سيد القمنى ..... Sayed elQemany

هذا الموقع مهدى من محبـى الدكتور سيد القمني الى محبى الوطن و العقل و الحرية -------- هذا المفكر المصرى الوطنى الحر العظيم المثير للجدل من مواليد 1947 بني سويف , اعماله الأكاديمية تناولت منطقة شائكة في التأريخ الإسلامي. يعتبر السيد القمني من انصار فكر المعتزلة

أكتوبر 15، 2006

معنى الولاء للوطن

معنى الولاء للوطن

خلال أقل من شهرين سمعت حديث الجزية يتكرر مرتين من مشايخنا الأفاضل. المرة الأولى كانت لفضيلة المفتي الدكتور علي جمعة عندما أكد على وجوب دفع المسيحيين المصريين غير الأرثوذكس للجزية ، مقيما فتواه بإسقاط الجزية عن الأرثوذكس على أنهم مواطنون مصريون وعقيدتهم عقيدة مصرية. و لأن الجزية مبدأ إسلامي لا يسقط ، أو كما قال.

والمرة الثانية في أمسية ثقافية رمضانية كنت أحد الحاضرين فيها إلى جوار الشيخ الدكتور منصور الرفاعي عبيد ، وكيل جامعة الأزهر ، الذي كرر التأكيد على مبدأ الجزية لأنه -كما قال- هو المعادل الموضوعي للزكاة التي يدفعها المسلمون.

غير هذا كثير ينساب على ألسنة مشايخنا طوال الوقت ، ولا يترك للمرء فرصة الابتعاد عن المناطق الملغومة ، في زمن لا يسمح بأية مغامرات داخل نسيج الأمة الذي يجب أن يعلو اليوم وفورا فوق أي أمر آخر وكل عقيدة وكل مبدأ وكل دين ولا يُعلى عليه.

ومن لا يعجبه فليشرب وحده من مائه الآسن ولا ينشر ريحه السقيم العقيم علينا. وقد حاولت عدم الخوض في هذا الأمر الشائك قدر ما استطعت ، لكن عودة هذه اللغة الطائفية على ألسنة بعض مشايخنا تحتاج إلى وقفة حاسمة. لأنه بقدر ما نحترمهم بقدر ما نحب وطننا حبا لا يوازيه احترام أشخاص ، ولأن الأمر ليس كتابا يصادرونه هنا أو مفكرا يهدرون دمه هناك. فالأمر هو أمن هذا الوطن وأمانه واستقراره ، إنها مصرنا جميعا ومستقبلنا جميعا مسلمين ومسيحيين.

و عادة ما يقابل الحفر وراء ألغام الفتنة في بلادنا ، والتي لم يزرعها أحد ، بل نحن الزارعون ، لإزالة فتيلها وتعطيل خطرها ، بقيامة المتاجرين بنا بتهم تزعم التكفير والتخوين وهي إليه أقر.

لذلك سأحاول هنا بكل لطف أن أمسك بأيديكم معي لنقترب بهدوء لنحاول معا نزع فتيل لغم واحد لا علاقة له بصُلب العقيدة الإسلامية ولا غيرها من عقائد ، ولا هو من ملحقات التقديس والتعبد ، بل هو خطأ تاريخي نصرّ عليه ، لو أمكن لنا نزع فتيله فبالإمكان أن يؤدي إلى متتالية من الحلول لكثير من مشاكلنا المدفونة في أرضنا ألغاما ، لتأكيد سلامة هذا الوطن وتماسكه تحتنا. في زمن حلمنا به زمان ، عندما كنا نحلم في شبابنا الماضي بالجيل الآتي المنقذ ، لأننا نعلم أن مصر قد تم استنزاف ثرواتها عبر التاريخ ، ومغامرات القادة بأقدارنا ، وأنها لا تملك من ثروة غير أهلها وناسها ، الذين هم ثروتها الحقيقية ، التي مثلها من قبل: مشرفة ، وطه حسين ، وطلعت حرب ، والعقاد ، وعلي عبد الرازق ، ومحمد عبده ، وسلسلة من الأسماء العظيمة ، ناهيك عن فعل البشر الجماعي الذي عادة ما يغفله التاريخ ، فبدأنا نهضة شرقنا برجالنا ، وهو ما انعكس على كل شأن. فارتفع اسمنا وصح اقتصادنا ونحن تحت الاستعمار ، فما بالنا وقد تحررنا فيتحول واقعنا إلى حزن وكرب عظيم أمام ما نراه من أحوال شبابنا الذين عولنا عليهم كل الأمل ، فإذا به قد مُسخ وعيه وولاؤه وقدرته على العطاء. إذا به كما ترون سادتي وتعلمون ، يدكم معي نحفر على لغم تاريخي مضى وذهب ، لكنه يظل لغما لإصرارنا على تزوير تاريخي بلا معنى حقيقي سوى إحداث الشرخ بين المواطنين. وما قد يستتبعه من كراهية متبادلة نحن في غنى عنها. تزوير مشغول بعدم الاعتراف بالأخطاء التاريخية تجميلا لبشر وليس لدين ، وتحسينا لمسألة فتح مصر مقابل تشويه وجهها الحضاري القديم.

ولاشك أن اللغة التي يستخدمها مشايخنا عند التعرض لهذا الشأن التاريخي الذي ليس دينا بحال ، هي لعب بأعواد ثقاب مشتعلة فوق لغم متفجر. إنه اللغم الموجود على كل تقاطعات طرق التفاهم منذ فتح مصر ويهز الأرض من تحتنا كلما عبث عابث. وقد اشتعلت بعض أطرافه في وجه الكاتب المبدع الأستاذ أسامة أنور عكاشة ، عندما رفع عليه محترفو المتفجرات قضية حسبة ، بينما المعلوم أنه عندما يكون الاختيار بين الوطن وبين غيره ، فلاشك أننا نعلم أن عكاشة سيختار الوطن ، ومن ثم ليس هناك أي جديد سوى أن عكاشة كان شديد المباشرة والوضوح والجرأة. دعونا نضيف إلى كرم هذا الشهر الفضيل وإلى التعبد والتهجد والاعتكاف ، فضيلة هي الأجدى ، أن نضيف إلى العبادة عملا يليق بمسلمين يحبون وطنهم حقا كما يحبون دينهم أيضا ، عملا يكرمون به أنفسهم لأن الله كرمهم وعلمهم فعل الكرامة.. «ولقد كرمنا بنى آدم».

دعوني أدخل بكم إلى صدمة المباشرة الواضحة بكلمات للشيخ المرحوم خليل عبد الكريم إذ يقول: "إن فتح مصر أم الدنيا من بدو الجزيرة ، وما فعلوه فيها ، يجدر بكل مصري أن يتذكره بالأسى الدفين ، والحزن العميق". وهنا يجب ألا نخلط أبدا بين بعض التصرفات التي ارتكبها بعض البدو فأساءت إليهم وألحقت أبلغ الضرر بمصر والمصريين.. وبين الدين الإسلامي بتعاليمه السمحة وأهدافه النبيلة. مصر لم تكن كغيرها في ذلك الوقت بلادا عادية. إنها كانت هرم العالم الحضاري ، وكان بعض الاحتلال هو البدائية والبداوة بفارق عظيم بين الطرفين. إن قول الشيخ خليل قول واضح يقف إلى جوار الوطن بغض النظر عن تمجيد وتقديس بشر غير مقدسين ، لأن مواطنتنا قد تعرضت لعملية غزو تاريخية ، تم بموجبها إعطاء الولاء المصري البدوي دون الوطن ، وهو قول لا يحمل تجريحا لأحد دينا وأشخاصا ، بل نحن المجروحون نتحدث وجعا من الألم لمصرنا وحيدة غريبة ، وفوق أرضها شعب يدين بالولاء لغير الوطن.

نتحدث حتى لا تضيع البوصلة من المواطن فيبحث عن الوطن في الفكرة ، بينما يتسرب من بين يديه الوطن الأرض والتاريخ. في المقابل تتكرر عبارة "إن الفتح الإسلامي لمصر جاء حاملا لها نور الهداية وبركات الإسلام". ولا بأس من تمرير العبارة المتكررة تتفضل علينا بالفتح ، إزاء الجانب الإيجابي لهذا الفتح ، وهو دخول كثير من المصريين في دين الإسلام.

لكن ما يغفله الجميع وهم يزوّرون التاريخ على المواطنين ويزيفون عليهم مواطنتهم لا يقولون للناس أن بعض الأشياء تحولت وبسرعة قياسية مذهلة إلى ظلم وطغيان واستبداد ، ظلت فيها مصر محتلة ، ولم يحكمها مصري منذ ألفي عام حتى جاء عبد الناصر وهى العبارة المتواترة في أدبيات الناصريين. والغريب أنه كان مصريا لكنه أعاد الفتح العربي لمصر مرة أخرى ، وتبعه المصري أنور السادات ليعيد الفتح الإسلامي مرة أخرى.

وكل واحد وحسب ظروفه والمفتاح المطلوب لدعم تلك الظروف. وحتى نوقف قفلنا عن قبول هذه المفاتيح والفتوحات المتتالية ، علينا أن نحسم الموقف في علاقة الإسلام بالوطن بمسألة الفتح العربي بوجود مصريين أصلاء في هذا الوطن هم شركاؤنا فيه بنصيب وافر وتاريخي ، وأيضا حتى لا تكون مصر ولاية ضمن حكومة خفية تصدر الفتاوى والقوانين بما هو ضد الوطن ومصالحه.

وحتى يشعر المصري أنه مصري أولا وقبل أي اعتبار ، وتأتي بقية الاعتبارات بعد الوطن ، أن يكون مسيحيا أو أن يكون مسلما ، أو أن يكون وثنيا ، أو أن تكون مقدساته في الحجاز أو في فلسطين أو في بلاد تركب الأفيال ، لأن هنا حرم قدسنا الأول ودونه تنتهك كل الحرمات ، وبعده تأتي أية مقدسات.

يدكم معي أهلي وأحبائي ، بالبحث الهادئ وراء هذا اللغم بادئين بما طرحه سيدي المفتي مع كل احترامي وتقديري لمنصبه الرسمي. لأن ما قاله أصبح ملك الجميع يتحاورون بشأنه ويبدون فيه الرأي. ما قاله سيدي المفتي يستحق كلاما قاسيا ونكيرا لن أستخدمه هنا سعيا لنجاح الفكرة المطروحة ومنعا لفتح أبواب جدل عقيم يضر ولا ينفع. لأن النكاية فيما قال لا تثمر أكثر مما قال.

لقد أعفى فضيلته الأرثوذكس من دفع الجزية ، رغم أنه كان لابد منها ما دمنا سنطبق هذا المبدأ الإسلامي. لكنه هنا انحاز للمواطنة وهى نقطة بيضاء وسط فتواه. إلا أنه كي يؤكد استمرار القاعدة وعدم التنازل عنها ، فقد طلب من المسيحيين المصريين من أتباع المذاهب الأخرى دفع الجزية؟.

الكلام هنا يختلط علينا ، فلا نعرف من هو المواطن بشكل دقيق ، لأن المسيحيين المصريين من غير الأرثوذكس ليسوا شعبا وافدا ، بل إن مذاهبهم هي الوافدة ، فهل يدفع المصري الجزية عندما يعتنق مذهبا غير وطني؟.

وماذا نعني بالمذهب الوطني؟.

وهل يمكن القول بإسلام وطني وإسلام مستورد؟.

هل سيدفع غير الأرثوذكسي للأرثوذكسي والشيعي للسني؟ أم سيتم الدفع للدولة؟.

وفي هذه الحال ما هو موقف الدولة؟

أم سيتم الدفع لدولة الخلافة الخفية التي تصدر طوال الوقت فتاوى هي قوانين تشريعية مع وجود تشريع قانوني تمثله تشريعات دولتنا العلنية الشرعية ، مع ملاحظة تغافل أصحاب الفتاوى عن هذه القوانين ، بل عن مصلحة مصر كما كان في حرب الفتاوى بين الأزهر ضد الوطن وبين دار الإفتاء مع الوطن ، أيام كان الدكتور طنطاوي مفتيا ، وأيام كان الشيخ جاد الحق إماما للأزهر. وأيضا مع ملاحظة أن فتاوى كثيرة من هذا اللون تخالف اتفاقات مصر الدولية وما وقعته من وثائق عالمية. ومن ثم فإن مثل هذه الفتاوى تحرض المسلم على عصيان مبادئ عالمية ، وهو ما لن يسمح به العالم في حال تفعيله وتطبيقه. ثم الأهم أننا لم نوافق على تلك التشريعات الفتوية ولم تعرض على برلماننا ولم تأخذ الموافقة الشعبية عليها.

مما يصيب المواطن بحالة ارتجاج في المبادئ واختلاط في الفهم وعمى بصيرة في السلوك. ثم يسأل البعض سؤالا ساذجا: من أين يأتي التعصب الديني؟. ومن أين تأتي الاستهانة بالقانون وبهيبة الدولة؟

أم أن المقصود من التأكيد على مبدأ الجزية هو مجرد عملية Update لمبدأ الجزية دون استخدامه بالضرورة؟.

و إذا كان ذلك المقصود فنحن لا نفهم لماذا؟

سيدي وكيل جامعة الأزهر ، خالص احترامي لتأكيدك على قيم تدعيم الثقافة الوطنية في محاضرتك ، ولا أقول الوحدة الوطنية ، لأنه عار علينا عظيم عندما نبحث عن وحدة مفقودة بين المواطنين سببها انتماءات ثقافية ، غير مصرية ، غير وطنية. لكنك سيدي التبس عليك الأمر وأنت تفرض الجزية على المسيحيين مقابل الزكاة التي يدفعها المسلمون ، لأن الزكاة فرض تعبدي على المسلم وحده ، كما أن تطبيق هذا القانون يصبح واجب التنفيذ لو كنا نحن المرتحلين إلى بلاد أخرى لها ظروفها وقانونها المختلف ، كما في هجرة المسلمين إلى بلاد الغرب. إن ما لا يراه أغلبنا دون وعى في الأغلب ، أن بعض أحداث الفتح قد تركت في نفوس الإخوة الأقباط جرحا غائرا لأن كثيرا من إخوانهم المسلمين في بلدهم لازالوا يفكرون بعقلية منغلقة وليس بعقلية المواطن المصري ، فيدافعون عن أشياء لا يجب الدفاع عنها ، وهو مبدأ إذا اعترفنا به فيجب أن نعطيه حقا مفتوحا للآخرين ، فأمريكا أيضا جاءت بنور الحضارة والديمقراطية والعلم مفتاحها تفتح به ، لأن المفتاح مادام قد أخذ الشرعية ، فقد أصبح صالحا لكل من يستطيع الفتح.

إن الجرح الغائر في النفس القبطية لا يندمل لأن بعضنا لا يذكر لمصر تاريخا قبل الفتح ، وإن تذكروه فمن باب التندر على المشركين والكافرين والوثنيين. إن الجرح لا يندمل لأن بعضنا مازال يفكر بعقلية الولاء للمسلم والبراء من غير المسلم ، دون أن يلحظوا متغيرات الزمن ، وأن الولاء الوفي الطاهر حقا اليوم هو لأهل الوطن وناس الوطن وشركاء الفرح والغم الذين يصيبهم ما يصيبنا من قرح أو خير. إننا كمسلمين مصريين عندما نعترف بصحيح الألفاظ والمفاهيم والمصطلحات لا نعتدي لا على ديننا ولا على العروبة المأسوف على شبابها ، ولن نخسر كثيرا بل سنكسب أنفسنا ووطننا.

