ بشرا نحو مستقبل غير مفهوم لنا الآن ، ويترك بشراً لا يفهمون حتى ما يحدث الآن ، ترى كيف سيكون الفرق ، وساعتها هل سنكون كلنا بنى آدم أو كلنا أناسا أو ناسا او بشرا أو غيره مما طرحه الدكاترة.

من عجائب الدهور أنه في هذه المرحلة الفارقة تجد على الأرض بين الأناس بشرا بقوا من تلك العصور القديمة ، من بدايات البشرية ، حفريات حية تفكر بعقلية زمن الأساطير الماضي ، وهؤلاء هم نحن أهل الشرق المسلم سادتي.

ومن ثم نسجل الملاحظات هنا ، وهي أن قناعة الإنسان البدائي بنظرية الخلق المباشر لم تتضارب مع الأديان ، فأقرتها كل الأديان سماوية وغير سماوية وأسطورية ، لأنه ما كان ممكنا لأي نبي أن يحدث قومه حينذاك عن قصة التطور والارتقاء ، وما يتطلبه ذلك من حديث عن الجينات والخلايا وأنواع التكاثر والاستنساخ والكيمياء العضوية ، فإن أحدا ساعتها لن يفهم لأنه ذلك خارج مخزونه ومدركاته المعرفية ، بل إن بيننا حتى الآن أناسا لا تستطيع استيعاب نظرية التطور وفهمها فهما دقيقا لا يشغل الدين في شيء ولا يشغله الدين في شيء ، وعدم قدرتنا على استيعاب النظرية تعود إلى أن منطقنا في مرحلة أسبق من الزمن الحالي وهو ما لا يعني كذب النظرية بقدر ما يعني رفضنا لها لعدم قدرتنا على فهمها.

وحتى لو فكرنا بمنطق تلك الأزمان اليوم فلابد أن ننتهي للاعتراف بالعلم ونظرياته ، ففي أوروبا أنكروا قدرة الله على دفع الآرض للدوران حول الشمس ، حتى عادت الكنيسة في العقد الماضي إلى التراجع عن خطئها التاريخي واعتذرت لجاليليو لأنهم آمنوا ببعض قدرته واستكثروا عليه بعضها ، على تشغيل وإدارة ما أنتجه ، ونحن نكرر نفس الخطأ اليوم ، نعترف لله بقدرته على إحياء كل تلك الأحياء ثم تتكر عليه القدرة على تطوير وترقية ذلك الخلق ، خاصة إذا كان بإمكانه تغيير الصورة الآدمية إلى قرد ،فإن بإمكانه أيضا القيام بالعكس.

ولو تركنا الأمر مهملاً محرماً تدريسه في الأزهر ، فكأننا نقول إن داروين فقط هو الذي يطور الكون ويدفعه للترقي لمجرد أنه أدرك هذه القدرة الإلهية ومهد لكل العلماء الأفذاذ من بعدة للتحكم في الأجيال بهندسة الوراثة لإنتاج أجيال حية محسنة واستخدامها لمطاردة الأمراض ، بهذا المنطق يمكن القول أن الكفر البين هو الكفر بقدرة رب الإسلام على خلق ما يدير به أكوانه من قواعد وقوانين. وإن جهل السلف الصالح بالجراثيم والميكروبات لا يعني أنها ليست من خلق الله ، وقولنا اليوم بوجودها لا يعني أننا قد كفرنا بالله ، وأن عدم ورود أي ذكر لها في الكتب السماوية لا يعني أنها خرافة ، وأن الإقرار بوجودها لا يعني الكفر ، بل ربما كان الكفر هو إنكارها.

و ثمة سؤال أخير لازال يضرب أخماسه في أسداسه :

ماذا لو كان عصرنا الذي نعيش بكل إمكانياته قد تقدم زمانه فجاء في القرن العاشر قبل الميلاد.

فهل كانت الكتب السماوية ستتغاضى عن ذكر مكتشفات زمانها ونظرياته وعلومه؟
هل كانت ستنكر وجود المجرات وعجم وجود سماء كما نفهم نحن؟
هل كانت ستنكر أن نجوم السماء ليست مصابيح زينة إنما هي شموس عظيمة الأجرام؟
هل كانت ستنكر أن الأمراض تسببها الفيروسات والبكتيريا والجراثيم والخلل في الخلايا ؟
هل كان يمكن لنبي أن يمرض ولا يذهب إلى الطبيب؟
وهل كان سيتنكر لأطفال الأنابيب لو احتاجها؟
وهل كان سينكر معرفة كل شئون الجنين وهو في بطن أمه؟
وهل كان سينكر التليفزيون والطائرات والمحمول والإنترنت والأسلحة النووية ؟
هل كان سينكر النشوء والارتقاء الذي تقوم عليه علوم البيولوجيا والاستنساخ ؟

فلماذا والحال كذلك لا نتوقف عن تبرير العلم أو تحليله استنادا للدين؟
ولماذا لا ننتهي إلى أن هذا شأن قلبي تؤمن به على علاته أو لا تؤمن ، وأن العلم شأن عقلي مخبري لا علاقة له بالقلب ولا بالإيمان ؟
وأن الإيمانلا علاقة له بتقدم أو تخلف إنما هو شأن شخصي ضميري والتخلف فيه مرجعه إلى الله ، أما العلم فهو موضوع التقدم وموضوع الأمة كلها وليس شأنا شخصيا ولا يحتاج لمن يبرره ويحسن وجهه وإلا كانت مصيبتنا في عقلنا قد أصبحت هي كبرى مصائبنا .

روزاليوسف 8/1/2005

الإسلام هو الحل

شعار يطلب المدد من دين الإسلام لحل مشاكلنا وما وصلت إليه أحوالنا مقارنة بدول العالم الحر المتقدم.

أيضاً يطلب المدد من تاريخ الإسلام في بداياته الأولى عند السلف الصالح منذ ألف وأربعمائة عام مضت تغيرت فيها أحوال الدنيا عن ذلك الزمان تغيراً هائلاً فارقاً.

أيضاً يطلب المدد من رب السماء عن طريق إرضائه باتباع أوامره ونواهيه لينصرنا ويبعث فينا نهضة جديدة ، ويبدد شمل أعدائنا وينصرنا على القوم الكافرين.