عندما نسمي الأشياء بأسمائها ونعترف باحتلال عرف شديد الوطأة انتهى زمنه إلى الأبد وذهب بحسناته وسيئاته لأن ما حدث قد حدث ، ولن يجدي الندب بجواره شيئا ، فقط نعترف لنؤكد أيضا أن مصر لن تعود ولاية لأحد ، ومن هنا نصحح أنفسنا ونحترم وطننا وأنفسنا أيضا ، ونعلم أبناءنا التاريخ صدقا دون تزييف أدى إلى التباس المواطنة وخللها ، والأهم أننا سنعود جميعا متشابكي القلوب إلى حضن مصر الدافئ ، ولن يتم الربط مرة أخرى بين مصري اليوم المسلم وبين مسلم الأمس. وأعتقد أن هذا في مصلحة إخواننا العرب ، لأنه عندما تنصهر مصر داخليا في قالب قوى ستكون أكثر نفعا من تمزقها لأسباب لا يسبغ لعاقل أن تظل قائمة. تعالوا بني وطني وأهلي نتخيل معا مشهدا حدث ويتكرر ، مشهد وطني يعيش فيه أهله مسلمون ومسيحيون يفترض أن ولاءهم جميعا له حتى يستحقوه وطنا. علينا الاعتراف بحقيقة ما حدث وتسميته باسمه ، والاعتذار لوطننا فيما فعل بعضنا به ، وساعتها سيغفر لنا طين الأرض الطاهر ، وعلى الجانب الآخر سيقبل المواطنون كل منهم الآخر مواطنا في وطن هو مصر وليس أي دين أو مذهب ، لكن على الجانب المسيحي أيضا أن يتذكر أن الأنبا (بنيامين) الذي اشترى كرسي الكرازة بوطنه لازال رقما في تاريخ باباوات الأسقفية المرقسية ، فإذا كنا سنحاسب أنفسنا على تزوير التاريخ ، فمن الأولى أن نحاسب أيضا من باع وخان ، والوثائق بهذا الشأن متوافرة ، والحمد لله تدين كل من أخطأ في حق مصر ، لا أن نلوم الغازي ولا نلوم خير معاونيه في الداخل.

في مكاشفة ومصارحة شفافة تصب في خيانة المواطنة وحدها ، بعيدا عن عواطفنا الدينية التي كثيرا ما لا يكون لها علاقة بالدين بل تكون غبية وحمقاء ، كثيرا ما اذت هذا الوطن الجميل الكبير الذي يستحق منا أفضل من ذلك لأنه شرفنا بالمواطنة فيه. إن نزع هذا الفتيل الآن ليس بعسير..

فهل من مجيب يا وطني؟.

نشرت فى روزاليوسف 8 نوفمبر 2004

يتاجرون بعقل الأمة ويقدمون لشبابنا مخدرات كلامية تمنع العقل عن العمل

جماعة "العلم والإيمان" أما آن لكم

أن تستريحوا وتريحوا ؟!

ماذا يريد هذا الشيخ من أحاديثه عن معجزة الهدهد السليماني وفضل يوم الجمعة عن بقية الأيام ؟

عندما تهتم صحيفة كبرى أن تكتب بلون مميز في صدر خبر مهم لديها كلمة "خاص" ، فإنها تعلن للقارئ حصولها على كسب وسبق صحفي كبير يستحق التنبيه له وبخصوصيته لتلك الصحيفة التي تمكنت من الحصول عليه ، وهو ما فعلته كبرى صحفنا عندما أوضحت أن موضوعها "خاص" بها وليس لأحد آخر ولا لصحيفة أخرى ، وبعدها كتبت بالبنط العريض عناوين طويلة وأكثر عرضا تعلن للعالم أن :

· المفكر الإسلامي الكبير رئيس لجنة الإعجاز العلمي بالقرآن يطلعنا على ما لا نعلمه.

· رمضان شهد نزول صحف إبراهيم وتوارة موسى وإنجيل عيسة وزابور داود وقرآن محمد .

هذه نماذج فقط من عناوين الكشف الكبير في التصريح الخاص للصحيفة الكبرى وليس كل النماذج ، أما "المفكر الإسلامي الكبير رئيس لجنة الإعجاز العلمي بالقرآن بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية" الذي سيطلعنا على ما لم نكن نعلم فهو سيادة الدكتور الجيولوجي صاحب الفضيلة الداعية النجم الشيخ "زغلول النجار" ، وإليك قارئي ما قال فضيلة رئيس هذا الشيء الكبير ذي الاسم الطويل .

يقول فضيلته لا فض فوه وقل كارهوه : إن الله ذكر شهر رمضان قد نزلت جميع الكتب السماوية وأما مصدر ذلك :

· فليس بحثا وراء الآثار في أماكنها وتدقيقها بما يليق بعالم باحث ،

· ولا كشفا جديدا لمخطوط قديم كنا نجهله ،

· ولا نقوش على حجر هنا أو هناك ، ولا أية وثيقة تاريخية تشهد بهذا الكشف التاريخي الكبير

· ولا حتى بمدونات في هذه الكتب السماوي نفسها وهي موجودة بين أيدينا بشكلها الحالي من زمن يسبق الرسالة الإسلامية ، ولا تعرف بالمرة شهرا اسمه رمضان ، ولا أي شهر عربي آخر

· أن هذه الكتب عندما ظهرت وانتشرت وآمن بها الناس لم يكن هناك أمة أو شعب اسمه العرب قد ظهر بعد على صفحة التاريخ إلا في الفترة الواقعة بين انتهاء التوراة وبداية الإنجيل ،

· كما لم نعرف أن القبائل الشراذم البدائية التي كانت تعيش في جزيرة العرب قد استشعروا أنهم شعب واحد إلا عندما جمعهم الإسلام على دين واحد .

· كذلك لم نعرف لغة العرب إلا من تدوين تال يذكر لنا معلقاتهم السبع .

· والمعلوم علميا أن أقدم نص مكتوب يمكن نسبته إلى العرب كان مكتوبا بالنبطية لأن العربية لم تكن قد ظهرت بعد ككتابة ، وهو نص امرئ القيس المدون على شاهد قبره "هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب الذي حاز التاج وتوفي في 223 م" .

هذا ما يعرفه المثقف العادي عبر تداوله لمنجز علم الآثار والتاريخ ، وهو الأمر الذي لم يشغل الشيخ زغلول مرة منذ بدأ الكتابة وحتى اليوم ، ولم يقم مرة بالتوفيق بين منجز العلم في التاريخ وبين المفاهيم الدينية ، أو التلفيق لا فرق ، كعادته في البحث في العلم عما يلتقي مع نصوص الدين .

لأنه لا يعتبر التاريخ علما له وزنه ورواده وعلماؤه وأنه يجب أن يؤخذ من مصادره العلمية ، لأن أي تاريخ عنده يؤخذ مما جاء في كتب التاريخ الإسلامية دون مناقشة ، رغم أن فضيلته متخصص في تاريخ الأرض الحجري ، ويعلم أن لهذا الحجر تاريخا وعلما عظيم الشأن ، لكنه لا يعطي للإنسان الحق الذي أعطاه للحجر ، لأن التاريخ عنده هو التاريخ المقدس وحده ، لذلك هو يأخذ التاريخ من الطبراني إذ يقول : "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان ، وأنزلت التوراة لست مصت من رمضان ، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان ، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان" . هذا رغم أن رمضان لم يكن قد اخترع بعد ، لأن أصحابه لم يكونوا قد وجدوا بعد كشعب وكقومية لها لغة واحدة وكتابة واحدة .

هذا هو الخبر الأول وفيه هذا الأمر المهول الذي أكدت له الصحيفة وأرفدت تحت كلمة "خاص" ! وإذا مان هذا هو الكلام الذي استحق التبيين والتأكيد وأهمية أن يكون خبرا خاصا في أكبر صحيفة في بلدنا ، فيا ترى كيف يفكر صحفيو هذه الصحيفة وأهلها ؟!

إلا يفسر لنا ذلك سر الجهالة المعممة في بلادنا ؟!

إن تلك الروايات التي تفتئت على علم كبير كعلم التاريخ بفروعه العظمى ، هي قصص من ألوان الروايات المصطباوية في ليالي الأنس البدوية ، رووا فيها من الخيال والطرائف ما رأوه من جانبهم في صالح المسلمين ، لنأخذه نحن اليوم كمسلمات تكتسي ثوب العلمية لأن الحكواتي هذه المرة رجل دكتور جيولوجي ، رغم أنها تميز روايات شهر زاد لملكها الناعس شهريار في استعصائها على أي عقل صاح ، ويزيدون في التقديس فيقدسون لغتهم العربية التي لم تتكون كلغة ذات قوام واضح له قواعده وأصوله وفنونه إلا في الزمن الإمبراطوري الإسلامي ، ويجعلونها لغة الأزل وبها حدث آدم به وزوجته حواء وبها سيكون الحساب يوم الساعة وبها يجب أن يتسمى كل الناس في أي مكان وفي أي تاريخ فتصبح أسماء الفراعنة سلهوق بن عمران والريان بن الوليد ، وأي حاجة في أي حاجة ، فلا مشكلات مع قوم وثنيين ذهبوا وبادوا كما يعتقد زغلول وكل الزغاليل !

ولا تفهم هل يكتب زغلول وجماعته حسب المناسبة ما يلزمها من مواد محسنة للطعم ، وتسلية للصائم بالهيام في مزيد من تأكيد منهج اللا علم حتى لا يكون لنا علم إلا من تراثنا؟!

وهل تطلب تلك الروايات في الشهر الكريم لتثبيت أفئدة المسلمين حيال شهرهم الفضيل أم هي من باب التسالي الرمضانية كالياميش والفوازير ؟! أم هي منح الرسالات السابقة الكرامة بإنزالها جميعا في شهر لم يكن معلوما بعد ؟! وهل مع كل افتراض حسن النوايا ، هل نحن بحاجة إلى مثل هذا الخطاب في زمن أصبح له في درس التاريخ كعلم فنون رفيعة في درس اللغات القديمة وفي الأنثروبولوجيا والأركيولوجيا والميثولوجيا ، وفي دلالات العلاقات والغوص بكشاف العقل والعين والأذن لدرجة اللمس في حضارات الدنيا القديمة ، هل نحن وفي حالنا المتدني بين الأمم بحاجة بعد إلى خطاب العلم والإيمان أم نحن بحاجة إلى خطاب يكرس العلم ومنهجه في حياتنا ويحترم العقل والعلماء من أجل قراءة واضحة علمية لتاريخنا وتاريخ الدنيا حتى نستطيع أن نتكلم لغة الإنسان الآن ، لا لغة إنسان منقرض وانقرضت معه ثقافته البدائية ومناهجه الإبتدائية ، لاشك أننا بحاجة إلى الخطاب الثاني كي نكرم أنفسنا بدلا من شهورنا ، فالإنسان لاشك هو الأكرم والأجدر بالتكريم .

من شهورنا المقدسة إلى أيامنا المقدسة

ينتقل صاحب الفضيلة مؤكدا لنا "إن يوم الجمعة كان مفروضا على الأمم من قبلنا .. وهدانا الله تعالى إليه ، فأصبح الناس لنا فيه تبعا واليهود غدا والناصرى بعد غد ، ومعنى ذلك أن اليهود أصبحوا يعظمون يوم السبت وأصبح النصارى يعظمون يوم الأحد وانصرفوا عن يوم الجمعة".

أولا لابد أن نلاحظ هنا ملحوظتين سريعتين ، الأولى تعريضه بأهلنا وشركاء وطننا وتاريخنا ومستقبلنا من مسيحي مصر الذين انصرفوا عن حق الجمعة إلى باطل الأحد ، وأيضا لابد أن نلحظ أنهم واليهود سيعظمون الجمعة ، سيعظمونها ،يوم يسود الإسلام الأرض بعد أن نحتلها إن شاء الله !

ثم يأتي فضيلته بالحديث ، وما أكثر الحديث عند الحاجة حتى لو تنافضت الحاجات ، ليقول : "سيد الأيام يوم الجمعة ، وأعظمها عند الله تعالى ، وهو أعظم عند الله تعالى من يوم الفطر وعيد الأضحى . وفيه خمس خلال : خلق الله عز وجل فيه آدم عليه السلام ، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الأرض ، وفيه توفي الله تعالى آدم ، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا أجابه الله تعالى إياه ما لم يسأل حراما ، وفيه تقوم الساعة".

والحديث المذكور من أحاديث الآحاد المعومة ، كما أنه يخالف أحداث التاريخ مخالفة تامة ، فلم يتم استخدام اسم الجمعة كعلم ليوم من أيام الأسبوع إلا في الزمن النبوي ، وقبل ذلك كانت العرب تسميه يوم العروبة ، وكان على المستوى الديني يوم الاحتفاء بكل ما هو وثني ، وأبعد زمان يمكن افتراضه "لعدم وجود وثائق تاريخية" ليوم العروبة هو زمن قصي بن كلاب.

ولا تعلم ما الذي سيستفيده المسلم الصائم التقي المقهور الذي يعيش هزيمة حضارية ماحقة من هذا العلم بشأن يوم الجمعة ؟!

أو ما الذي سيحققه من تحرك في واقعة الآسن من معرفة إن كان آدم قد نزل يوم الجمعة أو يوم الخميس ؟! وإن كان قد خلق يوم الأربعاء أو يوم الثلاثاء؟! أم هي فقط نكاية لغير المسلمين بكلام لا يؤمن به إلا بعض المسلمين لتشريف أيامهم وشهورهم على حساب التاريخ كله ؟!

وهل هكذا نكون قد تفوقنا على غيرنا وتميزنا بيومنا الأسبوعي وبشهرنا السنوي ؟! وبما أن هذا الحديث كان موجودا طوال العصور الماضية ونحن نسير من هزيمة إلى أخرى ومن تخلف إلى مزيد ،ومع وجود رجال الدين في بلادنا بعدد كما الليمون والحمد لله

لماذا لم يبحثوا لنا بعلمهم الذي يستحقون بسببه لقب "العلماء" عن تلك الساعة مقبولة الدعاء في يوم الجمعة ، لتدعوا فيها الأمة كلها للدعاء دعوة رجل واحد فيسقط أعداؤنا وتزول أمريكا من على الخريطة ويستأسر اليهود لنمارس عليهم كل ألوان الذبح الجميل فتحل مشاكلنا النفسية ونعيش سعادة النصر ؟!

أم هي لعبة فوازير رمضانية نظل ندعو حتى يسقط الدعاء في وعاء الساعة المطلوبة إن تمكنا من الدعاء عندما تفتح فجأة ، وأنت وحظك ؟! وهل يمكن عندها الاستعانة بصديق شيعي مثلا أم لا يجوز ؟! وهل هذا الحديث يحدثنا به رجل يزعم أنه تلقى العلم بمناهجه من زمن هو الأسود منذ أن أصبحت حياتنا هي : أنت وحظك ، حتى غادرتنا الأمم إلى بعد قصي ساحق يصبح معه مثل هذا الحديث جريمة تصرف الناس عن مشاكلهم الحقيقية ، وعن السعي لحلها بطرق علمية، وتضليل مقصود لمكاسب مادية رخيصة على حساب عقول المسلمين ، تضليل لهذه العقول في متاهات من الطرق الأسطورية لا تؤدي في النهاية إلا لمزيد من تفاقم المشاكل لإنصراف العقل إلى الماضي الذي مضى عن حاضره المزري ومستقبله غير المرئي .

ومن ثم تتتالى التساؤلات على سادتنا أهل العلم والإيمان تلح تطلب منهم الإجابة لأن لزوم الصمت آفة المذنب

هل تقصدون سادتي إقناعنا بدين نؤمن به عن طريق علم لا نؤمن به أنتجه عقل قاصر كما تؤكدون ؟! أم أنكم تشكون في ديننا لا سمح الله فتبحثون للإيمان عن مبررات رغم أن الإيمان لا يحتاج تبريرا!؟

· أم أنكم تقصدون إقناع العلماء بترك علومهم ومختبراتهم لنعود جميعا إليكم كمصدر للمعرفة اليقينية ؟

· أم تراكم تريدون إقناع العلماء بالكف عن البحث والتجريب والاكتشاف والاختراع ليتجه العالم الغافل كله نحوكم يسألونكم النظريات العلمية الجديدة حتى يتأكد العالم أنه يطلب العلم من أهله ومن مصادره من شيوخنا الأجلاء ؟

· أم أن المقصود مصلا بحكاية الجمعة ورمضان تسجيل جون في غير المسلمين ؟!

· لنقول لهم بكل فخر بالجمعة وبرمضان عليكم واحد ؟!

· أم يا هل ترى المراد أن يتوب كل من في الغرب الكافر من عباد عن المنهج العلمي والبحث الكشفي الذي أدى إلى انهيارهم الأخلاقي وعارهم وعريهم ليلحقوا بالمسلمين أخلاقا ومجدا وتقدما ؟!

وهل بالإمكان أن تتطوعوا فورا لاستلام راية البحث والتجريب والابتكار والاختراع من الكفرة والمشركين لتعلو راية الإسلام خفاقة بفضلكم الذي سنعرفه لكم ونقدره ، ونجعلكم قادة لنا دون تقية وصندوق اقتراع قد يأتي بكم أو لا يأتي ودون دم وذبح وانقلابات همجية ، إن كنتم كما تزعمون سادتي ففي يدكم خلاصنا وتقدم أمتنا ولكم زعامة مطلقة ولكم علينا الفضل الأبدي .

لكن الأمر بالطبع ليس كذلك ، فهم يملكون مساحات التلفزة والصحفجة ومقررات المدرسة وأسماء لوامع ومريدين كالحواريين تبعا ، ومع ذلك لم يتقدم أحدهم بكشف أو اختراع جديد واحد نرقص حوله بالدفوف في كرنفال إسلامي عالمي لنغيظ به العالم ولو مرة ؟ .. ولو مرة .. أيتها السنين الغبرة المرة .

نحن نعلم أن الأمر ليس كذلك لأنه لو كان كذلك فقد كان امامهم التاريخ ألف عام متصلة يركبون علينا ويخطفون اللقيمات من أفواه عيالنا لتتراكم عندهم قصور وجنات نعيم ، فهل كانوا عبر هذا التاريخ يجهلون ما بأيديهم من علوم حتى نبههم إليها أهل الصليب والخنزير وإخوان القردة كما يحبون أن نستخدم هذه المفردات ؟ أم كانوا يعلمون لكنهم كانوا كسالى لا يشغلهم وطنهم ولا أهلهم ولا ما وصلت إليه أحوالنا من ترد فاستطابوا النوم عبر عصور الغم والكرب العظيم ؟

أم انهم كانوا صما بكما وعميا فهم لا يفقهون ؟

مع كل هذه الأسئلة وكل ما يمكنك أن تبني عليها من استنتاج أيها القارئ ، فإنك ستجد مع كل إجابة أن أهل (العلم والإيمان) ليسوا أهلا لا للعلم ولا للإيمان ، وليسوا أهلا لأي تقدم بما يقدمونه لشبابنا من مخدرات تمنع العقل عن العمل ومثبطات تمنع الجلد على المشقة والجهد على تحصيل المعرفة ، ومقوقات تقنعهم وهما بأن كل العلم في أيديهم فتعوقهم عن طلب المعرفة خارجه .

هؤلاء السادة ليسوا أهلا للاستماع إليهم بعد أن ظلوا صامتين كشواهد القبور عبر القرون حتى اكتشف له العلماء في الغرب (سبوبة) للكسب غير المشروع على حساب عقل الوطن ومستقبله. حتى في ميدان صناعة الأساطير المبهرة تفوق علينا الكفرة بعلمهم وصنعوا إبهارات هوليوود السينمية التي تبهر أساتذة الأساطير الدينية في بلادنا .

سادتي (أهل العلم والإيمان) : في بلاد العلم والحريات يعلمون ببساطة البداهة أن العلم هو إنتاج الإنسان وعقل الإنسان وحواس الإنسان من أجل سعادة الإنسان ورفاهيته ورفع كل ألوان المعاناة عنه ، لأن العلماء من بني الإنسان يعلمون حاجات الإنسان وآلامه وكيف يسعد. كما يعلمون كم عانى بنو الإنسان عبر تاريخهم من ألوان الأمراض الفتاكة التي كانت تحصد الناس حصدا ، كما كان زمن الطاعون والكوليرا والجدري والسل الرئوي والدفتريا والتيفوئيد والزهري والسيلان . ولم يتمكن رجال الدين لا بالدعاء ولا بالصلاة صادقة أم كاذبة من رفع المعاناة عن الناس ، حتى قرر الناس هناك أن يرفعول يد رحال الدين عن حياتهم حتى ألجأوهم معابدهم ليبدأ العلم رحلته العظيمة من أجل الإنسانية ، بحثا وتنقيبا وشقاء ومعاناة بين عدوى المرض في الغابات وتحت المحيط في فدائية هي الأرقى بين كل ألوان الفدائية ، لأنها فدائية من أجل الحياة لا من أجل الموت ، حتى أمكن القضاء على كل هذه الأمراض الفتاكة في بضع سنين من عمر البشرية الطويل الذي خدم فيه رجال الدين أنفسهم بالقرابين والعشور والنذور والجباية من كل لون دون أن يقدموا للبشرية مصلا واقيا ولا علاجا شافيا .

وربما لا يدري أهل الدين عندما يردون العلم بمعجظات الأنبياء كسبق إلهي يثبت تفوق الله على الإنسان بالمعجزات ، ربما لا يعلمون أن العلم ليس فيه معجزات . بل هو يرفض الإيمان بالمعجزات ، لأنه كد وشقاء وعنت وجهد دءوب وبذل للنفس الرخيصة ، وراء العلم من أجل بني الإنسان ، ولولا جهودهم تلك ما صحت لنا أبدان ولا طالت لنا أعمار ، ونحن كسالى قعود في حالة كساح طال أمده .

وأحيانا لا تفهم ماذا يريد الشيخ زغلول ومن لف لفه فيما يحدثنا به عن معجزة الهدهد السليماني الذي كان يفهم في السياسية كما يفهم في أصول العبادات ، وكيف فهم سليمان تلك اللغة قبل أن يحاول العلم فهم تفاهم الطيور مع بعضها . ومعجزة النملة (اسمها في قصص الأنبياء للثعلبي جرسا وكانت بحجم الذئب) وشعبها من النمل ، وعلاقة هذا الشعب النملي بالشعب الإسرائيلي زمن سليمان ، وكيف شهد زمن سليمان اكتشاف سرعة الضوء عندما احضر الذي عنده علم الكتاب عرش بلقيس قبل أن يرتد لسليمان طرفه ، ومعجزات المسيح الطبية في العلاج التي سبقت العلم الذي لم يصل حتى الآن إلى إحياء الموتى مثله .

يبدو أن سيدي الشيخ زغلول ورفاقه لا يلتفتون إلى أن كل معجزات الأنبياء السابقين لم تخدم البشرية في شيء فالريح التي سخرها الله لحمل بساط الريح السليماني لم تخدم البشرية في شيء ، وجن سليمان بكل حشدهم لم يقوموا بإنتاج مصل مضاد لأي مرض ، ولم يطوروا إنتاج النبات والحيوان لإطعام المزيد من الأفواه الجائعة كما فعل العلم ، ولم يقيموا مصنعا للطائرات في وجود بساط الريح ، بل إنهم لم يقيموا لسليمان نفسه صروحا شاهدة كما لرمسيس وخوفو وأمنحتب ، ولم يقم المسيح بتعليم تلاميذه كيفية شفاء المرضى حتى يتم تعميمها للحد من آلام البشر توفيرا لوقت طويل استغرق ألفي سنة بعده .

إن هذه المعجزات لا يجب مقابلتها بإنجاز العلم لأنها كانت معجزات خاصة لإثبات صدق النبوات وانتهت بنهاية أصحابها ، لأنها كانت معجزات (استعمال مرة واحدة) .

أما العلم فلم يصنع معجزات لأن كل ما فيه يقبله العقل ويفهمه كما أنه يسمح بمشاركة أي عقل ويفهمه كما أنه يسمح بمشاركة أي عقل يمكنه أن يصلح أو يضيف ، ولا يحتاج إلى معجزات لإثبات صدقه ، لأنه يشك في هذا الصدق كل يوم فينقد نفسه ويصلح شأنه ويحذف ويضيف فيتقدم : لذلك هو علم .

سادتي أصحاب الفضيلة المفترون على العلم ، سادتي دكاترة العلم الذين تركوا علومهم ليفتئتوا على ديننا ، إن الحياة إنما هي نفحة ونفخة من روح الله ، فمن استطاع المحافظة عليها وصيانتها استحق منا التبجيل والتقديس ، أما من ركب أكتافنا يأكل آذاننا بمواعظ وفتاوى أكلت الأخضر واليابس ولم تزل تفح فينا نيرانها ، فليرحل عن دماغنا لأن زمانه قد مضى ، ولأن أحدهم لم يتقدم مرة واحدة بما يصون صنعة الله في أرضه حتى تقدم العلماء الفدائيون من أجل الإنسانية للصارع من أجل المحافظة على نسمة الله في الأرض ، وهم العلماء وهم العقول ، وهم الفعل ، الذي تقول بشأنه كتب التعليم الدينية "إن علماء الحضارة المعاصرة وإن كانوا أهل خبرة في المخترعات والصناعات ، فهم جهال لا يستحبون أن يوصفوا بالعلم ، لأن علمهم لم يتجاوز ظاهر الحياة الدنيا إنما يطلق لفظ عالم على أهل معرفة الله وخشيته / منهج التوحيد 3 ث ص 77 / السعودية" .

سادتي (أهل العلم والإيمان) بئس التجارة تجارتكم فهي تجارة بعقل الأمة ممثلا في شبابها الذين هم مستقبلها ، كفاكم ما جنيتكم من بلهنية النعيم .. فارحلوا سادتي عنا .

نشرت فى روزاليوسف 30/10 /2004 العدد 3986

علماء لا دعاة!

من العلم إلى الدعوة يا خسارة العقل المصري

· أستاذة جامعية ترفض الأدلة العلمية الثابتة لصالح النقل وتفسيراته

· الله يعلم مساحة العلم التي يستطيع عباده استيعابها في مراحل تطورهم

في ملف "روزاليوسف" نظرية النشوء والارتقاء كانت هناك موضوعات علمية جادة مثل الحوار مع الدكتور أحمد مستجير والموجز المكثف الذي كتبه د . مجدي المليجي ، لكن هناك موضوعات أخرى ينبغي التوقف أمامها بالبحث والتمحيص والرد في مقدمتها الحوار الذي أجرته الأستاذة إقبال السباعي مع الدكتورة هالة البنا أستاذ علم الوراثة بجامعة الأزهر ، والذي أعتبره تموذجاً لما وصلت إليه أحوال الجامعات في مصرنا ؟! وكيف يفكر جانب ليس قليلاً من أساتذة العلم ؟! وهو نموذج أيضا كاشف لما وصلت إليه أحوال بلادنا بين العالمين من هوان .

الأستاذة الدكتورى المفترض أنها بهذه المرتبة عالم باحث متخصص منجز منتج وكتشف ، لأن الغرض الأساسي هو إضافتها الجديدة إلى العلم بكشف لم يعرفه العلم من قل كسبيل للخصول على درجة الأستاذية في علمها التخصصي ، والمفترض بهذا المعنى أن تكون مصر أكثر تقدما في كل العلوم عن الولايات المتحدة الأمريكية لأن الحاصلين على درجة الدكتوراه في مصر يزيد عددهم على عدد أمثالهم هناك.

رغم ذلك فإن البون هائل وفادح ولا مجال لإجراء أية مقارنة بيننا وبينهم ، وهي شهادة واقع ماثل وليست حكما أو رأيا ، فهل يا ترى هذا السيل من الشهادات هو أحد عوامل انتكاسة العلم في مصر بعد أن حل فيها الفكر الديني محل العلم ؟! تعالوا نتأكد من صحة هذه الفروض من عدمها بمراجعة ما قالت أساذ علم الوراثة!

قالت : "إن إثبات أية حقيقة يحتاج إل دليل عقلي ونقلي ، وإذا كان داروين قد ذكر في نظريته أن الإنسان أصله قرد ، فهذا الكلام مخالف للدين تماما".

بداية أوضح أنه لا يشغلني شخص الدكتورة بقدر ما يشغلني أموال الوطن المهدرة لتخريج علماء الوراثة في بلادنا ، وعلاقة الأستاذة بلعلم والبحث العلمي ومنهجه وكيف تفكر ، لأن كل ذلك سينعكس على شبابنا الذين يتلقون مثل هذا العلم منها .

ولأننا يجب ألا نتوقف أمام الأشخاص ، فإن ما قالته الدكتورة يصبح ملك الجميع ، مادام تم نشره وتعميمة ، وهو ما سيكون مناط الحديث ومحاولة الفهم .

ونظرا لعدم تخصص صاحب هذا القلم في علوم البيولوجيا على أنواعها ، فإنني أطرح عليها التساؤلات لنفهم ونتعلم ، لكن ما لا خلاف عليه ويفترض أن يجمعنا معا هو الاتفاق على منهج التفكير العلمي وأصوله وشروطه وخطواته في التعامل مع الموضوعات المعرفية ، وفي علومنا الإنسانية ، وهو مع شديد الأسف تحديد المنهج الذي لم نجده في كلام الدكتورة بالمطلق .

تقول الدكتورة : "إذا كان داروين قد ذكر في نظريته أن الإنسان أصله قرد" . إن هذه الجملة بمفردها دون شطرها الثاني ، تفصح بجلاء عن كارثة ، بل مصيبة قومية ، إذا كان هذا هو حال دكاترة العلم في بلادنا ، وللأسف هو الأوضح والأكثر جلاء وانتشارا.

إن السيدة الدكتورة لا تعلم ماذا قال داروين تحديدا ، وليست متأكدة إن كان قد قال أن الإنسان أصله قرد من عدمه ، فكيف أصبحت الدكتورة دكتورة في علم الوراثة؟ ومن أشرف عليها ؟ ومن منحها الدرجة؟ ومن أوصلها لدرجة الأستاذية؟ أنظر إلى أساس الشرط "إذا هنا ومرجعيته ، فإذا كان قد قال : "فهذا الكلام مخالف للدين تماماً" ، أستاذة الوراثة كل ما يشغلها في الموضوع هو الاتفاق مع الدين من عدمه ، مع عدم معرفتنا لدرجة معرفتها بالدين وكيف نفهمه بهذا الصدد والذي قدم فيه المشاركون بالملف قراءاتهم لإثبات "إن هذا الكلام غير مخالف للدين تماماً" ، وهم في ميدانهم اتفقنا معهم أو اختلفنا أساتذة أكفاء.

الملحوظة الثانية أن السيدة أستاذ علم الوراثة تتحدث عن نظرية النشوء والارتقاء كما يتحدث عنها العامة الذين يسمعون أطراف كلام مختزل في عبارات لا تشغلها الدقة العلمية ويبنون عليها مواقفهم ، فهي بطول ما قالت كانت تشير إلى نظرية باسم "نظرية داروين" ، لأن الفكرة العبقرية التي طرحها داروين بعد حشده الباحث وراء الأدلة عبر العالم في رحلته مع السفينة بيجل وطرحها من بعد في كتابه "أصل الأنواع" ، ليست خاصة بداروين وإن اشتهرت مقترنة به ، لكنه كان واحدا ضمن سلسلة طويلة من العباقرة منهم لويس بوفون ، ولامارك ، ووالاس ، ومئات العلماء الفدائيين الذين عاشوا سنوات أعمارهم في الغابات والأحراش يبحثون وراء الكائنات الدقيقة والكبيرة على الشجر وتحت الإرض وفي الصحاري وتحت البحر وفي قاع المحيط لتصبح النظرية مدعمة بآلاف الشواهد التي تبدو أنها لم تشغل الأستاذة في شيء ، وربما لا تعلم عنها شيئاً . بينما هي متاحة للجميع متخصصا وغير متخصص ، حتى إن هذه النظرية بالتحديد ولمخالفتها معهودا ثابتا منذ عصر الآساطير حتى اليوم ، فقد كان ذلك مدعاة لحث العلماء الناشطين وراء الكائنات على مختلف الأصناف ، مما حشد لهذه النظرية قرائن بالآلاف تراها العين وتشهدها الحواس ، كما لم يحشد لنظرية علمية من قبل ، وقد أوضح الدكتور المليجي في نفس الملف أن كتاب "أصل الأنواع" المشهور لداروين لم يرد فيه ما يشير إلى قردية الأصل الإنساني ، إنما ساق احتمالا في سطر واحد يضع احتمالا أن يكون التطور الذي ينطبق على جميع الكائنات قد حدث أيضا مع الإنسان المتطور عن كائنات حية أخرى .