لكــــــن …

ألا يبدو ذلك شعوراً واضحاً بالعجز عن الفعل ، واللجوء لأسهل الطرق ليقوم لنا ربنا بالمفروض أن نقوم نحن به كسلا أو يأساً أو جهلاً أو كلها معاً؟

ألا يبدو ذلك لوناً من العقلية البدائية التي كانت تتوسل إلى تحقيق المراد بتقديم القرابين لإرضاء الآلهة حتى تساعدهم؟ ألا يبدو ذلك لوناً من العقلية السحرية التي تكتفي ببعض الطقوس لتغيير أحداث الواقع لتحقيق المشتهى؟

ألا يبدو ذلك الشعار دليلا على أننا أمة لا تنتج وليس لديها أي استعداد لأي إنجاز أو اكتشاف أو اختراع ، وهي أدوات التقدم اليوم ، انتظاراً لتدخل سماوي يقضي على الغرب الكافر ويعيده إلى سيرته الأولى جاهلاً متخلفاً بدائياً فنكون قد حققنا نصرنا وتتساوى الرؤوس ، وتصبح مقارعتهم بالخيل والليل والسيف ، وهي تراثنا العسكري التليد الذي لا نعرف غيره عملاً ممكناً؟

وهل يبرئ هذا الشعار تاريخنا الإسلامي الطويل الذي رفع هذا الشعار لكن مع الظلم والاستبداد والقمع بطول سنوات الخلافة الطويلة؟ هل يبرئ رجال الدين مما نحن فيه من تخلف؟

وهل معنى ذلك أن الإنجاز الحضاري المتفوق سيكون مهمة رجال الدين الإجلاء؟ وإذا كان ذلك كذلك فلماذا لم يفعلوها عبر ألف عام مضت؟ أم هو تبرير للفرد المسلم الذي لم يحاول النهوض بنفسه ومسؤوليته عن التخلف المقيت الذي نعيشه؟

أم هـو مـن طرف خفي يغمز مـن طرف الحكومات ويتهمها بتخلفنا لأنها لم تحقق شعار الإسلام هو الحل؟ باحتساب غياب الحكومة الدينية هو سبب التخلف والجهل المتفشي تفشياً عظيماً؟

لقد صنع الرافديون القدماء حضاراتهم العديدة في أكاد وآشور وبابل وسادوا عالم الشرق الأوسط القديم ولم يكن لديهم إسلام هو الحل!

وصنعت مصر من فجرها نهضة حضارية هي زينة الكوكب الأرضي دون أن تعرف أن الإسلام هو الحل!

وحققت دنيا الغرب الحر اليوم مـا لم يتحقق في تاريخ البشرية دون أن تستخدم الإسلام حلاً.

الإسلام هو الحل!...

وكيف يكون الإسلام هو الحل لتخلفنا المزري وواقعنا المبكي وتفكيرنا المضحك؟ هل ثمة برنامج واضح للحل لدى أية فرقة ممن ينادون بالإسلام حلاً؟

الواضح حتى الآن أنه ليس ثمة برنامج يتوافق مع زماننا على الإطلاق ، اعتماداً على فكرة مبدئية هي أن الإسلام كيان كامل غير منقوص صالح لكل مكان وزمان. لكنه إذا كان من الممكن فهم صلاحيته الدائمة لترتيب شؤون المجتمع القيمية والأخلاقية وإقامة الأمة الصالحة وتكوين الفرد الشاكر التقي ، فغير المفهوم هو كيف نرتب به شؤوناً لم تكن معلومة بالمطلق زمن الدعوة؟

فالإنسان كائن متطور وليس حشرة نمطية تحركها موروثات جينية لا تتغير. وفكرة أننا بالإسلام سنعود خير أمة أخرجت للناس ، فإن هذه الخيرية لا تعني توارثها مع تعاقب الأجيال ليكفي شعار بإحيائها مع بعض الطقوس وسيادة رجال الدين لنعود سادة العالم ، ليقودنا بالسياط إلى الجنة مقيدين بالسلاسل والأغلال ، في زمن لا ينتج مع هذه المفاهيم سوى المزيد من التخلف والتردي ، لأنهم يعتبرون أية فكرة حركة تمرد ضد الدين ، ويحتسبون الكرامة الإنسانية عصياناً ، والمساواة خروجاً على الشريعة التي قننت العبودية في فقهها كما يفهمونه ، وكذلك كتبت على المرأة وضعها التاريخي تحت الحكم الذكوري إلى الأبد. وكل مؤسسات اليوم هي خروج على آداب المجتمع الأول.

إنهم يتوهمون أن بيدهم مفاتيح سحرية بمجرد إعلان الشعار وتفعيله عندما يركبون رقابنا ويؤسلمون المجتمع كله حسبما يريدون رغم أنه مسلم الآن والحمد لله.

المهم أن هذا الوهم عندهم هو الذي سيمكننا من منافسة الغرب الكافر ، الملحد ، المتفوق ، الحر ، المكتشف ، المخترع المنتج. إنهم يريدون استعادة خلافة أسقطها هذا الشعار ذاته. ويتناسى أصحاب الشعار أنه عند بداية عصر التنوير والنهضة في أوروبا كانت الخلافة العثمانية قائمة تحكم العالم العربي مـن أقصاه إلى أقصاه ، ولم تتحرك دولة الخلافة ، وأصرت على أن الإسلام هو الحل ، فكـان من شأننا بين الأمم مـا كان. أن المسلمين ليسوا أبداً هم الأسوأ في علاقتهم بدينهم بل هم أشد الناس تمسكا بدينهم ، لكنهم الأسوأ في علاقتهم بعصرهم وزمانهم الذي يعتمد مبـدأ

"العلـم هو الحـــل ".

نشرت فى وجهات نظر – عدد 10770

الاتحاد الأماراتية 30 ديسمبر 2004

الإسلام والجراد

نادراً ما نجد في الصحيفة الكبرى (الأهرام ) قولاً مثل قول سكينة فؤاد 25/11/ 2004:

"الحمد لله أن أكد فضيلة شيخ الأزهر أن اصطياد الجراد بهدف أكله ليس تكليفا شرعيا ، وإنما أمر اختياري"

حتى لا يفوتني واجب شرعي بعد دعوة لجنة الفتوى لاصطياد الجراد وأكله ، لمساعدة الحكومة في القضاء عليه ، ولأن القدوة خير مثال فكان يجب أن ينقل لنا التليفزيون صورا للجنة وهي تتناول أطباق الجراد. أو صورة الحكومة وهي تفطر وتتغدى وتتعشى على أطباقه ، ولا أعرف ما هي ضرورة أن يتدخل الأزهر في أمر الجراد". وجملتها الأخيرة وهي سؤال مفصلي يتعلق بمفاصل ثقافتنا وحرصنا عليها ، والإجابة عنه هي إجابة أيضاً عن أسئلة كثيرة حول تخلف المسلمين المثالي.

هنا سنحاول أن نضع يدنا على الأسئلة والأجوبة.. لنحدد بدقة ليس علاقة الأزهر بالجراد ، و إنما علاقة الإسلام بالجراد ، لأن أزاهرتنا عندما يتحدثون في شأن من شئون دنيانا فهم يرجعوته دوما إلى رأي الدين الذي يتمثلونه ويتماهون به ، وأصبح الحديث كما لو كان صدى لرأي الله مباشرة ، خاصة عندما تجد بعضهم يفتي في التليفزيون ووراءه تجري الشموس والنجوم والأقمار وبجواره لفظ الجلالة كما لو كان هو الذات الإلهية أو أنه رسولها المباشر جاءنا قافزا لتوه من بين أكوانه ومجراته وكواكبه في إيحاء مرفوض وغير جائز بل وخال من الذوق الإيماني في التعامل مع رب الأكوان وطريقة الانتساب إليه.

وبعد دعوة المسلمين في مصر لأكل الجراد بفتوى شرعية من لجنة الفتوى بالأزهر لمساعدة الحكومة في القضاء عليه تقدم الإمام الأكبر بفتوى توضيخ : "إن إصطياد الجراد بهدف أكله ليس تكليفا شرعيا وإنما أمر اختياري.. وإن تناول الجراد كطعام ليس مخالفا للشريعة الإسلامية ولا يدخل في قائمة الأطعمة المحرمة على المسلمين". ومن ثم أعفانا إمامنا من هذه الوجبة التي لم نعتد عليها في بلاد النيل ، وحولها من تكليف إلى اختيار.