بينما تناول داروين مسألة الإنسان والقرد في كتاب مستقل لا يقول بتطور الإنسان عن القرد ، إنما بانحدار كليهما عن أصل واحد مشترك ، ومن هنا لابد أن نتساءل عن مدى معرفة أستاذة الوراثة بنظرية النشوء والارتقاء أو التطور وهي تتساءل : "إن القرود موجودة ولم تندثر ، ولم نلحظ أن هناك قرداً تحول إلى إنسان لأة أنه ولد إنساناً؟" ، لذلك تصدر حكمها بقولها : "فنظرية داروين في هذه الجزئية نظرية ساقطة تماماً".

إن الدكتورة لاشك تعلم كما يعلم العوام أمثالي أنا والقراء من قراءات بسيطة بهذا الصدد أن العلماء قد عرفوا الكثير من المعلومات عن نبات وحيوان تعود إلى أزمان سحيقة في القدم من حفرياتها ، وأننا نعلم أن أجدادنا البشر أو الأناسي أو الإنسان – حسبما يرى الموفقون بين العلم والدين – وقد أصبحوا إنسانا حقيقيا بالمصطلح المعتاد منذ إنسان جاوه المحدود الذكاء لأن حجم جمجمته كان 900 سم2 ، ثم إنسان بكين الأكثر ذكاء والذي عاش منذ 100 إلى 40 ألف عام بتفوق أكثر في القوى العقلية ، ثم كرومانيون الذي عاش ما بين 30 إلى 40 ألف عام والذي ينتسب إليه الإنسان الحالي العاقل الهوموسابينس .

السيدة الدكتورة تقول : "إن التطور يكون في إطار الكائن الواحد ، وليس هناك تحول كائن إلى كائن آخر" ، لكن ألا ترى الدكتورة أن تطور الإنسان عبر المراحل المذكورة هو تحول كائن إلى كائن آخر؟ وبالفرض أن هذا التطور كان داخل نوع واحد هو الإنسان ، فما كان أغبى أبينا آدم بهذا المعنى ، وهو حسب إيمان الدكتورة نبي لا يمكن وصفه بالغباء . وإذا كان هذا ما نعلمه من تطور إيجابي يزيد كل حلقة تحسنا وذكاء وتطورا ، ألا يعني هذا أننا بالعودة إلى الجانب السلبي في الاتجاه المعاكس ، إننا سنلتقي حتما مع القردة في جد مشترك ؟!

ثم ألا ترون معي أن موقف الدكتورة ضد كل ما تعلمته كأستاذ وراثة ، وأنها ترفض هذا العلم؟

فلماذا هي إذن حتى الآن تعمل بهذا العمل؟

لماذا لا تتركه وتتفرغ للدعوة؟

وهل كانت مراجع الدكتورة العلمية حتى حصولها على هذه المرتبة كانت الحديث والفقه والتفاسير أم كانت مراجع علمية تقوم كلها على نظرية النشوء والارتقاء؟

ألا ترون الشخصيتين بداخل كل منا ، كل في ميدانه ، حتى في ميدان الأحكام القانونية نتعامل مع القانون المدني في كل حياتنا ، لكننا نرجع أخص خصائص ضميرنا إلى الفتوى الشرعية؟

وقد قالت الدكتورة مبهرات كثيرة كقولها السالف : "إن إثبات أي حقيقة يحتاج إلى دليل عقلي ونقلي" ، ونقلي أي نقلاً عن الكتب المقدسة ، ويضاف إليها أحيانا كتب الأصول كتفسير

و المبهر أنها بعد ذلك تقول : "لا تعارض بين العلم والدين" ، فلماذا لا نلجأ للعلم وكفى مادام يتفق مع الدين؟ الدكتورة كأنها تقول إن النقل يختلف عن العقل ثم تقول إنه لا يختلف ، فهل هناك إرباك في المفاهيم أبعد من هذا ؟!

بينما لو أرادت الدكتورة إثبات إيمانها مع عدم تخليها عن العلم الذي أعطته عمرها درسا في النشوء والارتقاء وقراءة ومتابعة حتى تصل إلى منصبها ، كان أولى بها أن تقول إن الدليل النقلي هو دليل عقلي ، يليق بمعقول زمانه ، فقد كانوا أصحاب فكرة مناهج خاصة تجعل معقولهم غير معقولنا اليوم ، لأن معقولهم كان ينبئ عن مفاهيم عن الكون والخلق ووجود الكائنات سائدة عالميا حينذاك كنظريات نهائية ، فقد كان النقل متفقا مع العقل في ظرفه التاريخي ، لكن الدكتورة هنا تنزع صفة العقلانية عن النقل بقولها بضرورة وجود دليل نقلي إلى جوار العقلي .

ونعلم أيضا أنهم كانوا عقلانيين حسب زمانهم وممكناته ، فكانوا يعرفون مرض الحمى باللمس وليس بالترمومتر ، ومن زمنهم بمنطق اليوم لا تمر رحلة الإسراء والمعراج هينة على العقل ، لكنها كانت مقبولة في منطق زمانها ، حتى في ومانها كانت بحاجة للإيمان أولا .

التطور إذن حدث حتى في علاقة العقل بواقعه ، فأصبح نفس الواقع ونفس الأحداث لا ترى بنفس النظار ، والعقل الإنساني هو هو لا يتغير ، نيوتن اكتشف قوانين الحركة التي كانت هي المعقول التام في زمنه حتى جاء آينشتين فخلق فهما جديدا لذات ما كنا نعتقده تام الصدق .

إن الدكتورة بدلا من أن ترى هذا فلا يحدث لديها هذا الارتباك بين العقل والنقل كان يجب عليها أن تدافع عما تعلمت بدلا من أن تقوم بتسفيهه .

سيدتي الدكتورة لم تر التطور حتى على مستوى علاقة السماء بالأرض ، وإنه كلما نضج الإنسان وتطور أحتاج نبيا جديدا يلائم التطور الجديد ، وهو السبب الوحيد الذي يفسر تعدد إرسال السماء رسلها للبشرية ، إنه التطور الذي كان يدفع السماء لإضافة الجديد المناسب للتطور الحادث على الأرض . إن النبي لم يعط علم الصواريخ ، بل علم زمنه وهو الدرع والسيف .

والزمن غير الزمن ، لذلك لا نجد العلم في القرآن لأن رب القرآن كان يعلم أن البشر لم ينضجوا بعد ليحدثهم حديث العلم والخلايا والجينات والرواثة، لذلك خلا من علم اليوم ، لذلك أيضا لا يعتبر القرآن مرجعا لأي تجارب في العلم اليوم .

النقل يا سيدتي الدكتورة لم يرد فيه شيء عن الاستنساخ ولا نقل الأعضاء ولا الهندسة الوراثية ، فهل يعني هذا أنها بدورها "ساقطة" بتعبيرك هذه العلوم تكاد تكون معجزات ، لكنها تصبح بسيطة ومفهومة مع العقل العلمي ، إن عدم التسليم بها يعني أن عقولنا لم تنضج بعد لتقبلها حتى لا تصاب بالجنون .

والله يعلم مساحة العلم التي يستطيع عباده في مراحل تطورهم العقلي استيعابها ، فكان كلما تطورت قدراتهم العقلية من عليهم بعلم يناسب هذه القدرات ، حتى الأخلاق جرى عليها ما جرى على غيرها من تطور . لذلك وإيجازا هو أن ما غاب من الكتب السماوية قد غاب لأن ما كان يرد فيها هو ما كان يناسب فكر إنسان زمانها وليس زماننا .

وتتابع الدكتورة إثباتها عدم وجود بينة تحتية أساسية لديها تتمثل في منهج التفكير العلمي تقول سيادتها : إن الدين يحث على العلم ، لكن الشطط بدعوى الإبداع والتجديد هو لهدم العقائد الدينية الثابتة والراسخة مع قدرة الإنسان المحدودة بالنسبة لقدرة الله .

سيدي رئيس جامعة الأزهر الزاهرة ، سيدي الوزير المسئول عن التعليم العلم في بلادنا ، سادتي أهل هذا الوطن وأهل من تريدونهم شبابا عالما عارفا

يمر هذا الكلام مرا هينا سهلاً؟ أم يفزعكم على مستقبل هذا الوطن؟

إن لم يفزعكم فلا داعي لكل ما يكتب بهذا الصدد ، ولنكسر أقلامنا جميعا ، لأن الحالة ستكون ميئوسا منها ، لكني أثق أنه أفزع بعضكم على الأقل .

فإذا كانت سيدتي دكتورة الوراثة ترى الدين ثابتاً راسخاً ، وأن قدراتنا محدودة إزاء الله وقدراته فلماذا تعادي ما تسميه الشطط ، أم ترى في نفسها قدرة فوق قدرة الله تدفعها للدفاع عنه ؟ أم هو خوف دفين على مفاهيم لا هي من العلم ولا هي من الدين وتقوم على مسلمات تاريخية خاطئة في التعامل مع الدين معزولاً عن زمنه وتاريخه وظروفه في ارضه؟ ألا تفزعكم كلمة "الشطط" في العلم؟

هل الشطط في العلم أي الانغراس فيه حتى أبعد مدى هو قيمة مرفوضة في بلادنا من أساتذة العلم يا سادة؟

وهل تسفيه القدرة العلمية على هذا الشطط هو وظيفة العلماء؟ وهل الإصرار على قدرة الإنسان المحدودة ينتج علماً؟

أليس هذا هو منطق العوام ؟ إن هذا الكلام قد نتركه يمر إذا قاله نجار أو نقاش لعدم التخصص وليس تحقيرا لمهن محترمة ، لكن أن تقوله أستاذة وراثة فهو علامة أننا قد وصلنا حافة الثقب التاريخي الأسود، حيث الزوال من الوجود .

إن سيدتي أستاذة علم الوراثة مشغولة بالدين وليس بالعلم "فهذا الكلام مخالف للدين تماماً"؟

أنظرها تقول : "فالمقياس الذي نقيس عليه هو أن الجبار لا يكون سوى الله سبحانه وتعالى ، فمن أنقص من قدرة الله وقدرته ليس لها حدود ، أما قدراتنا وعلمنا فهو قاصر محدود" .

وبغض النظر عن ارتباك عبارات سيدتي الفاضلة ، وبغض النظر عن تسليمها بحكايات "سيدنا آدم" وحكايات "سيدنا نوح" ، وبغض النظر عن سقوط حكاياتها إلى مستوى العوام وخضوعه لذات المناخ ، فإن عالمة الوراثة عندما يكون مرجعها ومقياسها الذي تقيس به تجاربها هو الجبار ، وعندما تدخل المختبر وهي على يقين أن قدراتها وعلمها قاصر محدود ، تراها ماذا تستنتج لنا؟

وألا يفسر ذلك انحطاط أمة المسلمين إلى هذا الدرك المفزع المرعب المخيف المكتئب الدافع إلى القنوط التام من خروجنا من قاع مزبلة الأمم.

ترفض الدكتورة ما يفيد كلاب علمها فكرة التطور بالتحول من نوع إلى نوع ، من حد مشترك للإنسان، هل تنكرين هذه القدرة على الله ، وهو الثابت اليوم في أفلام لأبطال العلم في الغابات وقاع المحيطات بالآف الأدلة المتاحة لمن أراد أن يعلم ويتعلم ، في أفلام كولن الألمانية وكاليبسو الفرنسية والموسوعة الجغرافية والموسوعة البريطانية وغيرها على CD في كل المكتبات العلمية في الدنيا .

لماذا تنصنا في نهاية حديثها العميق بالتعمق في الدين وليس التعمق في العلم ، ولا تتعمق هي في الدين لتقرأ كيف تحول البشر إلى قردة خاسئين ، وتعطينا من علم الوراثة ما يفيد ليثبت ذلك ، وحينها سيكون الممكن الوحيد بين يديها هو العكس ، وهو على قدرته ليس بعزيز ، فإذا كان الله سبحانه قادرا على إحالة العصاة إلى قردة بفارق في الجينات بين الأصل والمسخ لا يتعدى 1,7 % ، أفلا يمكنه العكس؟ أم هي تنكر معلوما من الدين بالضرورة بإنكارها آيات القردة الخاسئين؟

وعن الشطط والتعمق في العلم ترى سيدتي العالمة أن مثل هذه النظريات ستنهار من تلقاء نفسها ، ويصبح الأصل والأساس هو الدين إذا نظرنا إلى الأمور بموضوعية وعقلانية ودون تعصب.

ما هذا ؟!

ما هو مفهوم الموضوعية عند أساتذة الكليات العلمية في بلادنا ؟ ما مفهوم العقلانية ؟ ما هو مفهوم التعصب ؟ ألا ترى سيدتي وهي تسلم بالدين أساسا وتتمنى انهيار العلم حتى يصبح الأساس في كل شأن هو الدين ، ألا ترى ذلك تعصبا للدين من الأساس ؟ فأين الموضوعية والعقلانية هنا ؟

إن لدينا معجما خاصا لمعاني المفردات لا علاقة لها بالعلم حتى لو كنا علماء كيف؟ هذا لغز كبير.

لدينا معان ودلالات للألفاظ تختلف عن كل دول العالم ، معاني التخلف والفكر الجر وحقوق الإنسان والديمقراطية والدولة والوطن والحكم والإيمان والتسامح والموضوعية والتعصب والاغتصاب والسرقة والزنى .

نحن نعيش زمن القرن الرابع الهجري على الأقرب ، لذلك معاني مفردات الحداثة غير موجودة في محزوننا الثقافي ، لأن هذه المعاني قد تطورت في العالم المتقدم واكتسبت دلالات جديدة لا نعرفها في بلادنا حتى على مستوى العلماء المنتظر منهم االأخذ بيد هذا الوطن نحو الحداثة والتقدم .

إن سيدتي لم يشغلها الوطن ولا الحداثة ولا كل ما نقول هنا ، يشغلها إرضاء الله ، ترفض نظرية التطور الكوني والكائني لأنه يسأخذنا بعيدا عن ومن الدعوة وكريقة العيش أيامها وطريقة التفكير أيامها .

لقد تمكن مشايخنا من دماغ الوطن ، حتى العلماء منهم أو المفترض أن يكونوا كذلك ، لذلك صرف عليهم الوطن ، ولذلك رقاهم الوطن ، ولذلك ندفع لهم رواتبهم من جيوبنا ضرائب ليعلموا أبناء الوطن ، ليرتقوا بالوطن ، لكن مشاخنا تمكنوا من شل الوطن ، وتكسيح الوطن ، وشل العقل بشروط تمنع الابتداع والابتكار لأن ذلك شطط غير مسموح به ، ووسط كل ما هو خط أحمر على العقل في بلادنا وفي ضوء كل ما هو غير مسموح به كما قالت سيدتي الكدكتورة قررت من جانبي زيارة حديثة الحيوان بالجيزة ،وكتبت هذا الموضوع وأنا جالس أمام جبلاية القرود ، لأجسدها وهي تتحرك بحرية ، ولها جيزها الشخصي الذي ى يتدخل فيه أحد بفتوى كيف يتصرفون أم يسلكون أم ينامون أو يتبرزون ، شاهدتهم يمرحون بسعادة وبحرية دون استئذان القرداتي ، حسدت أبناء عمومتي وعدت غلى بيتي أحلم بيوم نحصل على حرية أبناء عمومتنا ، ولا أنسى أن أذكر دكتورة الوراثة أنه لولا داروين ما كانت هي دكتورة وراثة .

روزاليوسف 15/1/2005 العدد 3997

فعل اعتدال .. علني

عبر تاريخ العرب الإسلامي المجيد ؛ خاض العرب معارك كثيرة و هائلة ؛ و في كل تلك المعارك كان الزعيم الروحي يطلب من جماهيره أن يسلموه عقولهم أولاً قبل التضحية بالنفس ؛ لأن هذا الراعي الذي يتكلم باسم الله يجيد استخدام ما ينتقيه من مؤثرات لغوية و عاطفية من دين يجهله أهله ؛ و يتخفى وراء الآيات ليصبح هو وحده نصاً مقدساً يعمل به المسلم حتى يكاد ينسى نصه الأصلي .

الآن يقدمون لنا صورة المرحوم الشعراوي يقرأ القرآن من السماء و حوله النجوم و الأقمار و الشموس ولم يجد المسلمون في ذلك غضاضة ؛ لقد اتخذوا من أحبارهم أربابا من دون الله ؛ فكان أن حلت عليهم غضبة ربك فباتوا في العالمين في الأسفلين دركاً .

إن المتفجرين المسلمين لا يقدمون على هكذا قتلة إلا بعد أن تكون قد أصبحت عندهم هي قيمة الجمال بعينه ؛ هي قيمة عليا تقوم علي عشرات الفتاوى التي عادة ما توعز بأن اختيار الإرهابي اختيار من الخالق مع ما تستفيض في شرح أوصافه كبيت الشهيد بالجنة عند تقاطع الأنهار حيث يفض الأبكار في ضيافة الجبار ؛ تاركاً مستقبله علي الأرض ؛ و أوجاع أهله عليه ؛ و ترمل زوجته و يتم أطفاله ؛ إن مثل هذا الشهيد بحاجة لإعادة نظر بشأنه و قد ترك أسرته للمجهول مسارعاً للمضمون ؛ الأكل الشهي و المشرب الخمري و النكاح الذي لا يتوقف ؛ خاصة عندما يموت متفجراً عند باب مسجد شيعي لحظة خروج المصليين .

إسرائيل من جانبها وضعت قاعدة أمنية مهينة أشد الإهانة ؛ فهي لا تسمح بالدخول للمسجد الأقصى إلا لمن تجاوز سنه الخمسة و الأربعين . لأن هؤلاء لا ينتحرون ؛ فهم أعقل من ذلك ؛ في مثل هذا السن لا يجوز فقد الخبرة التي تخطط للعمليات ؛ أو هذا ما يزعمون . رغم أنهم الأجدر بالاستشهاد بعد أن شبعوا من الدنيا و أصبح الموت منهم قريب آت لا محالة ؛ فما أجمل أن يلقوا ربهم شهداء بعد أن كلت عظامهم و عجزت حواسهم ؛ لكنهم لا يفعلون!

هل هم غير متأكدين من النتيجة؟ فإذا كانوا غير متأكدين فلماذا يدفعون شبابنا و أولادنا للمجازر في أمريكا و الفلبين و إندونيسيا و أفغانستان و الشيشان و باكستان و العراق و مدريد و المغرب و السعودية و الكويت و قطر و مصر والجزائر و اليمن ؛ لماذا يدفعونهم للموت المبكر وترك أهلهم لوعاً بلا عائل ؛ يقتلهم الجوع والحاجة ؛ بينما المخطط الذي عادة ما يعيش في الرفاهية هو الأجدر بكل المقاييس بالشهادة ؟؟

ورغم أن أجدادنا بحكم الخبرة الطويلة قالوا "إن الصراحة راحة" ؛ فإن الخطاب العربي أبداً لا يعرف هذه الحكمة .

كان يكفي هذا الخطاب وقفة مع النفس تطالع الفارق الهائل اليوم بين الهند التي اختارت طريق الديموقراطية النيابية ؛ و بين باكستان التي اختارت الانفصال عن القارة الأم لأسباب طائفية بحت ؛ ثم اختيار طريق التجديد الوهابي للمذهب الحنبلي السني ؛ وكانت النتيجة ما نراه أمامنا علي الأرض.

أتذكر هنا من تلمذتي الجامعية أن معارفنا من مدينة البعوث الأزهرية كانوا جميعاً من الصومال الذي وقع فريسة الطاغية و عندما سقط الطاغية كان المبعوثون هم القياديين ؛ عادوا بلادهم بالفكر السني المتزمت لتتحول الصومال إلي مجموعة قبائل لكل منها خليفة ؛ فقبعث في قاع العالم لا هي دولة ولا هي أرض مشاع ؛ مثلها مثل السافانا و ما يعيش فيها .

و بذلك كانت كرامات الأزهر في الصومال أوضح من كل مقال ؛ و هي ذات الكرامات التي حققتها بعثاته للجزائر زمن هواري بومدين و كان علي رأسها المشايخ الشعراوي و غزالي و سابق ؛ أي مجموعة من العثاة ؛ وتركوا بصماتهم في الجزائر دماً و خراباً .

خطاب هؤلاء أضاع البوصلة من الناس فأصابهم الحول في الرؤية وضاعوا في تيه يظنونه إسلامهم بينما هم عنه في موقع قصي . انظروا مفكرينا الإسلاميين ؛ أو شبابنا عندما يتظاهرون لأن المناضل (س) قد قتله الإسرائيليون ؛ نعم للتعبير عن الغضب ضد الإحتلال الإسرائيلي ألف نعم ؛ لكنهم هم أنفسهم لم ينزعجون لدماء ألوف الأبرياء من عراق الأخوة .

شبابنا لم يتظاهر مرة واحدة ضد عصابة الزرقاوي و من يدعمهم و هم يذبحون الأبرياء ؛ يقتلون الأشوريين و المندائيين والمسيحيين ؛ يدفعونهم دفعاً للهجرة ؛ و يمنعون علي الناس شراء بيوتهم ؛ أما الشيعة فشأنهم معلوم عند الأخبار التي تبث خارج الحسينيات و المساجد لأبرياء خرجوا تواً من دور التعبد ليصبحوا أشلاء كل يوم تقريباً .

هناك قوافل من أبرياء الشيعة يموتون تتبعهم قوافل ؛ في دفع حثيث لرد مماثل يكون مبرراً لإحراق العراق و تقسيمه .

دماء و مشهد مؤامرة علنية ؛ الأهداف واضحة تماماً ؛ معلومة المصدر و الأعضاء تستصرخ كل الدنيا ؛بينما نحيل نحن المؤامرة علي الأمريكان ؛ و يسمى بعضنا ما يحدث في العراق الجميل (مقاومة) ؟ عندما ينفجر العراق فغن الجسم العربي كله سينفجر إلي عالم من الطوائف المتحاربة ؛ و الكاسب الأكبر سيكون إسرائيل بينما يرتاح بال الأمريكان لانشغالنا بقتل بعضنا بعض.

أين ذهب العقل العربي؟

هل من النخوة تأييد عصابة الزرقاوي ضد أهلنا شيعة كانزا أم مسيحيين أم حتى عبدة أي شئ ؟؟ هل هذا ما يحاربون من أجله ؟؟ لقد جعلوا الموت علي يد إسرائيلي أمنية كل مذبوح في العراق حتى يأخذ حقه من الاحتجاج العربي ؛ مجرد الاحتجاج يا عرب؟

ليس هناك أي تهمة يمكن توجيهها لهؤلاء الذين يموتون بالعشرات كل يوم في التفجيرات ؛ سوى إنهم ليسوا علي صحيح الإسلام ؛ و صحيح الإسلام اليوم هو المذهب الوهابي الحنبلي السني ؛ الذي يحمل التبعية الضمنية لبلاد العرب الحجازية ؛ في إعادة إخضاع المفتوحين ؛ انتظاراً لعودة الخلافة الظافرة .

تهمة هؤلاء جميعاً انهم لم يعلنوا الاعتراف و التبعية ؛ وإنهم ميراث العرب ؛ ميراث العرب السنة تحديداً . و ذلك منذ فتحوا بلادنا و أزالوا دولاً بكاملها من الوجود مثل مملكتي الغساسنة و المناذرة ؛ منذ أخذونا موالي لهم ؛ كان علينا أن نعلم أن الحكم لهم ؛ ولنا الصبر و السلوان .

فإن فكر العراقيون من غير الطائفة الوارثة صاحبة الحق الشرعي ؛ في أن يأخذوا حقوق المواطنة كاملة في ظل ظرف دولي نادر ؛ فإنهم يكونون قد خرجوا علي الناموس القدسي و القانون الكوني ؛ فالعرب هم السادة الفاتحون ؛ وهم الآن وهابية ؛ إذن من خرج عليهم فقد خرج علي الإسلام الفاتح

رغم أن الإسلام شأن و الوهابية شأن ؛ فقط هي لا ترضي أن تعتبر نفسها مذهباً ورأياً ضمن الآراء المطروحة في السوق للاختيار و المفاضلة ؛ لأنها لا ترضي أن تكون مذهباً ولا رأياً ؛ هي لا تقبل بأقل من الدين كله .

أحياناً يشعر المرء بالحزن علي أهله عندما يجد الطائفية وقد أفسدت الضمير الحي الصاحي فعاد المسلم لا توخره دماء الأبرياء من نساطرة أو مسيحيين أو شيعة في العراق ؛ و هم يسقطون كل يوم أشلاء ؛ لأنهم في فرصة تاريخية

نشرت فى روز اليوسف الأثنين 4/7/2005

لقد عادوا بنا للعصر الحجري

بينما كنت أقرأ إعلانا بصحيفة الأخبار القاهرية عن توافر ألبان الجمال وأبوالها طازجة بخدمة توصيل إلى المنازل لعلاج كل الأمراض المكتشفة والأمراض التى لم تكتشف بعد.

وأسأل نفسى عن رقابة الدولة على هذه الأدوية المباحة ، على الأقل لعدم غش بول الجمل بأبوال أخرى لا تحمل علاجا ، بل ربما مرضا مستطيرا ، لمحت الخبر العاجل على تليفزيون العربية ، وأدرت القنوات فوجدته على قناة الجزيرة ، كان آخر الأخبار التى نود سماعها مرة أخرى بعد أن اكتوينا بالإرهاب الإسلامى.

ساعة وأنا أنتظر قول مصر وتلفازها حتى قالت قنواتنا بينما المصيبة منها فى الجوار ، وداخل الوطن وليست فى الصين ولا فى بلاد السند ، ساعة حتى قالت قنواتنا وأنا أحبس أنفاسى حتى لا تقول إنها أنبوبة غاز كما قالت بشأن طابا لتعود منكسة الرأس لتروى الحادث بعد أن رواه كل العالم وعرفه كل العالم ، كان موفد الفضائية المصرية لخان الخليلى يبعثر أى كلام كتب له «رجال الأمن مسيطرون على الوضع خالص ، وفيه واحد أمريكى مات اسمه مايكل ، أما الذين سيتعرضون للقتل من الجرحى فعددهم كذا» ، ولم أفهم العبارة الأخيرة فى كلامه حتى هذه اللحظة التى أكتب فيها مقالى هذا!

هل مثل هذا الإعلام أو الإعلان والعقل الذى يقف وراءه بقادر على فرز غير هذا الانتحارى؟

هل إعلان كالذى نراه باسم الإعلام أو نقرأه فيما يسمى بالصحف القومية يمكنه أن يؤسس لجيل غاضب ومغيب الوعى والمواطنة غير دفعه إلى الإرهاب دفعا؟ إن كل مشهد فى إعلامنا المرئى أو فى صحافتنا الغراء يغذى إرهابيا جديدا بالزاد الفكرى لتأكيد يقينه بالجنة ، وتكون النتيجة مشاهد الدم والقتل والحرق فى الوطن ، إضافة إلى ما يظهره هذا الإرهاب من ضعف للدولة ، ويظهر مفهوم الاستقرار على أنه فقط استقرار إعلامى. أهلى أهل مصر ، إنى أدعوكم للاعتراف بأن الإرهاب لم يتم القضاء عليه ، ولن يتم القضاء عليه ، لا باتفاقات ولا بتبادل التنازلات ، ولا بقدرة وزارة الداخلية وحدها ، لأننا فى هذا الحال نحملها ما لا طاقة لها به ، فتتفرغ له ، وتترك الشارع سداحا مداحا بعد ذلك بلقعاً إلا من البلطجية والمرور الحر الطليق بلا ضابط ولا رابط يجب أن نعرف ونعلن ونعترف أن أرض مصر قد استوطنها الفكر المولد والمغذى للإرهاب عن جدارة ونجاح ، لأن الواضح لكل عقل صاحٍ أن الخطاب الدينى الحنبلى بتجديده الوهابى هو المسيطر والمتوطن فى أجهزة الإعلام والتعليم فى بلادنا ، وأن الاستمرار فى الحديث عن الفئة الضالة التى لا تفهم صحيح الإسلام المدسوسة علينا من الخارج «لا نعلم من دسها بالضبط؟ وهم لا يقولون لنا؟!» هو حديث لزج مريض كاذب وكلنا يعلم أنه كاذب ، وأننا نجابهه بالجهاد الصوتى بإعلام وتعليم يقوم على الخرافة ويروج للرجعية والتخلف يركبه الإسلامجية ، ويشعل الحرائق فى بلادنا وبلاد الآخرين فى العالم ، ويؤجج مشاعر بربرية وهوسا دينيا بلا مثيل فى أى مكان فى الدنيا ولا نظير ، إلا البلاد العربية المسلمة على طريقتنا.

بعد الحادث الأليم فى حضن الأزهر وبين حنايا الحسين ، وعبق مصر الإسلامية بالتحديد وبالذات ، قام المشايخ يشجبون وينددون بالجريمة النكراء ، رغم أن هذا الصبى الإرهابى المنتحر هو ضحية المشايخ رقم «واحد» ، هو ضحية حكومة تهاونت مع هذا الفكر فتهاون معهما المجتمع كله ، هذا المنتحر لم يتم إنتاجه فى تايوان ، ولا فى سنغافورة ، إنه منتجنا نحن ، إنه يشير إلى عيوب فادحة فى صناعتنا المحلية للتنمية البشرية ، هو ليس فئة ضالة لأنه يتكرر ويضرب فى كل مكان ، نحن لدينا عيب مدمر فى المصنعية ، خاصة لو أخذنا بحسباننا فى قراءة المشهد أن المنتحر ليس مأجورا بدليل أنه انتحر ، وأنه لم يقبض مالا لن يفيده بعد أن ينتحر ، هذا شاب ذهب ليموت بمحض اختياره ، وأضاف إلينا فضلا فقد أخذ معه إلى الجنة زمرة من المصريين الشهداء.

ألم يفتِ قرضاوى أن من يموت من المسلمين فى العمليات الإرهابية سيذهب إلى الجنة حتما؟! كانوا زمان يسوقون الناس إلى الجنة بالزواجير ، واليوم تطوروا فأصبحوا لا يسوقونهم ، بل يأخذونهم معهم وفورا ، لكن بالتفاجير. يجب أن يشكر المشايخ هذا الإرهابى المنتحر لأنه طبق فكرهم الذى يغطى كل تعليمنا وإعلامنا ، وأن نوقره أيضا ، لأن دافعه كان الإيمان مع الزهد المطلق فى الدنيا ، فضحى بنفسه بينما أى شيخ ممن علموه أو حرضوه لا يملك لا زهده ولا شجاعته ولا إيمانه ، لأنه فجر نفسه وأثبت بموته أنه الأكثر إيمانا.

لقد صنعنا هذا المتفجر وحببناه فى ربه فأحبه ، وأحب أن يلقاه شهيدا ، فلماذا يعترض المشايخ عليه وهو التطبيق العملى الصادق لثقافتهم وفكرهم؟ إن هذا القتيل المنتحر أضاف إلينا أفضالا أخرى ، ألم يخلصنا من ثلاثة من الكفرة دفعة واحدة ، مما يضيف لرصيد المسلمين ويزيد فى خسائر أعدائهم من أى بلد كان ، فكلهم كفرة فسقة عرايا فجرة يتبعون الطواغيت؟! تعالوا يا أهلى نقرأ معا وصف قرضاوى لمثل هؤلاء بعد أن التقاهم وجالسهم حتى يلتقى المعلم بتلميذه ويمنحه البركة ويدعو له بالتوفيق ، يقول قرضاوى بعد هذا اللقاء من بين لقاءات أخرى عديدة: «وأشهد ، لقد خالطت هؤلاء الشباب فى أكثر من بلد إسلامى ، وعرفت الكثير منهم عن كثب ، فلم أر منهم إلا قوة فى دين ، وصلابة فى يقين ، وصدقا فى قول ، وإخلاصا فى عمل ، وحبا للحق ، وكراهية للباطل ، ورغبة فى الدعوة إلى الله وبراءة من الدعوة إلى الطاغوت ، وإصرارا على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، رأيت فيهم قوام الليل وصوام النهار ، والمستغفرين بالأسحار والمستبقين إلى الخيرات». كتابه «الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف ص 113».