بعد أن دخل الجراد مصر ينهش ما تبقى لفقرائها في الحقول ، وبعد أن أحسنت وزارة الزراعة استقباله هاشة باشة مرحبة لحلوله أهلا ومجيئة سهلا ، كان الحل هو تشجيع الفقراء على تناول الجراد بحسبانه طعاما تناولة من قبل الأسلاف المسلمون والعرب الأواءل في بواديهم الشحيحة وبيئة الندرة التي كانت تسمح بتناول كل ما تقع عليه اليد ، أيا كان ، فكان العربي يأكل أي شيء يتحرك أمامه ومع تحاشي السم منها بحكم خبرة الأجيال.

وجاء الإسلام في مجتمع الندرة الشحيح مطابقاً لعاداتهم في تناول الطعام ، فلم يحرم لا أكل الجراد ولا أكل الضب (نوع من الأبراص الكبيرة السمينة الغنية بالبروتين) ، بل إن الجراد والضب يعتبران حتى الآن في موطن الإسلام الأول من ألوان الطعام المفضلة والنادرة.

غير المفهوم أحيانا في إصدار الفتاوي المتلاحقة ، هو تركيزها على مدى الحلالية في الموضوع دون تأثيم المقصرين والمطالبة بمحاكمتهم ولومهم دون مراعاة فروق البيئات وظروفها والمستساغ فيها حسب هذه الظروف من أطعمة ، وهو ذات الشأن الذي يفعله كل السلفيين بإحياء البيئة القديمة زمانا المفارقة مكانا في الزي والسلوك ، وطريقة الطعام ، وكل التفاصيل الصغيرة في الحياة أو الكبيرة ، وها هي أشكال الطعام ذاتها ،الجراد الذي كان يأتي لصحاري الجزيرة خيرا عظيما بما يقدمه من كميات بروتين هائلة تتساقط عليهم إعياء وجوعا من أسرابها في صحاريهم الوسيعة.. بينما كان الجراد ذاته يشكل خرابا للبلاد الزراعية وضياعا لمحصول وعرق وجهد العام كله ، ولم تكن موجات الجراد وحدها هي التي تهاجم المحصول عند نضوجه بل أيضا موجات البدو الجائعة على الحدود التي كانت تتربص بالفلاح وهو يلقي بذوره وهو يحرث حتى ينضج محصوله لتهبط عليه تسلبه عرق العام وبعض الأطفال والنساء ، ورغم أن هذا كان جرادا وذاك كان جرادا في نظر الفلاح المنتج ، أن كليهما كان شرا عند المزارع ، فإن الجراد عند البدوي كان خيرا بينما كان جرادا ياكل جرادا في نظر الفلاح.

إن سادتنا المشايخ لا يحتسبون فارق البيئة ولا الزمان ولا المكان ، إلا بما يوافق الهوى ، فالثريد الذي هو سيد الطعام ، حسب الحديث النبوي ، كان سيده لأن القمح مادة الثريد الأساسية كان طعام النخبة الثرية بوصوله من مصر إلى ميناء الجار على الساحل قرب مكة ، بينما كان القمح طعام العوام والفقراء في مصر ، ولم يعد الثريد سيد الطعام في بلاده ، ولم يعد أهل الثريد يأكلون الثريد لتغير الأزمان والعوائد والتقاليد باتصالهم بالشعوب الأخرى.

و لأن مشايخنا لا يريدون أن يتركوا شانا من شئون الزمان وإلا تدخلوا فيه ودسوا فيه أنوفهم لإثبات ضرورة وجودهم سادة مفتين وشارحين ، فقد تكرموا علينا بفتوى أكل الجراد ، وهو ما لا يناسب طبائعنا ولا أذواقنا ولا ظروفنا البيئية ، ولأن أكل الجراد لن يمنع أسرابه الهائلة من التهام كل ورقة خضراء في بلادنا ، ولأنه حتى لو اجتمعنا للدعاء علاقة بخطط الجراد وخط سيره ، وربما لو دعونا على المسئولين عن الكارثة لكان هو الأجدى ، وهو بدوره الدعاء الذي لن يفعل شيئا في واقعنا ولن يصيب وزارة الجراد إلا باستفحال شأن جرادها الداخلي.

أما المصيبة الأفدح في القضاء على الجراد بأكله أن هناك دولا أخرى مر عليها الجراد وقاومت أسرابه برشه بالمبيدات الحشرية بكل أصنافها ، وما وصلنا منه ما استطاع المقاومة ، لكنه يحمل السم الزعاف لكل من يأكله تطبيقا للفتوى ، ولا ندري هنا هل أسرع أصحاب اللحى والجلاليب القصيرة وصويحبات يوسف من محجبات ومخمرات ومنقبات إلى هذه الوجبة الأصلية السلفية تأكيدا لسلفيتهم أم أن أنفسهم عافته ، لكنها لم تعف عن لوازمه المرافقة تاريخيا له كالزي ، القديم الذي يلبسونه تأسيا بالسلف ، باختيار دون اختيار ، مما يشير إلى التطبيق والالتزام حسب المزاج والهوى ، رغم أنهم كان بإمكانهم هجم وجبة الجراد الثمينة ملتزمين أيضا بشرب مكة كولا (ملتزما).

ومع هذا المناخ وذلك الحال لا تفهم استخدام الدين في إعلانات الكسب غير المشروع على حساب أرواح العباد في إعلان "أشرب ملتزما".

وإذا كنا سنأكل الجراد فقرا بعد أن تهاوت الأوضاع في بلادنا إلى ما دون البترول الذي دافعنا في رفعه دماء أبنائنا في حروب متتالية منعت اليهود من استعادة خبير ، فإن كتب الفقه التي يدرسها أبنائنا وبناتنا في مدارس الأزهر تفتح لنا الباب واسعا للحصول على ألوان مختلفة وشهية من البروتين رخيص الثمن والمتوافر والحمد لله ودون أن نرتكب إثما ، فيقول كتاب "الإقناع في حل الألفاظ أبي شجاع ص 31 ، 32 شرح ج 1 المقرر على المرحلة الثانوية الأزهرية : "ويستثنة من النجس ميتة لا دم لها سائل ، بأن لا يسيل دمها عن شق عضو منها في حياتها كزنبور وعقرب ووزغ وذباب وقمل وبرغوث ، لا نحو حية وضفدع وفارة".

ابشروا يا مسلمين جاءكم الفرج ، ويمكنكم أكل الجراد والزنابير والعقارب والأبراص (الوزغ) والذباب والقمل والبراغيث هنينا مريئا حلالا زلالا ، حلا للمشكلة الاقتصادية وإشباعا لملايين الأفواه الجائعة ، وهكذا الحلول وإلا فلا !!

لكن هناك فتاوي أخرى ترى رأيا آخر ، وقد نشرتها نفس الجريدة القومية الكبرى في صفحة الفكر الديني عندما قالت المحررة : "وتساءل الجميع : هل ظهور هذه الجيوش من الجراد بسبب تقصير بعض الجهات"؟!