فهل هناك قول بشأن الجهاديين أكرم من هذا يقدمه لهم الرجل المقدم والمرجع البحر الفهامة لكل فرقهم؟

إن هذا الشاب القتيل لاشك قد توضأ وصلى ركعتين بالحسين شكرا لله الذى هداه لهذا ، وما كان ليهتدى لولا أن هداه الله ، كما ولا ريب أنه طلب من ربه التوفيق والنجاح فى مهمته المقدسة طالبا الفوز برضاه ، وأنه فعل ما فعل وقتل من قتل من أبرياء ، وهو هادئ سعيد قوى القلب والأعصاب لأنه يعتقد أن الرب معه وأنه سيثبت أقدامه يوم الزحف ، وأنه سيعززه ساعة إتمام المهمة العظمى ، وأنه سيكون من خيرة شباب الجنة ، التى سيحسده عليها كل رفاق سنه فى المدارس والمعاهد يتعلمون نفس النظرية تعليما وإعلاما ، ويتمنون علامة أو حلما كإشارة لاختيار إلهى بالتنفيذ ، فلم يعد مهماً أن يكون المنتحر ضمن جماعة منظمة ، لأنه يستطيع أن يذهب الآن وهو فرد إلى الجنة ضمن جماعة من المسلمين الشهداء رغم أنوفهم تستقبلهم الملائكة بالدفوف تزفهم إلى الفردوس زفا ، لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، أليس هذا ما نعلمه لهم ونبثه لهم ونسطره لهم بصحفنا وفى كل سطر قنبلة؟

إن هذا القتيل المتفجر ليس من عبدة الشيطان ، ولم يتلق تعليمه على يدى إبليس الملعون ، ولم يكتسب ثقافته لا من المغضوب عليهم ولا من الضالين ، بل إنه تثقف بثقافة أقنعته فآمن بها كغيره من ملايين ، بعضهم يعمل طبيبا يستطيع أن يقتل من شاء وقتما شاء تقربا إلى الله وبعضهم طيار يستطيع أن ينتحر بطائرته وقتما شاء ، وبعضهم يعمل فى المصانع ولا يعلم إلا الله ماذا يصنعون لنا فيما يصنعون ، وبعضهم أستاذ جامعة ينفخ فى عقول الصبية فقه القتل ، لكن هذا القتيل الانتحارى كان الأشجع لأنه امتلك جرأة فعل الإيمان العلنى ، وفعل بعد أن قدمت له دولته هذه الثقافة ، فهو لم ينشأ خارج مصر ، بل تربى على ترابها ومات متصورا أنه المخلص الوحيد لربه!.

إن هذا الانتحارى لم يتعلم على مناهج الطاغوت الأمريكى ولا على علم مستورد من إسرائيل ، إنما هو صنعنا وهو زرعنا وهو لم يأتنا قافزا من المريخ ، وهو ليس نبتة شيطانية ، بل هو فرد ضمن ثمار ترعرعت ورعاها مجتمع بأكمله ، هم إنتاجنا ومدموغون بخاتم ثقافتنا. هذا المتفجر كانت فى عقله وقلبه نماذج بطولة إسلامية درسها فى مدارسنا مثل خالد بن الوليد ومحمد بن القاسم وعمرو الفاتح والقعقاع ، وامتدادهم البطولى حتى اليوم عبر إعلام يقول أن تفجيرات العراق مقاومة ، فيصبح بن لادن كالقعقاع وابن الزرقاوى كابن الوليد ، ومنهم أبطال أخر ميامين كابن هويدى وابن قرضاوى وابن عاكف ، لا يقاتلون إنما يعلمون وينظرون ويفتون ويحللون ويحرمون ويدربون الأرواح ليطاردوا الخونة والكفرة والعلمانيين والمتحللين من عرايا الفرنجة ، إنهم بلغة زماننا «مضيفات» الطريق إلى الجنة أو مضيفون يزنون فى عقول أطفالنا فيعتادون هذا اللون البشع من الزنى الفكرى ، ويتبعون أسوأه ، وعند الصبا وفورة الشباب مع فورة الغضب ينفذون ، بينما يستمتع الزناة بعقول أخرى جديدة يتم تأهيلها ، فما العيب فى شابنا المتفجر إن صدق الكتاب المسلمين واستجاب لهم واستبق للفوز بالخيرات ، لتخليص البشرية وتطهيرها من بعض الكفار؟

لقد قتل ثلاثة ، ولو استطاع لقتل ثلاثة ملايين كما حدث فى سبتمبر 2001 ، ولو استطاع لقتل أكثر حتى يكون ثوابه أكبر ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، إنها كوميديا سوداء تدمى الكبد وتحرق القلب وتحشرج النفس ألما ووجعا على مصر وشبابها الذين هم وحدهم رصيدها ولا رصيد غيرهم ، فإن ذهبوا فقد ذهبت معهم مصرنا ، واللهم لا حول ولا قوة إلا بك يا حنّان يا منّان.

«أنظر لمصر بشفقة».. هذا كان نداء المصرى القديم لربه فى الملمات. إن هذا الشاب المتفجر وياويلتنا على أهله وعلى أمثاله من شباب كنا ننتظرهم منجزين منتجين مخترعين مكتشفين مبهجين ، قد قرر اختصار الطريق واللحاق بسابقيه من شهداء الحادى عشر من سبتمبر وشهداء الفلوجة وشهداء السعودية واليمن والشيشان وكشمير وأفغانستان وقطر والمغرب ، أراد أن يحضر الزفة السماوية جماعة ، وهم إن ذهبوا فرادى ، أو ذهبوا جماعات فكلهم حافظ للقرآن ومن خير التقاة ، مصل متوضئ ، كلهم يؤمنون بأن ما يفعلون هو فى سبيل الله ، وأنه كلما كان عدد القتلى أكبر كان رضى الرحمن أعظم ، وكانت سعادته أكثر. إن هذا المتفجر هو ثمرة فى شجرة يقولون له أن أصلها ثابت وفرعها فى السماء ، هو إنتاج ثقافة هدفها الأوحد إرضاء الله حتى لو شربوا البول تصديقا وإثباتا لهذا التصديق ، هدفها إرضاء الله بموجب فقه الجهاد بسفك الدماء البريئة ، بعضنا شارك فى صنع هذه الثقافة بصمت الخصيان ، وبعضنا شارك فيها بالصمت السعيد مشاركا ، ولكن بتقية تساند بالقلب وتستنكر فى العلن ، فالمتفجر شارك بيده ، والمفكر الإسلامى يشارك بقلبه ولسانه إن أمكن ، أو الاكتفاء بالقلب وهذا أضعف الإيمان ، حتى لا تسمعه أمريكا والعالم الحر فيخسفون به الأرض خسفا ، هو ومن يؤويه ، وصاحبته وبنيه.

إن أمريكا لا تمانع فى القتل ، ولكن من غير شعبها ، وفى سبيل مصالح شعبها ومكاسبه ، أو فى سبيل نشر الديمقراطية كى لا تفرز لها شعوبنا إرهابا ، ولكنه فى النهاية كله قتل ، وكله فى سبيل المصالح ، لكن أمريكا أو أية دولة فى العالم الحر ترفض أن تقتل فى سبيل الله ، لأنها ترفض تلويث الطريق إلى الله بدم عباد الله ، إنها لا ترى مشكلة فى أن يكون الطريق إلى الديمقراطية والحرية مخضبا بالدماء ، فقد قال التاريخ وأكد أنه الثمن الضرورى للحرية ، إنه سفك دماء فى سبيل الدنيا ولهوها وسعادتها وترفها وفرحها ، لكنهم لا يقتلون أبدا فى سبيل الله ، لأن سبيل الله بالضرورة لابد أن يكون طاهرا وغير ملوث بدماء الأبرياء ، لأن الله ليس رب دماء ، وهذا ما كان اعتقاد إنسان العصر الحجرى ، وما كان قبله من عصور ، وكان اعتقاد تلك الكـــائنات البدائية أن الله لا يرضى عنهم إلا بأضاحٍ بشرية منهم تقدم إليه مذبوحة أو محروقة ليهدأ غضبه ، وكان آخر ذبح من هذا اللون هو زمن أبى الأنبياء إبراهيم ، الذى أعلن الله من خلال تجربته مع ولده أن اليوم ليس كالأمس الوثنى ، وتم الدرس فى فداء ولد إبراهيم بالكبش إعلانا عن إنهاء زمن الأضاحى البشرية.

لقد تعلم هذا المتفجر ثقافة الفتح والقتل والسبى وركوب النساء دنيا وآخرة فى متعة أبدية ، تعلم هذا فى بلاده ، علمه له التليفزيون ، علمه له الكتاب فى المدرسة ، علمه له المسجد ، لكن بلاده غاب عنها أن تعلمه ما كان فى وعائها الحضارى القديم ، عندما كان المصرى يبتهل إلى ربه قائلا:

«إنى لم أتسبب فى بكاء أى إنسان. إنى لم أرتكب القتل. إنى لم أحرض على القتل. إنى لم أسبب التعاسة لأى إنسان. إنى لم أرتكب الزنى».

لم تقل ثقافة المصرى لشبابها وهى تعلمهم هذه النصوص الفرق بين البشر ، بل جمعت الناس كلهم فى عبارة متكررة «أى إنسان». واستبشعت القتل مع «أى إنسان» ، بينما المتفجر تعلم ثقافة تفرق بين دم المسلم وغيره ، وتحرضه على القتل وتبيحه له مع من خالفنا مذهبا أو دينا ، ولم تقل «إنى لم أرتكب الزنى» على إطلاقه لأنه من الزنى ما هو مباح مع نساء الأعداء. أين ترون مشايخنا قد ذهبوا بنا؟ لقد ذهبوا بنا إلى زمن أبعد إلى الوراء من الزمن الفرعونى ، لقد ذهبوا بنا إلى زمن الأضاحى البشرية للآلهة الوثنية التى لا ترضى إلا بالدم ، لقد ذهبوا بنا إلى العصر الحجرى.

نشرت فى روزاليوسف 17 أبريل 2005

أي فخر يا عراق؟

72% من العراقيين ذهبوا يجودوا بأرواحهم عند صناديق الاقتراع ، بعد تهديدات قاعدة الزرقاوي بالعراق وتنفيذها عمليا كشهادات مقدما لما كان يمكن حدوثه عند صناديق الاقتراع ، ومع ذلك قرر 72% من العراقيين أن يجودوا بأنفسهم؟ لماذا؟

هنا ستكون الإجابة اللطمة لكل القومجية والإسلامجية ومشايخ فتاوي الدم والكراهية.

لقد قرر العراقيون أن يقولوا نعم للحرية ، نعم للتحرر من نظام الديكتاتورية البائد ، ونعم للتحرر من رقبة أصحاب النصوص الدموية ، الذين أصابهم الدم البرئ وديكتاتورية المذاهب ، وديكتاتورية الدين ، وديكتاتورية الطوائف ، وديكتاتورية المذاهب ، وديكتاتورية الدين ، وديكتاتورية رجال الدين ، لقد قالوا لكل المتشنجين في بلادنا تأييدا للمقاومة العراقية الدموية الفاشية :

ألا تستحون اليوم؟

ألا يندي جبينكم بعرق العار؟

لقد قلتم أنها مقاومة وطنية ، رغم كل ألوان الذبائح ، رغم الذبائح المصرية في العراق التي ما عادت تحرك في المصري تخوته التاريخية نحو أهله ، بعد أن سرقت منه عواطف المواطنة ، عواطف أخرى مفتوحه على عالم من البوسنة إلى الشيشان إلى طهران إلى السودان إلى كشمير ، ألا ترون أين المصيبة ، لقد باع المصري المصري عندما أتخذ قرارا بتصديق المقاومة العراقية أن أخيه المقتول كان يتعاون مع الأمريكان؟ أبدا لم يشغلهم لماذا سافر المصري ، وما الذي دفعه إلى أتون معركة غير شريفة ، ليعمل حمالا أو سائقا لشركة من الشركات . لم يفكر المصري وهو يرى أخيه مذبوحا في العراق بشأن معنى المقاومة ، إزاء الكراهية التي تملكته بفضل مثقفينا القوميين ومشايخنا الرسميين وغير الرسميين ، ومن إعلامنا ، وتعليمنا ، الذي انحرف عن مصريته الأساسية كمركز ثقل مفترض لأي ولاءات أخرى ، فضاعت من قدمية الطريق بين فوضى الولاءات؟

إن المقاومة كعمل عسكري يهدف إلى مصلحة الوطن والمواطنين ، كي توصف بأنها وطنية ، لابد أن تقرها كل أطياف ومفردات الوطن التشكيكية . وهي بهذا المعنى مساحة لتباري أبناء الوطن في كسب شرف الدفاع عنه ضد أجنبي يهتك تراب أرضه "نعم هذه هي المقاومة الوطنية.

لكن إذا كان هذا الأجنبي موجودا على تراب الوطن بقبول من هذا الوطن وتراض الطرفين تحددة أطراف قانونية بروتوكولية وتحكمه ، كما في اليابان وشرقي آسيا ، أو كما سوريا في لبنان ، إذا كان الأمر كذلك ، فسيتحول مفهوم المقاومة تحولا جذريا ، لأن المبادرة بأعمال عسكرية ضد الأجنبي الموجود في أرض الوطن باتفاق مع الوطن ، ستكون أعمالا ضد الوطن والمواطنين ، عمل مجرم في حق الوطن كله .

وإذا كان شعب العراق قد قال نعم الانتخابات الحرة ، فقد قال لا لكل مقاطعي الانتخابات ، وقال لا تقاطعي الرقاب ، وسحب عما ظلوا ليسمونه مقاومة ، مظلة الشرعية ، ولم تعد مقاومة وطنية كما أحب عناترنا تسميتها ، لأن الإجماع الوطني العراقي قد انعقد على اعتبار القوات الأمريكية في أرضه قوات صديقة وحليفة ومساعدة ، ون الاعتداء عليها هو اعتداء على إرادة الوطن .

ألا ترون أين فخر العراق؟ ألا ترون حجم النضج السياسي والوطني بعد سنوات قد طويل تباعدى بهم بمسافات عن الشعارات الضخمة الفخمة التي طالما كانت الطريق المستديم إلى الهزائم العربية التليدة؟

ألا ترون العراق اليوم رغم تكالب كل الفضائيات الإسلامية (والعربية بالأخص) على أكل لحم أخيهم جريحا قبل حتى أن يموت؟ رغم فنونهم الباهرة في قنواتهم القومية والإسلامية ، واستيلاد هذه القنوات لمزيد من مشايخ الكراهية والدم وتحفيز المزيد من الشباب للقتال والقتل ، ورغم استيلائهم في كل بلاد المسلمين على عقول المسلمين من على منابر الوعظ والإرشاد في مساجد المسلمين ، كل هذا الحشد من أشباح الماضي الكريه اجتمع بكل فنونه ضد العراق لكنهم جميعا فشلوا في إقناع المواطن العراقي بأنفسهم ، لأنهم شاهدوهم بأعينهم ، وسالت دماؤهم ضريبة زكية اليقين ، للخلاص من كل ألوان الفاشية ، أرضية كانت أم سماوية.

ورغم المتفجرات ، ورغم الذبائح البشرية على قربان الكراهية ، ورغم أعمال الخطف ، رفض العراقي أن يرضخ لهم بعد أن وجد النور طريقه عبر الثقب في جدار الظلمة الذي طالما حلم به ، وشاهده ، وعاينه ، لذلك رفض أن يعود إلى ما هو وراء التاريخ.

لقد قرر العراق أن يأخذ حظه من الدنيا بعد عذابات تنوء بها الجبال الرواسي . لقد اختار العراق المستقبل ورفض الماضي ، اختار العقل ورفض الخرافة ، اختار أن يكون عمليا لأبعد مدى في فعله ، على أن يكون مفعولا به طوال الوقت ، لقد اختار العراق أن يبصق في وجه كل ذيول الفاشية العربية بصقة من نوع ثقيل العيار لأول مرة في تاريخهم عبر انتخابات حقيقية في أرض العربان ، بصقة الأطهار على وجوه المتكهنين والأحبار من قومجية وإسلامجية طالما ساندوا الدكتاتور ضد شعبه ، إن العراق سعيد بهزيمتهم ونحن معه في سعادته نهيم به وجدا ، وبشعبه اعتزازا وبناسه احتراما لهذا الحجم من التعقل والتروي في ظل ظروف عاتية عبثية ، ولهذا الحجم من استيعاب الموقف ، ولهذا الحجم من الاتفاق على القرار النهائي . ماهو يا ترى موقف المقاومة وموقف الناجين من قصورهم معها؟ هل ستظل مقاومة شرعية وطنية؟ أم لابد أن تتحول اليوم وفورا إى إدانتها باعتبارها اعمالا إرهابية ، من كل النباحين والمستثمرين وتجار كوارثنا وأهل الكوبونات النفطية ، ومن صحفنا وإعلامنا على كل هؤلاء اليوم إن كانوا ابناء هذه البلاد حقا وينتمون إلى تلك الأمة صدقا أن يقدموا اعتذارا تاريخيا يرضى شعب العراق .

لقد أعلن العراقيون إسقاط صفة الوطنية عما يسمونه المقاومة المسلحة ، لتتحول إلى إرهاب فصيح صريح بقرار شعبي عارم .

إن المقاومة الحقيقية اليوم لا تفرض نفسها على ابناء الوطن بالقوة ، إنما هى إرهاب وعليها أن تحل نفسها بنفسها بعد أن قال الشعب حكمته ، فإن استمرت فستكون هي الغزو الخارجي المتحالف مع تمرد داخلي ، لن يقف فيه العراق وحده مع دول التحالف وكفى ، إنما سيقف فيه كل العالم مع العراق ضد الإرهاب ستكون المقاومة اليوم هي مقاومة الوطن كله ضد جماعات إرهابية داخل الوطن ، وقد بدأ الشعب العراقي هذه المقاومة الشريفة بصناديق الاقتراع المعمدة بالدم .

ثم ماذا الآن عن مشايخنا العتاة وفتاواهم الأكثر عتوا بشأن المقاومة في العراق؟ ماذا عن موقف قرضاوي الديمقراطي بعد أن قال له العراقيون الزم حدك وقف عندك ولا تتدخل في شأننا وبمقاييس ما بعد قيام العراق الحر عندما تبدأ تصفية الحسابات ترى هل سيكون مصير مولانا أفضل من مصير ميلوسيفيتش؟ ألا تخطر الآن لسادتنا فقهاء الدم وعناترة العروبة المأسوف عليها أن الدنيا قد أصبحت غير الدنيا ، وأن عليهم أن يقدموا كل ما يمكنهم من أسف على ما قدما أيديهم في حق العراق؟ وأن يكفوا عنا حتى يمكن لشعوبنا أن ترى الطريق .

وإن أي موقف غير ذلك سيكون هو إعلان الخيانة كاملة المواصفات . وأن أي تأييد لأي عمل إرهابي في العراق هو جريمة لن تكفيها تبريرات كل كتب الفقة والتاريخ والنخوة أو بالأحرى النخعة العربية .

لقد اختار العراق دولة المؤسسات وسيادة القانون ، وستساعده كل دول العالم إذا ما عبث بهذا الشأن عابث ، هذا كله في واد ، وجماعة القاعدة في واد آخر ، لازالت جماعة القاعدة تعتمد حديث الفرقة الناجية من بين الثلاث وسبعين ، وضلال بقية الفرق الذي يستدعي النجدة الإسلامية بقتال وقتل أهل الفرق الضالة ، وعلى رأسها تقف طائفة الشيعة الإمامية في للعراق ، الذين يحلو للسنة الوهابية بتسميتهم (الرافضة) ، وفي حال استمرار إرهاب القاعدة ، فإنه سيكون بمثابة إشعال متفجرات الإثنيات العراقية ، وهو مكمن خطر عظيم يدين صاحبه أمام العباد وأمام رب العباد.

أما العراقيون فقد قرأوا حديث الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين كلها ضاله في النار قراءة أخرى. لأنه من بين هذه الفرق المتصارعة من سيكون حكما نزيها للحكم بينها؟ أيها الضالة وأيها الناجية؟ ولا يصح لفرقة إن تفئت على الله وتعين نفسها ناجية لمجرد أنها كانت حليف السلطان التاريخي يتبادلان (الفقية والسلطان )، الشرعية دون أي دورللشعب في المسألة أصلا.

عندما قرآ العراقيون حديث الفرق الثلاث وسبعين ، قرروا أن يكون الحكم بين هذه الفرق ، أن يكونوا فرقة ثالثة لإقامة العدل ، وأن الفرقة الثالثة هذه هي شعب العراق الذي قال كلمته ، وهو من سيفعل هذا الشأن .

لقد قررا العراقيون أن يقدموا فهما جديدا لشئون قديمة ، رفضوا طاعة مشايخ الكراهية بحسبان عدم شرعية الحكومة المؤقتة ، وأن المشايخ في هذه الحال يصبحون هم شرعا "أولى الأمر منا" .

لأن العراقيون قد رأوا بأم أعينهم أن الرسول لم يكن معهم وهم يذبحون وتتلى عليهم "واطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ولأنهم عرفوا أنه لا طاعة بعد موت الرسول وانقطاع الوحي لمن يرشحون أنفسهم لمنصبه الخالي ويعينون أنفسهم مشايخ على المسلمين أو سلاطين على العباد ، إنما الطاعة لمن يرشحون أنفسهم نوابا للشعب ، وينتخبهم الشعب صاحب المصلحة وهو صاحب القرار وهو من وجبت طاعته اليوم .

لكن عملاء الكراهية التاريخيين بمهدون بشكل غير شريف بحكاية الفئة الباغية ، إذا اقتتلت طائفتان من المسلمين ، وما إذا بغت إحداهما "فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله". توطئة فيما يبدو لتبرير استمرار الإرهاب ، لكون الإرهاب قد عين نفسه لمقاتله الفرقة التي بغت أي الشعب العراقي كله .

لقد عرف العراق سلفا أن الخطاب هنا ليس موجها فقط للمتقاتلين ، إنما لفرقة ثالثة هي التي ستقاتل البغاة لإقامة العدل ، فرقة مهمتها الحكم وقدرة الدفاع عما تصدره من أحكام ، إن هذه الفرقة هي الشعب العراقي الذي ذهب يقيم عرسه التاريخي ليحكم في بلاده ، ويقاتل أي فرقة تبغي على شقيقاتها في الوطن . لقد عرفت جماهير العراق أن الآية التي سيستخدمونها لذبح العراقيين "فقاتلوا التي تبغي " تحمل شعب العراق مسؤلية حماية مصالحهم وإدارة شئونهم ، والوقوف في وجه الإرهاب وفى وحة رجال الدين الذين يقسمون البلاد فرقا متقاتلة ، وما حدث مرة أن تقاتلوا لصالح الدين ، بقدر ما كانت دوافعهم هي الشهوات الثلاث .

لقد عرف العراقيون أن من سيحدد الباغي هو الأمة الغائبة على مدار التاريخ الإسلامي ، غابت الأمة وحكم الوحي زمن الدعوة ، وغابت الأمة وحكم الخلفاء بالعصبية القبلية والسابقة في الإسلام زمن الراشدين ، وغابت الأمة منذ معاوية حتى أحدث حاكم مسلم اليوم ، وكم ظهرت فرق فأبيدت ، ولم يبق منها سوى السنة والشيعة ، ولم يحل دون إبادتهما سوى أن لهما أوطان ، وإحداهما عادة ما تضطهد إن وجدت في وطن الأخرى ، وفي ظرف كهذا وتاريخ كهذا فإن استمرار ثقافة القبيلة ، واستمرار الإعلام العربي والإسلامي على موقفه من العراق ، فهو ما يعني رغبة فى وأد العراق الجديد الذي يولد الآن ، عراق لم يعد بحاجة لخبراتنا الفنية في العروبه ، ولا تضلعنا في الدين وأصوله السنية بقدر ما هو بحاجة إلى كف أذانا عنه .

نشرت فى روز اليوسف

تعالى إلي يا أخي الحبيب

في 1/6/2004 قدمت قناة الجزيرة لقاء بين الشيخ (مصطفى تسير يتش) مفتي البوسنة العام وبين رئيس مركز التنوير الإسلامي بالقاهرة (أبو إسلام أحمد عبد الله) حول جدوى الحوار بين الأديان ، وهي حلقة كارثة بكل المقاييس في ظل أوضاع المسلمين اليوم إزاء العالم كله.

كان رمز الشر فيها هذا الـ(أبو إسلام) ، وبقدر ما أساء إلى نفسه وهو بها جدير ، بقدر ما أساء إلى قضية الإسلام وإلى المسلمين جميعا ، وقدم للعالم كل الأدلة الممكنة على إرهاب الإسلام والمسلمين ، متحدثا بلغة المنتصر التاريخي الذي يملك كل القدرات الاقتصادية والعسكرية ، ليحدث العالم ليس من أجل مزيد من التحضر والرفعة للعالم وللمسلمين ، ولكن من أجل الكراهية والدمار.

وهو الأمر الذي مهد له الدكتور فيصل القاسم في اتجاهه المعاكس بقوله:

"صحيح إن الصراع بين الإسلام والمسيحية وصل إعلى درجاته أثناء الحروب الصليبية لكن هل يقل الوضع الحالي خطورة ؟ إلا يعتبر ملايين المسلمين الاجتياح الأمريكي للمنطقة العربية امتدادا للحروب الدينية ؟ ما هي قائدة الحوار بين الأديان في هذا الوقت إذن ؟ .. كيف تتحاور مع أتباع ديانة لا يعترفون بدينك أصلا كما هو الحال مع المسيحيين .. لكن في المقابل .. ألم يحاور الله عز وجل إبليس ؟ فماذا نخشى الحوار مع تلامذة إبليس كما تساءل شيخ الأزهر؟".

ولا تصل خطورة خطاب صاحب مركز التنوير الإسلامي إلى هذا المستوى الدولي وبلدانه الكبرى كفيلة به ، لكن خطورته تمتد إلى بلاد يعيش فيها المسيحيون مواطنون إلى جوار المسلمين كما في أكثر من بلد في عالمنا العربي والعالم المسمى بالإسلامي ، وما يمثله من تهديد لأمننا وسلامة بلادنا وتماسكها الداخلي في زمن أزمة دولية طاحنة لم تشهدها بلادنا من قبل .. ولا نعلم كيف توافق أجهزة الدولة في بلادنا على إعطاء التراخيص لإنشاء هذه المراكز الإرهابية بينما ترفض الموافقة على قيام مراكز للداعين للمجتمع المدني؟

وهل يعلم المسئولون عن أمننا الداخلي والقومي ما يفعله هذا الـ(أبو إسلام) وأشباهه؟ .. تعالوا إذن نطالع معا بعضا مما حدث في هذا اللقاء المشئوم تقصيا لحقيقة مركز التنوير الإسلامي ومساحات النور التي ينشرها في الوطن تأسيسا على ما قدمه وقاله بلسانه .

وبداية لنا على تقديم الدكتور القاسم في البدء تساءلات :

لماذا الربط الدائم بين كل صدام أو حتى تلامس بين بلادنا والغرب ، وبين الحروب الصليبية؟

إن العودة إل فخاخ التاريخ بحثا عن مبرر للكراهية سلاح ذو حديثن ، فنحن بدورنا لم نكن ملائكة ، وما حدث في الحرب ليس فيلم صلاح الدين ، ولم يكن صلاح الدين هو أحمد مظهر ، والمتخصصون يعلمون جيدا أنها كانت حربا طاحنة على الطرفين ، وأنها لم تتجه ضد المسلمين وحدهم بل ضد العرب جميعا ، بدليل المحارق النازية ، فهذه هي حروب الكراهية.

واتجهت الحرب ضد العرب المسلمين ويهود ومسيحيين ، لأنها كانت غزوا لا يفرق بين المواطنين ماداموا عربا ، لأن العرب حسب النظرية الأساسية للحرب قد احتلوا المقدسات المسيحية وأرضها عند الفتوح الإسلامية ، وعانى الحجاج الأوربيون المسيحيون من سياسات خرقاء خاصة أيام السلاجقة مما دفع أوروبا للدفاع عن المقدسات المسيحية لاستردادها من أيدي العرب الغزاة وهو أمر في ذلك الزمان طبيعي تماما ، بل يمكن أن يكون طبيعيا في زماننا إذا سألنا أنفسنا ماذا لو احتل غاز أرض الحرمين واستولى عليها ؟ ثم ألم يدخل العرب الحروب المقدسة المتتالية من أجل تحرير الأرض المقدسة في فلسطين؟

وماذا لو انتصرت جيوش العرب ودخلت تل أبيب كما وعدنا أحمد سعيد أول يوم لحرب الخامس من يونيو 67 المشئومة؟ إن منطق الحرب هو هو في كل زمان ، كل ما في الأمر أن الأمم ترتقي أخلاقها بمرور السنين فتقل الهفوات الأخلاقية قدر الإمكان مع التقدم الحقوقي الإنساني .

ويضيف الربط الدائم بين الحروب الصليبية وكل حدث جديد شرخا جديدا في جدار الوطن.

وأمريكا ليست مسيحية بل هي خليط من الأجناس والأعراق والملل والأديان فيها الأسود والأبيض والأصفر والمسلم والمسيحي واليهودي والسيخي والبوذي واللا ديني أيضا.

والربط بين الحروب الصليبية وبين أحداث اليوم هو محاولة لإسباغ الشرعية على الإرهاب الإسلامي المتطرف الذي كان وراء ما يحدث الآن بغباء تاريخي مشهور منذ السلاجقة وما قبل السلاجقة ، لتسويغ الإرهاب من جانب ، والوقوف ضد أي محاولة للإصلاح الداخلي باعتبارها سيرا في ركاب المعتدي وعمالة له وكفرا بالإسلام من جانب آخر ، لأنه مع إصلاح حقيقي صادق ستختفي هذه اللغة وتلك المفاهيم ويخرج أصحابها من ساحة الفعل إن شاء الله إلى غير رجعة .

ثم نأتي للسؤال المفخخ المطروح من مقدم البرنامج : "ما فائدة الحوار بين الأديان في هذا الوقت بالذات"؟ .. وتعبير "في هذا الوقت بالذات" مقصود لتسلل إلى الذهن فكرة المؤامرة في ظرف صعب ، وأن وراء الأكمة ما وراءها في الدعوة لهذا الحوار .

رغم أن الحوار مطلوب في كل وقت وفي كل ظرف مادام ممكنا لتقليل من مخاطر الظروف الصعبة وتقريب وجهات النظر على مساحات مشتركة من التفاهم الإنساني. خاصة وأن المسلمين لا يعلمون شيئا عن ديانات غيرهم ولا يدرسونها في معاهدهم كما هي في واقعها ، وإن درسوها يدرسونها من وجهة نظر الإسلام ورأيه فيها . بينما المسيحيون في بلادنا يعلمون كل شيء عن الإسلام في الإعلام والتعليم الذي يعلم الجميع الإسلام إجباريا ، يظل المسلمون في حالة جهل مطبق بعقيدة إخوانهم في الوطن ، فهي كفر بالله وشرك وتثليث وكفى بذلك سبيلا . رغم ما في الأناجيل بوضعها الحالي الذي يتهمه المسلمون بالتحريف من خلق رفيع وحض نادر المثال على المحبة بين الناس سواء كانوا مسيحيين أو غير مسيحيين ، وهو أرض صالحة لمشتركات الحوار بين المسيحية وأي دين آخر ، يمكن استثمارها في هذا الحوار المطلوب لصالح المسلمين بدلا من نفيها وتجريحها وتكفيرها وإقصائها بعقلية التعصب الأبله الذي طالما خسرنا بسببه قضايانا حتى صرنا بين العالمين مضرب المثل في خسارة قضايانا وأرضنا وكرامتنا .