وبالطبع لم يتساءل الجميع ، لكن السيدة الصحفية ومن لف لفها يرون أنفسهم الجيمع دوما ، ويتصورون كل الناس داخل هذا الجميع ، لأنه لم يعد يسأل مثل تلك الأسئلة اليوم أحد سواهم ، وهم قلة ليسوا "جميع" ، فالجميع اليوم مشغولون بشئون أخرى ويفكرون بطريقة أخرى ، لكن المدهش أن الأخت الصحفية حملت تساؤلات "جميعها" إلى "الكاتب الإسلامكي الكبير أحمد بهجت" ، ومن ثم يشرح قائلا : إن واقعة الجراد هذه لم تضرب مصر لأول مرة، بل أشهرها كانت في عصر موسى عليه السلام وفرعون.. "فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وآيات مفصلات وكانوا قوما مجرمين" ويضيف : "والمصريون إزاء هذا الموقف لجأوا وتوسلوا إلى موسى أن يدعو ربه برحيل أسراب الجراد، ودعا نبي الله ربه عز وجل أن يكشف عنهم هذا العذاب ، ورحل الجراد".

الكبير فيما يبدو لا يعلم أن ظاهرة أسراب الجراد ظاهرة متكررة طوال التاريخ ، وأنها لم تكن هذه المرة فقط ، بل إنها حدثت زمن الصحابة وأكلوه هنئا مريئا وملآوا به البطون ، لأنه كان خيرا عميما ، لكنه في بلد مثل مصر كان هو العذاب ، ليس زمن موسى وحده وليس في زماننا وحده ، وليس لخاطر النبي موسى وانتقاما من المصريين المجرمين وحدهم ، فهي ارتال بحر ظائر من أمواج الجراد هي التي تحدد طريقها وفق اتصالاتها بالبيئة والرياح ، وغريب المسألة هنا أن النبي موسة وهو نبي اليهود وهم شعب بدوي قد سلط الحشرات على مصر بغضب ربه يهوه كما في التوراة لأنه كان عالمابأن الحشرات في بلاد الندرة والبوادي نعمة لأنها مصدر عظيم للبوتين ، لكنها في بلاد الوفرة والزرع نقمة.

تقابلنا معغ صاحب الإجابة هنا مسألتان : الأولى هي عودته المستمرة ومعه أمثاله من الكبار إلى تراث اليهود كلما تعلق الأمر بمصر ، يتحالفون فيها مع يهود الأمس ضد الوطن ، وضد الأسلاف العظام وشماتة فيهم ورفضا لهم وتكفيرا وتجرميا ، ولا تفهم إذن سر عدائهم ليهود اليوم مادام هذا هو منطق الأمور ، اللهم إلا إذا كانت كراهية الأسلام العظام قد فاقت كراهيتم المعلنة ليهود اليوم ، والثانية أمر جلل ومصيبة من العظائم ، ترحل بالولاء بعيدا عن مصر دوما ، فإذا كان الصراع بين مصر واليهود انحاز الكبار لليهود ، وإذا كان الصراع بين مصر وفاتحها العربي انحازوا للغازي وليس لمصر ، فلماذا تنعمون بخير مصر وتلهطون ما منحتكم إياه دون حمد ولا شكور؟! بل مع ولاء لأي عدو لمصر ، ألا ترون قرائي أننا بحاجة لصك قوانين جديدة تحاكم مثل هذا الولاء وتدينه وتعاقبه؟

لقد جرموا أجدادنا حتى يسلبونا مصر يحكمونها ، ويسلبون مصر ولاؤنا لها ليصبح ولاؤنا لهم هربا من أجدادنا المجرمين.

ولو عدنا للقصة التراثية حول موسى سنجد أن مشكلته كانت مع فرعون واحد مزعوم من بين مئات الفارعين الذين حكموا مصر بالحكمة والقانون والأخلاق ، نفس فكرة "أسلم تسلم" التي توجه لشخص ملكي ولا يعلم شعبه عنها شيئا ، ويتم عقاب الشعب كله في حالة لم يسلم الفرد الملكي أو الحاكم عند الغزو.

وفي كل الحالات سنلحظ أن العقاب الجماعي يعم كل الناس بإثم فرد ، إن كان قد أثم ، فالكبير يستطرد منوها بقوله : "وهذه القصة توضح أن الجراد صورة من صور العقاب وآية من آيات الابتلاء والعضب الإلهي على عصيان البشر".

لكنه لا يقف هنا منفردا وهو يتهم إله الكون العظيم بعدم القدرة على الفرز والتمييز بين الشرير والصالح فيرسل كوارثه على الجميع تأكل الحرث والنسل ، فينضم إليه الدكتور أحمد عمر هاشم ، وهو كبير بدوره ويقول كلاما كبيرا أيضا ومنه ثوله : "إن سراب الجراد هي غضب من الله تعالى سببه ما يقع في بعض دور المسلمين من ظلم وإجرام وارتكاب الذنوب ، والله عز وجل ينبه بشء بسيط ، وهو هذه الأسراب. إن الناس قست قلوبهم ، ولا يرفع هذا البلاء إلى التوبة ، وأن يكف الظامون عن ظلمهم ويثوبوا إلى رشدهم" ، ثم يدعو سيدنا هاشم كافة المسلمين لطرد الجراد كما سبق أن طرده رب موسى بالدعاء التالي : "لا إله إلا الله العظيم الحكيم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم" ، المهم أن الجراد أكل ماشاء وطار عندما شاء ورحل حسب جدوله هو قبل أن ندعو هذا الدعاء ، المشكلة عند الكبيرين هي رؤيتهما أن "جميعهم" هم الأطهار الكبار وليس لهم مثل عامتنا ذنب فيما يحدث من غضب إلهي ، بل هم الناصحون العارفون المطهرون ، جميعهم لم يرتكبوا الذنوب ولم تقس قلوبهم مثلنا جميعا ، فجميعهم حلوين طيبين ، وجميعنا وحشين عصاة ! أليس هذا هو التكفير ؟! وأليست هذه هي عقليه تكفير الناس وتحميلهم ما لا يحتملون من ذنوب نتيجة عقل خرافي أسطوري ، وإدانتهم طوال الوقت بما لم يرتكبوا وإشعارهم بالذنب الأبدي الذي لا ينتهي كي يرضى عنا الله ويرسل لنا أسراب العلماء والعلم الإنساني على كافة صنوفه بدلا من الجراد.

الدكتور عمر هاشم هو نفسه من قال ذات القول أيام الزلزال الذي دمر البيوت فوق رءس البشر وطحن الأسمنت بعجين الأجساد..وقال ذات الكلام : "إن ذلتكم تنبيه بسيط من الله" ، ولم يكن الزلزال تنبيها بسيطا بل كان كارثة قومية أصابت أكثر ما أصابت أصحاب البيوت المتواضعة من فقراء مصر ، وأصابت أكثر ما أصابت الأطفال الذين لا تملك حواسهم إتيان المعاصي والشيوخ الذين كفت حواسهم عن إتيانها لعجزهم ن ومن تمكن من النجاة هم الشباب القادر على إتيان المعصية المقصودة ، إنها عقلية الإبادة الجماعية الذي تأخذ الطالح بالصالح ، عقلية تكفير الناس للحصول على تفسير لظواهر لا علاقة للدين بها ، ولا مجال لرجال الدين أنفسهم في كل موقف وفي كل حدث ليثبتوا دوام وجودهم حتى فيما لا حاجة لنا بهم.

وإذا كان الجراد – حسب كلام الكبيرين – نقمة وعذابا ويهاجم البلاد الظالم أهلها ، فلماذا أحل الإسلام أكله وكان يهاجم مكة والمدينة طوال العصور وحتى الآن رغم أها أرض الله المقدسة ، وهذ كان الجراد زمن النبي وزمن الصحابة الكرام كمعلوم من الطعام غير المحرم على المسلمين نعمة أم نقمة ؟ وهل كان أهلها من المجرمين والذين قست قلوبهم أم من الصحابة المكرمين ؟ وإذا كان الحال كذلك فلماذا نحن وأسلافنا العظام المجرمين طوال الوقت؟

لماذا لا يتوقف سادتنا أهل الدين عن التدخل في كل شأن في حياتنا بأسلوب أصبح غير محتمل ، لماذا تحريم لعب الطاولة ولماذا تحريم رياضة اليوجا ، لقد حرمتم كل أمر على الناس حتى عادوا كالعرجون القديم ، كالخشب المسندة ، وخلت بلادنا من كل ألوان المرح وانتهت كل الكرنفالات.. فحتى الطاولة أصحبت حراما؟ يا إخواننا اتفقوا مع بعضكم أولاً ، المسلمون عيدوا هذا العام على ثلاثة أيام السبت والأحد واالأثنين ؟ أليس هذا الشأن أجدى من تكفير الناس بالجراد ؟ أبشؤكم أيها المسلمون ، هناك بحث الآن بين سادتنا المشايخ لإطلاق قمر صناعي إسلامي تكون مهمته رؤية الهلال لتحديد بداية الأشهر العربية ونهايتها؟

"أخضفضوا صوتكم وأنتم تقولون هذا الكلام لأن فضايخنا أمام العالم أصبحت بجلاجل". أترونكم وهذا حالكم بقادرين على إصدار فتاوي تناسب العصر والزمن وتفهم أبسط بسائطه التي يعملها تلامذة الابتدائي أو مفترض أن يعلموها؟! أ تسكتوا أسكت الله لكم حسا؟! بالمناسبة حكاية القمر الصناعي هي قول كبير آخر ، يتحدث هذه الأيام كثيرا فيخطئ كثيرا ونتمنى أن ينعم الله عليه بنعمة الصمت والإنصات أكثر من الكلام.

إن صناع الحضارة لم يكونوا من رجال الأديان السماوية الثلاثة

بل كانت الحضارة أنشط قبل ظهور إكليورس الأديان السماوية ، ثم إن التحضر الحديث لم يحدث إلا بعد التخلص من سطوة الكنيسة ، ولم يحدث لبلد إسلامي واحد سوى تركيا التي تحركت مع أتاتورك نحو الحضارة ، إن الحضارة والتقدم لم يقم بهما يوما رجال الدين ، بل كانوا دوما معطلا وقامعا ومانعا.

والموت ضروري للتطور، لأنه لو لم يكن هناك موت لما كان هناك تطور جديد ، فالتطور يعني موت القديم ليفسح المكان لمولد الجديد ، وإن استمر القديم دون موت فلن يكون هناك تطور لجنين جديد ينمو في بيئة جديدة ، والبيئة الجديدة اليوم لا مجال فيها لمشايخنا ولكلامهم الذي يجب أن يموت حتى لو بقتله ، بقتله بحثا وردا وفضحا ، لنسمح للمستقبل بأن يأتي.

روزاليوسف 10/12/2004

تسونامي - يد الله الباطشة؟

عالم المحيطات "ديفيد ميرنر" انتهى بعد متابعة طويلة إلى اكتشاف ظاهرة "تسونامي" التي أدت إلى ابتلاع البحر لمئات السفن والموانئ ، والتي عرفها اليابانيون العاديون قبله وأعطوها هذا الأسم "تسو + نامي" أي مدمر أو مهلك + الموانئ ، وأطلق "ميرنر" على المساحة المعرضة لهذه الظاهرة المتكررة اسم "مثلث الموت" ، واجتمعت من هذا المثلث ومن الدول والجمعيات العلمية المهتمة قمة جاكارتا 26 دولة وجمعية لإقامة جهاز إنذار مبكر.

لكن تسونامي فاجأ الجميع بضربة لم يضربها منذ مائة ألف عام مضت ، فاجأ مثلث الموت بجبروته وبطشه فدمر الموانئ والجزر وبنية تحتية كاملة قدرت أضرارها بنحو مائة مليار دولار غير خراب الديار وابتلع نحو مائتي ألف إنسان فى قضمة واحدة غير الجرحى والمشردين بمئات الآلاف.

كان طبيعيا أن يهتز عالم الإنسانية بكليته لفداحة الكارثة ، تنهال التبرعات إنقاذا ومواساة وعلاجا وطعاما ومساعدى للمصابين والمشردين من مشاهير الرياضيين والفنانين والأثرياء ، أما الأفراد محدودو الدخل فقد شاركوا في مباريات وحفلات جمعت فيها الأموال لمصابي تسونامي لإثبات مساهماتهم واهتمامهم وفزعهم ومواساتهم كأفراد بغض النظر عما قدمت دولهم وهيئاتهم الرسمية التي هم مشاركون فيها بالضرورة بما يدفعونه من ضرائب.

لقد أراد كل فرد أن يدعم أخاه الإنسان في الطرف الآخر من الآرض فقط ، لأنه إنسان وأن كليهما إنسان ، بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس لكليهما.

فماذا فعل المسلمون؟

استمعوا معي بني الإنسان إلى ما قاله مشايخنا في مصاب البشرية المخيف.. نبه قرضاوي إلى ضرورة ملاحظة أن الكارثة قد حدثت في منطقة تعتمد على السياحة ، يتم فيها تناول المسكرات وفعل المنكرات ، وأكد عميد كلية الشريعة بالكويت أنه عقوبة للجزر الإباحية التي دمرت ، وعندما أكد الأزاهرة على غضبة الله الباطشة بالتسونامي ، وأوجزه ولخصه الدكتور أحمد عمر هاشم المتخصص في تشديد النكير على المصابين في كل جلل ومصاب فادح ، قال زغلول النجار أن التسونامي كان عقابا للعاصين وابتلاء للناجين ، وقال صالح المنجد في السعودية أن كارثة المد وقعت بسبب وجود السياح غير المسلمين يتحولون عرايا في النوادي الليلية على الشواطئ وهم يحملون الخمر.. إلخ.. إلخ.

ووفق هذا التفسير والفهم ، لابد أن نفهم أن الله قد أرسل العذاب على المسلمين ودمر بلادهم وسحقهم سحقا لأنهم استقبلوا السياح في بعض كفورهم كمصدر للدخل ، سحقهم لأنهم سمحوا للسياح بعزف الموسيقى والرقص والفرح. ولابد أن أفهم أن هذه السعادة ، وهذا الفرح وخما يصاحبه من ضجيج سعيد قد أزعج الرب فقام يدمدم عليهم ، ولابد أن نفهم أيضا أن الرب هنا مصاب بعدم القدرة على التمييز بين الصالح والطالح ، لأن المساحة المدمرة الهائلة لم تكن كلها مرتعا لسعادة السياح ، بل ربما كان معظمها أغلب من الغلب ، كما يجب أن نفهم أيضا أن رب السماء ينزعج بشدة من السعادة التي يمارسها عبيدع على طريقتهم ، وينزعج من الرزق الذي يعود على أهل البلاد المفتوحة لتلك السياحة ، لكنه يفرح ويسعد بتباكيهم عندما يستمعون إلى القرآن وبكائهم على حالهم ، وأنه تبلغ به نشوة السعادة مع كل ذبيح للإرهاب الإسلامي تقربا وقربانا ، وأنه يرسل غضبه فقط على من يمارسون الفرح المنتج في حقله والصانع المنجظ في مصنعه على بعد مئات الكيلومترات ، ويقتل معهم الشيخ الفاني والطفل الرضيع والصبي التقي ، ولابد أن نفهم أيضا أن الله يثبت قدراته فقط مع أمثالنا من غلابة ، وإلا فلماذا مادام هكذا المنطق فلماذا لا يدمر لنا دولة إسرائيل أو أمريكا أو روسيا مثلاً ؟ أم أن الرادع النووي يمنعه عن اتخاذ مثل هذه الخطوة الخطرة ؟!

ثم يتأسس على كل هذا السؤال الأهم : أي رب هذا الذي يدعو إليه دعاة المسلمين ؟!

سادتي.. هل رأيتم تلك الطفلة المسلمة الضائعة بلا أهل ولا مأوى في بندا آتشي بإندونيسيا تجيب عن سؤال التليفزيون عما تتمناه ، فلا تقول الطفلة الضائعة اليتيمة أنها تريد أبويها لتعبر عن احتجاج طفولي مفترض ضد ما حدث ، ولا تقول أنها تريد طعاما تحبه وملبسا تفرح به ، لتعبر عن رفضها لواقعها الفقير أصلا ، ولا تطلب دمكية تلعب بها ، إنها هي تريد أن تصبح طبيبة لتعالج المسلمين لتحقق الهدف النهائي : إرضاء الله !

أين ذهب أبواها بعد أن صبا في روحها هذا الذي قالت ؟

لقد ذهبا مع الكفرة السائحين ، ولم يستطع رب الإسلام حسب الصورة التي قدمها لنا مشايخنا أن يميز بين هذين العبدين الصالحين وبين السائحين الفجرة الفسقة ؟! لقد ذهب الوالدان بعد أن غرسا الطائفية الواحدية في روح الطفلة حتى لا تهتم بغير المسلمين ، وغايتها النهائية إرضاء رب المسلمين ، فما كان من رب المسلمين إلا أن ذهب بالطائفي المتعصب لدينه ضحية الدمار ، وتيتمت طفلته ، وضاعت تنتظر يد أي خاطف من عصابات أعداء الإنسانية تجار البشرية ، لتباع رقيقا أبيض لبدوي مريض نفسيا يعشق جنس الأطفال ، لأنه لم يعد أحد في العالم لا يزال يقر العبودية ويعلمها لأجياله في مدارس الدين سوانا ، لذلك لن تجد أسواق رقيق تسونامي أفضل من سوقنا !

أو ربما تختطف هذه الطفلة مع أطفال آخرين على يد مجرمين من نوع آخر أكثر استثمارا وأكثر وحشية ، لتباع قطعا حسب المطلوب من إكسسوارت آدمية !

ألا ترونهم يصوغون لنا ربا مثل حضرة الصول عطية في الجيش الذي كان يعاقب السرية بكاملها لأنه لا يعرف الفرد المخطئ فيها ؟! ألا ترونه ذات القانون الذي مارسه حضرة الصول لأن الحسنة تخص والسيئة تعم ؟!

ألا ترون هذا الرب وفق هذا الفهم يتلذذ بقتل جدات وأجداد كلت حواسهم عن إتيان المعاصي ويعدون أنفسهم للقاء ربهم لقاء حسنا ؟! وبقتل رضع من ملائكة البشر لم يرتكبوا بعد جريرة يعاقبون عليها ؟! ويترك الشباب القادر على إتيان المعصية ينجو بشبابه وفتوته ؟!

ألا ترون في حديث مشايخنا شماتى رخيصة بائسة من الثكالى والأرامل تشير إلى نفوس مريضة كارهة إزاء كارثة إنسانية تعصر القلوب والأكباد ؟!

ألا ترون البشر في العالم من غير المسلم أكثر رحمة بالمسلمين من المسلمين ورب المسلمين كما يصوره لنا مشايخنا ؟!

ألا ترون ضمير العالم وقد سما فوق الأديان والقوميات ، بينما "إيجلاند" منسق الإغاثة الدولية يستصرخ عرب الخليج فلا يسمعون ، ألا ترون أطفال العالم يتبرعون لأطفال تسونامي مسلمين وغير مسلمين ؟! بينما جمعيات عندنا تقرر جمع التبرعات فتنشر إعلانا للتبرع للمسلمين فقط مع تنبيهها أنها ستبعث بالأموال المجموعة للمسلمين فقط ؟!

أليس بن لادن مليونيرا عظيما ، ومسلما مخلصا ، كما يقول ، وعين نفسه جنرالا لجيش المسلمين العالمي لمحاربة العالم؟ لماذا إذن وهو في هذا المكان وتلك المكانة لم يتخذ أية خطوة ولو طائفية لصالح مسلمي تسونامي وحدهم كما تفعل جمعياتنا الخيرية ؟

وإذا كانت فتاواه تعبر القارات لتحيل الحياة إلى موت وخراب فلماذا لم يصدر فتوى ترتفي به إنسانيا لمحبيه تحرك فيهم النخوة والنجدة للتطوع في جهود الإنقاذ كما يدعوهم إلى تفجير أنفسهم عند أبواب الحسينيات والكنائس العراقية ؟!

كان بإمكان بن لادن أن يحوز كرامة الإنسانية بالإضافة إلى شهرته كإرهابي دولي ، لكنه لم يقتد بالسيد الكوفي عنان الكافر ، لأن قضيته وقضية مشايخنا من قرضاوي إلى الزرقاوي لا تنشغل بالإنسان وما يحدث له ، بل هي تهيم في وهم ومفاهيم ونصوص وقواعد كالهيم بمنهج لم يشغله الإنسان الفرد يوما.

دعوني أهل الرشاشات والفتاوى أحفزكم على طريقتكم ، دعونا من الخوف على أطفال المسلمين من الخطف والاستعباد ، ألا ترونهم واقعين لا محالة في يد من يرحمون ويربون ويرفهون ويسعدون وأيضا مع هذا كله ينصرون أو يهودون ؟!

صدقني قارئي ولا حتى هذا يمكنه تحفيز مشايخنا ولا جنرالات ميليشياتنا العالمية لفعل شيء بهذا الصدد ، لأنهم يعجزون عن كا ما هو مع الحياة ، لكنه فاعلون مؤثرون قادرون في كل ما هو مع الموت.

ثم يبقى تفسير مشايخنا يحمل في طياته فتوى مرعبة لا إنسانية ، لأنه إذا كان أهل هذه البلاد التي دمرتها يد الله الباطشة ، أهل فسق وفجور واستحقوا كل هذا الغضب المرعب الهائل البشع ، فمعنى ذلم هو التشريع لكل مجرم سارق خاطف تاجر للعبيد مغتصب تاجر للأعضاء البشرية متوحش ، كل هؤلاء لابد أيضا ، وبالتأسيس على ما قال مشايخنا ، يحملون شرعية السماء ، فهم أيضا يد الله الباطشة كتوابع من لزوم ما يلزم لكارثة بحجم تسونامي ، إنها فتوى تشرع للمجرمين وللحيوانات القنص كي تأكل النطيحة والموقوذة والمريضة واليتيمة والضائعة ومفقدوة الأهل.

لتتحول إلى قطع غيارأو محل للمتعة في قصور البدو أو في بيوت الدعارة في أوروبا ، فالمورد مجرم والمستورد مجرم وكلاهما موجود وسيطل موجودا.

تذكرت طفولة النبي يوسف وكيف باعه إخوته في مصر كعبد صغير ، لكن في بلد متحضر مثل مصر ، وعلى يد فرعون عظيم لكنه كافر ، تمكن يوسف العبد بمعارته أن يثبت وجوده ، مع سماح القوانين المصرية للمتفوق بالصعود والإنجاز حتى وصل العبد إلى سدة الوزارة ، ولم يحرم من حقوق المنافسة كإنسان ، وكرمه الفرعون بما لديه من أخلاقيات الدولة المدنية ، لكن أطفال تسونامي لن يذهبوا بالتأكيد إلى مجتمعات مثل مجتمعات مصر القديمة ، ولن يجدوا فرعونا عظيما يعرف حقوق الإنسان ليحميهم من الرق كما حمى يوسف.

وبينما التفسير الديني للحدث العظيم يحمل في باطنه فتوى لكل تجار الإنسانية بمشروعية عملهم ، فإننا لم نسمع حتى الآن فتوى بتجريم التجارة في الإنسانية والاستعباد والرق. الحق أقول لكم ، إنهم لن يقولوها لأنه يحتسبونها تعتمد على نصوص قدسية عددها ثلاث وعشرون آية تتحدث عن الرقيق وملك اليمين ، غير مدركين أن أحكام هذه الآيات قد فقدت الصلاحية لزماننا منذ زمان.

مشايخنا طاروا إلى السماء وحضروا اجتماعا همس لهم فيه الخالق ، لهم وحدهم ، بإنه هو من كان وراء هذه الكارثة العظمة ، ألا ترونهم يفتئتون على الله وعلى الإسلام وعلى المسلمين بروح مريضة شامتى تسعد لمرأى الكوارث المفجعة ؟!

تذكرت أيضا النبي نوح ، وكيف استجاب له الرب دعاءه فلم يبق على الآرض ديارا سوى حفنة اختارهم ركبوا معه ، تذكرت أن كل هذه الإبادة لغير المؤمنين لم تؤذ في النهاية إلى إيمان الجميع حسب رغبتنا وحسب الغرض النهائي من التدمير والإهلاك حتى الإفناء ، فمن أصلاب هؤلاء المؤمنين الذين ركبوا السفينة النوحية خرجت أمم بكاملها غير مؤمنة بما كان الطوفان سببه ، وأرسلت السماء الرسل والأنبياء ، ولم يستطع أحدهم تثبيت إيمان واحد يشمل البشرية جميعا ، كما لم يتم تأنيب الله لأي من هؤلاء الأنبياء لعدم استطاعتهم جمع البشر على دين زاحد ، مما يظهر معه أن عقوبة الفناء بالطوفان أو بالتسونامي لم تمنه من ظهور من هم حسب منطقنا كفارا أو متحللين متهتكين وأنهم موجودون وسيظلون موجودين ، ولو كان الأمر قاعدة لكتب تاريخنا أنه كلما قام خليفة دك الله قصره عليه دكا ، لما يحدث فيه من مخاز ، لكن ذلك لم يحدث ، بل سجل تاريخنا كل ذلك ألوان الفواحش في قصور خلفائنا التاريخيين دون عقوبة واضحة.

إذن فالفناء في حد ذاته حسب خبرة أهل الدين لم يقض على الكفر والفسوق والخمر واللهو وإذن ما الهدف من عملية كبرى مثل عملية تسونامي تقوم بها السماء ضد مخلوقاتها الضعيفة؟

إنه الإنتقام.. لأن فلسفة القانون عندنا لا تقوم على إصلاح المعوج ، أو تهذيب الخارج على القانون ، إنما تقوم على النقمة والإنتقام ، وتقوم على قطع الرقاب أو الأيدي ، تقوم على الفناء شفاء للروح الكارهة فقط ، دون أن ينجز ذلك في النهاية بشرا أسوياء.

وتنسب ذلك كله إلى رب السماء الذي ما كان ليخاطب شعبا جاهلا في جزيرة العرب عن العصور الجيولوجية والترسبات الجيرية أو الكربونية أو عصر الإليجوسين أو العصر الحوارسي ، ولا عن معادلات رياضية وقوانين فيزيائية ، حتى يفسر لهم ما نفهمه اليوم عن ظواهر الطبيعة ، إنما حدثهم حسب محزونهم الثقافي والمعرفي ، الذي كان يرى ظواهر الطبيعة راجعة لأفعال غير منظورة لإرادات فاعلة غيبية.. وعلينا أن تعترف بهذا ببساطة ، فنبتعد بديننا عن مناطق المزالق والمآخذ ، ونعيد التنائج إلى أسبابها العلمية ، فهي التفسير الوحيد الصحيح الممكن اليوم ، لكن آفة مشايخنا أنهم يريدون أن يكونوا دوما مصدرا للمعرفة في كل شأن كبر أم صغر ، يفهمونه أو لا يعلمون عنه شيئا ، بحسبان ذلك حقا لهم كرجال دين ليقوموا رأي الدين ، الذي هو في النهاية أيضا ليس شيئا تام الصحة والصواب وليس صالحا لكل زمان ومكان ، ولكنه رأي كأي رأي آخر ، لكنه عادة ما يكون أكثر الآراء بعدا عن العلمية وأكثرها قربا من السخافة والخرافة ، وأعلاها صوتا في الإعلان عن تخلف دين الإسلام والمسلمين.

نشرت فى روز اليوسف العدد 4002

2 Comments:

Anonymous غير معرف said...

وتقول العالمة الذرية (جونان التوت)- التي أسلمت على يد البيصار من بين (250) رجلاً وامرأة أشهروا إسلامه في اليوم نفسه ومن بينهم سفير غانا- :(المسألة ليست انتقالاً من دين إلى دين آخر . ولا هي تحد لمشاعر وطقوس توارثناها –إنما هي الحرية المنشودة والفردوس المفقود الذي نشعر بأننا في أشد الحاجة إليه .نحن الشباب في الغرب ، نرفض واقع الدين الرومانسي ، والواقع المادي للحياة .وحل هذه المعادلة الصعبة هي أن نشعر بالإيمان بالله ) وتضيف قائلة (بعض الشباب غرق في الرقص بحثاً عن الله ، -في الشيطان ، في المخدرات ، وفي الهجرة إلى الديانات الشرقية القديمة .وخاصة البوذية – وقليلون هم الذين أعطوا لأنفسهم فرصة التأني والبحث والدراسة . وهؤلاء وجدوا في الدين الإسلامي حلاً للمعادلة الصعبة – وإذا كان عددهم لا يزال قليلاً حتى الآن ، فلأن ما نسمعه عن هذا الدين العظيم مشوش ، ومحرف ، وغير صادق فكل ما هو معروف عندنا عن الإسلام خزعبلات رددها المستشرقون ، منذ مئات السنين، ولا تزال أصداؤها قوية حتى الآن، فالدين الإسلامي كما في إشاعات المستشرقين هو دين استعباد المرأة ، وإباحة الرق وتعدد الزوجات، ودين السيف لا التسامح) وتقول أيضاً :(لا تصدقوا فكرة الحرية المطلقة في أمريكا . والتي تنقلها لكم السينما الأمريكية ، فإن في بلادنا كثير من المتعصبين دينياً . ولذا فإنني أعرف جيداً أنني مقبلة على حرب صليبية في بلادي وأسرتي، وستزداد هذه الحرب اشتعالاً عندما أبدأ في إقناع غيري بهذا الدين العظيم) ثم تقول : (لقد بدأت أحس بوجود الثواب والعقاب وهذا السلوك هو الذي سيحكم سلوكي ويضبطه في الاتجاه الصحيح ) (3)

ويقول أحد قساوسة جنوب أفريقيا مخاطباً مبعوث مجلة الاعتصام المنتدب لزيارة المركز الإسلامي هناك :(أنا قس من رجال الدين المسيحي أحمل اسماً مسيحياً. وهذا الاسم لا يعنيكم ولن أقوله-ولكن أقول- بالرغم من أني دربت على المسيحية ، وتعلمتها في جامعات بريطانيا ، وأعددت لأكون راية للمسيحية ، وداعية لها ، إلا أني لم أشعر بأن المسيحية استطاعت أن تجيب على تساؤلاتي ، لأنها مرتبكة في جسمي- وقد فكرت في التخلص من المسيحية السوداء التي لا تعترف بآدميتنا ، والتي جاءتنا بالإنجيل في يد وبالعبودية في اليد الأخرى وجاءنا أدعياؤها بالإنجيل في يد ، وبزجاجة الخمر في اليد الأخرى ) . ثم يضيف قائلاً : لقد رأيتكم تصلون .فإذا بالأبيض بجانب الأسود ‍‍، والغني بجانب الفقير‍‍، والمتعلم بجانب الجاهل ، لهذا أقول إن الأفريقي ليس بحاجة إلى المسيحية إنه في حاجة إلى هذا الدين العظيم- وبعد أن اغرورقت عيناه بالدموع قال : لماذا حجبتم عنا هذا الدين ؟ أنيروا لنا الطريق فإن مبادئ هذا الدين هي التي يمكن أن تنقذ العالم مما هو مقبل عليه من فوضى ودمار(4 )

ويقول أميل درمنجهم الذي كتب كتاباً في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم :

ولما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية ، اتسعت هوة الخلاف ، وازدادت حدة ، ويجب أن نعترف بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشد الخلاف فمن البيزنطيين من أوقر الإسلام احتقاراً من غير أن يكلفوا أنفسهم مؤنة دراسته ، ولم يحاربوا الإسلام إلا بأسخف المثالب – فقد زعموا أن محمداً لص! ، وزعموه متهالكاً على اللهو! ، وزعموه ساحراً !، وزعموه رئيس عصابة من قطاع الطرق! بل زعموه قسا رومانياً !!، مغيظاً محنقاً، إذ لم ينتخب لكرسي البابوية – وحسبه بعضهم إلهاً زائفا!!!ً يقرب له عباده الضحايا البشرية وذهبت الأغنيات إلى حد أن جعلت محمداً صنماً من ذهب وجعلت المساجد ملأى بالتماثيل والصور(5)

وفي كتاب (معالم تأريخ الإنسانية) بقول ويلز (كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط. ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنى سارت سوى دين الإسلام).

ويقول (هنري دي شاميون ) تحت عنوان ( الانتصار الهمجي على العرب) لولا انتصار جيش (شار مارتل) الهمجي على العرب في فرنسا في معركة (تور) على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) لما وقعت فرنسا في ظلمات العصور الوسطى . ولما أصيبت بفظائعها ولما كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني- ولولا ذلك الانتصار البربري لنجت إسبانيا من وصمة محاكم التفتيش ، ولما تأخر سير المدنية ثمانية قرون بينما كنا مثال الهمجية (6)

ويقول( أناتول فرانس) عن أفظع سنة في تأريخ فرنسا هي سنة (732)م وهي السنة التي حدثت فيها معركة (بواتيه) والتي انهزمت فيها الحضارة العربية أمام البربرية الإفرنجية- ويقول أيضاً :

(ليت( شارل مارتل) قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) إن انتصاره أخر المدنية عدة قرون)(7)



ويقول كارليل الإنكليزي في كتابه ( الأبطال):
من العار أن يصغي الإنسان المتمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين أن دين الإسلام دين كذب .وأن محمداً لم يكن على حق : لقد آن لنا أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة – فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ظلت سراجاً منيراً أربعة عشر قرناً من الزمن لملايين كثيرة من الناس- فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة التي عاشت عليها هذه الملايين ، وماتت أكذوبة كاذب أو خديعة مخادع ؟! لو أنة الكذب والتضليل يروجان عند الخلق هذا الرواج الكبير لأصبحت الحياة سخفاً ، وعبثاً .وكان الأجدر بها أن لا توجد.

إن الرجل الكاذب لا يستطيع أن يبني بيتاً من الطوب لجهله بخصائص البناء، وإذا بناه فما ذلك الذي يبنيه إلا كومة من أخلاط هذه المواد –فما بالك بالذي يبني بيتاً دعائمه هذه القرون العديدة وتسكنه مئات الملايين من الناس.

وعلى ذلك فمن الخطأ أن نعد محمداً كاذباً متصنعاً متذرعاً بالحيل والوسائل لغاية أو مطمع …فما الرسالة التي أداها إلا الصدق والحق وما كلمته إلا صوت حق صادر من العالم المجهول وما هو إلا شهاب أضاء العالم أجمع .ذلك أمر الله ن وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (8)

ويقول ادوارد مونتيه (الإسلام دين سريع الانتشار .يروج من تلقاء نفسه دون أي تشجيع تقدمه له مراكز منظمة لأن كل مسلم مبشر بطبيعته .فهو شديد الإيمان ،وشدة إيمانه تستولي على قلبه وعقله.وهذه ميزة ليست لدين سواه .ولهذا نجدأن المسلم الملتهب إيماناً بدينه ، يبشر به اينما ذهب وحيثما حل .وينقل عدوى الإيمان لكل من يتصل به ).

6:13 ص  
Anonymous غير معرف said...

الله يخرب بيت السيد القمني ده اخره زبال ولا مفكر ولازفت والي معاه شلة منتفعين ده بيشتم في الاسلام يا بقر افهموا الله يخرب بيتكو وبيت ابوكو

10:22 ص  

إرسال تعليق

<< Home