ويبقى السوال التحريضي والغبي في الوقت نفسه:

كيف تتحاور مع أتباع ديانة لا يعترفون بدينك أصلا كما هو الحال مع المسيحية ؟

(لاحظ دائما : المسيحية ؟! كما لو كانت بقية الأديان تعترف بدين الإسلام وإذا كان هناك أتباع ديانة في العالم تعترف بدين الإسلام فمعناه أنهم قد أصبحوا مسلمين .. أليس ذلك الطرح معبرا عن مدى غباء العقل العربي الإسلامي؟) . وهل مقصد الحوار أن ينتصر المسلمون أو يسلم المسيحيون ؟ لقد ذهب المتحاورون الأجلاء الكبار القاعدون على صدرونا المالئون شاشات التلفزة في بلادنا إلى الحوار بهذه العقلية ، حتى عاد مفتي البلاد المصرية مهللا بما حققه من انتصارات للإسلام وكيف محق المحاورين ، وعاد قرضاوي ليعلن : "يجب ألايستمر الحوار والمسيحيون لأنهم لا يعترفون بالدين الإسلامي". كما لو كنا نحن قد اعترافنا لهم بدينهم المسيحي. نحن نعترف بدين مسيحي لا يعرف المسيحيون عنه شيئا ولم يسمعوا به ، ونتخذ من ذلك ذريعة أننا نعترف بدينهم وهم لا يعترفون بديننا مطالبيين العالم أن يكون بقدر غبائنا ليبتلع هذا الفهم العسير ويهضمه.

بينما الحقيقة أننا نكفر المسيحية علنا وكل أتباعها ونعتبرهم (الضالين) ونطالبهم بالعودة إلى المسيحية النقية كما قالها الإسلام ومن ثم إلى الإسلام؟ ونشتد عليهم في النكير لأنهم لم يعترفوا ببشرى عيسى "نبي من بعدي اسمه أحمد" وليس لديهم في أناجيلهم لا أحمد ولا مصطفى ولا محمود ولا طه ولا ياسين ، وليسوا مسئولين عن فهمنا وطرحنا ، وليسوا مسئولين أيضا عن تاريخ نعتقده صادقا وأنهم خرجوا عليه ويعتقدونه غير صحيح ، لأنه لا دليل واحد عليه عندهم سوى كلامنا نحن ويبقى المعنى إما أن تعترفوا برأينا فيكم باعتباركم كفره ضالين أو لا حوار .. هذا ما يقوله العلامة البحر الفهامة (قرضاوي) عا فاه الله وأحسن له خاتمته . غير فاهم فضيلته أن مجرد جلوس المتحاورين على مائدة واحدة ، هو اعتراف كل منهم بحق الآخر في الوجود وفي اعتقاد ما شاء وفي الاختلاف حسب المنطق الليبرالي الذي أصبح علكة هذه الأيام في فم قرضاوي دون أن يفهم أسسه وقواعده البسيطة الأولية الابتدائية.

والغريب أن المحترم (أبو إسلام) كان يبدأ كل فقرة حوارية لمناظرة بعبارة "يا أخي الحبيب" معبرا عن مدى السماحة واللطافة ، ليردفها بالسباب والقذف والتصغير والتهوين من شأن محدثه المسلم مفتي البوسنة العام ، ومن شأن الدين المسيحي وكل المسيحيين في الأرض. بينما كان السيد المفتي على درحة عالية من الأدب والتهذيب تليق بداعية مسلم في بلاد تحتاجه وتحتاج إلى دعوته وحواره ، بينما يجلس بيننا السيد أبو إسلام يدعونا هنا إلى إسلامه الإرهابي ، ولذلك وتفعيلا لسنته في الحوار نقول له : "تعالى إلى يا أخي الحبيب" لنناقش ما قال كما فعل هو فكان وجها منفرا للمسلم قبل غير المسلم .

و (أبو إسلام) لقب أطلقه المحترم على نفسه ، يبدو أنه مستمد من ابن لة اسمه إسلام ، حتى يكتسب المهابة كحارس للإسلام بل قل هو أبو الإسلام نفسه. ويبدأ أبو إسلام حديثه بتوضيح المصطلحات التي سيستخدمها في حديثه إزاء المسيحيين بقوله اللبيب : "إن لفطه الكقر إذا خرجت مني فهي شهادة مني للكافر أنه صحيح على دينه وليست مذمة ولست مكفراتي كما يروجون عني عندما أقول للصليبي أنت كافر .. وقد يرد على لساني صفة أهل الصليب وأنا لا أجد فيها أيضا مذمه لأنها صفة ومسمى بشئ غال عندهم يحبونه ويعبدونه ويقدسونه .. يقول الألوسي دينكم الباطل ولي دين ، دين الحق . هذا هو الفيصل في أن نقول إن هناك حوارا : تعالوا إلى كلمة سواء ألا نعبد إلا الله وأن محمدارسول الله هذا شرط الحوار" .

هل تسمع يا وزير الداخلية ؟ هل تسمعي يا حكومة؟ هل تسمعون يا مسلمين ؟ ..

بهذا الاصطلاح التمهيدي سنخاطب إخواننا في الوطن .. تخرج في الصباح فتقابل جارك المسيحي فتقول له : لا سلام عليكم يا كافر ، فيرد عليك التحية بأحسن منها : صباح الهباب يا ملعون .. وبعدها يعيش أبو إسلام وأشباهه سعادة مرأى الدم في الشوارع وأهل الوطن يذبخون بعضهم بعضا .. هيه مصر ناقصاك يا أبو إسلام؟

نتابع المكفراتي المنوراتي صاحب مركز التنوير؟ ليلقي بأسوأ ما سمعت أذن وأحط ما رأت عين دون ذرة خجل واحدة مما يسوق من اتهامات وأكاذيب بحق إخواننا وأهلنا وأحبابنا وأبناء وطننا شاء من شاء وأبى من أبى قائلا : لكي أحاور آخر لابد أن تكون هناك أرضية مشتركة للحوار ، نتحاور على ماذا؟ على عقيدة وشريعة؟ الشريعة عندي كاملة وتامة وعندة مستدعاة من دين سابق . العقيدة عنده مخالفة تماما ، العقيدة عندي الله واحد تساوي واحد ، أما العقيدة عنده واحد زائد واحد تساوي واحد ، فيها مشكلة ومعضلة. أنا أؤمن بالإنجيل وهو لا يؤمن بالقرآن ، أنا أؤمن بعيسى وهو لا يؤمن بمحمد ، أنا أنزه الله عن التجسد وهو ينزله إلى مرتبة الإنسان الذي يأكل ويتبرز (أنظر قارئي إلى مستولا الأدب في الداعية المنوراتي). أنا أنزه مريم عن كل اتهام وهو يضعها موطن شبهة .. أنا ملتزم بضوابط القتال والدفاع عن النفس والدعوة إلى الله وهو يرفع شعارات السلام ليذبحني باسم يسوع الرب . أنا ادعو النساء إلى الفضيلة وأحرم الخمر وهو يدعو للحرية النسوية ويقدس شرب الخمر. أنا مأمور بالإحسان لهذا النصراني ولم يمنعني الإسلام من مصاهرته .. أما هم فلا يمكن أن يقبلوا هذا" .

وبغض النظر عن سوء الفهم الفاحش عند أبو إسلام حول الديانة المسيحية عن جهل يبدو متعمدا أو هو تجهيل وتنفير لا يستحق عناء المناقشة هنا فللمسيحية أهلها وأقدر على طرحها وشرحها ، فقط أعلق على ما تعلق بالإسلام في حديثه لعله يرعوي ويتهذب ، لأن التكفير بدروه سلاح ذو حدين يرتد على صاحبه ، وللأسف على دين صاحبه.

فالمعلوم لكل باحث في الإسلام انه قد استمد معظم شرائعه إن لم يكن كلها من شرائع العرب قبل الإسلام بعد أن هذب بعضها القليل جدا وشذ به لأنه ما كان ممكنا نقل شعب بكامله إلى شرائع لا يعرفها أو تناقض ما ألفه (انظر بهذا الخصوص كتاب الشيخ خليل عبد الكريم حول جذور الشريعة الإسلامية) .

والعقيدة المختلف عليها أمر مسلم به وإلا أصبح كل الناس أمة واحدة وديانة واحدة وهو ما لا يتفق ومشيئة الله ولذلك خلقهم ، فلا سبيل هنا للسخرية من عقائد الآخرين ، لأن لدينا الكثير في تراثنا يستحق منهم السخرية بينما هو عقائد عزيزة علينا ونؤمن بها عن يقين كالتداوي ببول الجمل ، وناقة صالح التي ولدتها صخرة ، والحصان الطائر المعروف بالبراق ، وهي أمور محل اعتقاد وإيمان لا محل فحص منطقي وعقلي ، وفي كل الديانات عقائد تبدو غير مقبولة للآخرين .

أما إيماننا بالإنجيل فهو إيمان بإنجيل تنزل على المسيح وحيا وهو ما لايعرفه المسيحيون في عقيدتهم ، لأن الأناجيل تقف عندهم موقف الحديث عندنا فهي أقوال فالها المسيح ودونها عنه تلامذته على اختلاف بسيط هنا أو هناك كاختلاف نص رواية الحديث في لإسلام.

وكوننا ننزه الله فإن السنة والسيد أبو إسلام منهم يجسدون الله ويرون له يدا وبصرا وأنه يجلس على عرض تحمله الملائكة ..إلخ وهو ما اختلف فيه معهم المعتزلة تنزيها لله فكفرهم أهل السنة لهذا التنزيه ، وكون المسحية قد أنسنت الإله فإن هذه الإنسنه في كثير من الفلسفات اقتراب رباني من العباد وتواضع إلهي بغرض خلاص المؤمن.

وفي النهاية هي عقيدة لا تجبر أحدا على اعتناقها ولا تقتل من يرفضها ويخرج عليها.

ولم يضع المسيحيون السيدة مريم موضع شبهة يوما ، بل أطلقوا عليها (أم النور) ترميزا لحملها بالسيد المسيح.

ودعوتهم للحرية النسوية كلها ندعو بها اليوم لاعتقادنا أنها دعوة راقية ومحترمة . والمسيحية لا تقدس شرب الخمر إنما ترمز بنبيذ غير مختمر لدم المسيح في طقس المناولة ، كما أن الإسلام لم ينصح باجتتاب الخمر إلا متأخرا بعد أن شربه جميع الصحابة الأكارم ، ولم يكن محرما في شرائع لله عند الأنبياء السابقين والإسلام سمح لنا بالزواج من المسيحيات لأننا من سيركب ، ولم يسح بالعكس .

أما شرط أبو إسلام للحوار أن يشهد المسيحيون بشهادة الإسلام ، فهو إرهاب فصيح وطريقته في الدعوة لا تترك سبيلا إلى الإسلام ، وساعة يشهدون بشهادة الإسلام فلماذا الحوار إذن؟ هنا حاول مفتي البوسنة بأدب جم أن يشرح لأبي إسلام أنهم هم من يدعوننا إلى الحوار رغم ما يملكون من قوة ورغم ما نحن فيه من ضعف ، وأن بابا الفاتيكان يرسل له بالنهاني في الأعياد الإسلامية وهو ما يعني "أنه يريد أن يقول إنني أعرف أنك موجود وأنك مسلم وأنا أهنئك" . ترى بماذا رد صاحب مركز التنوير الإسلامي ، قال : "يريد أن يحسن وجهه لديك .. لأنك صاحب الدين الكامل .. هو الذي أتى إليك مهرولا .. وعلى فكرة هو لا يرسل دعواه إلا لمن يحبهم .. فهذه مذمة لك يا مولانا أرجوك أن تتبرأ منها أمامنا الآن بارك الله فيك فأنت عمامة أزهرية.. هو الذي طلب منا الحوار ليبرأ نفسه من النقصان .. لكنه لم يعلن الكفر بيسوع" . وهكذا .. وبهذا المنطق نصبح نحن الكمال إزاء دعوة الحب التي يجب أن ترفضها ونسخر منها ونتعالى عليها حتى يكفروا بيسوع .. لاحظ أنه يتكلم هنا عن الحبر الأعظم وبهذه اللغة شديدة السفه والبلاهة . بينما كان رد مفتي البوسنة البليغ أن المسلمين شيعة وسنة يكفرون بعضهم بعضا ، "والحوار من أجل أن نعيش جميعا في سلام أو لن يعيش أحد في سلام" . ومن جانبي لا أجد تعقيبا غير التساؤل : ترى من سيكون الخاسر لو كان رأي أبو إسلام هو الصواب ؟! لا أكثر الله من أمثالك يا أبو إسلام . روح يا شيخ .. منك لله

نشرت فى روزاليوسف

جنود الرحمن .. والعلم

في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ذات يوم ، أطال أحمد زويل شرح شأن علمي بمنهج علم واضح صارم ، صدمت بعض حقائقه الحواس الدينية للحضور ، كما أنهم حسب موروثهم عن التفوق والبطولة ومخزونهم الثقافي ، لم يشاهدوا في الرجل رأس حربة متقدمة للمسلمين في أمريكا ، ولم يبد عليه أي علامات عنصرية عربية أو طائفية إسلامية ، تؤكد استقواءهم به ولو نفسياً ، لقد حضروا "ليسمعوا من الراجل شيئاً يبل الريق" حتى يستمتعوا بتفوقهم على الكفرة الفجرة.

فجأة ، اكتشف العالم الجليل ما كان يتكلم به الصمت والوجوم التام في القاعة ، وعرف المطلوب منه ، فأنهى محاضرته بقول لا علاقة له بالعلم ، إنما له علاقة بالعواطف وبالعنصر والطائفة ومنهجنا في التفكير ، فقال "و أنا راجل مصري عربي مسلم أولاً وأخيراً" ، وهنا قطعت جهيزة قول كل شاك ومنعت دموع كل حزين ، ونهضت القاعة كلها بالهتاف "الله أكبر" وبالتصفيق الحاد والمستمر الذي أخجل تواضع العالم الجليل المندهش والحزن يملأ عينيه حتى تحجرت دمعة على الجفون رافضة الإفصاح عن نفسها نزولاً ، وأزعم أنها كانت الحزن الهائل على وطنه وبنيه.

نرفض أن نفهم أن أحمد زويل أو أي عالم آخر من أي دين في الدنيا لم ينشغل يوماً بنصرة الدين أو عداوته ، بل ربما كان الدين أبعد ما يكون عن المنشغلين بالكشف العلمي ، لأن مجرد محاولة الكشف هي محاولة كشف سر كان يعتبره المؤمنون ربانياً أو اختراع من شأنه أن يعلي من شأن بني آدم أكثر ويرفه عنه أكثر ويسعده أكثر ، ويمنحه حرية أكثر مما يجعله أكثر سيطرة على الطبيعة ، وهو ما يؤدي إلى عدم اعتماده على الدين ، و كل مساحة يأخذها العلم من الدين تزعجنا وتريبنا وتجعلنا نحمل للعلم كرهاً دفيناً ، رغم حض الإسلام على تحصيل العلم من المهد إلى اللحد ولو في الصين .

أبداً لم ينشغل العلماء بالدين و ليسوا على عداوة مع رجال الدين لأن الدين ليس ضمن مواد بحثهم ، ولا هو أداة مخبرية تساعد على الكشف والاختراع ، ولا هو وسيلة لذلك ، ولا اخترع رجال الدين في بلادنا ولو اختراع واحد نضعه "حصوة في عين اللي ما يصلي على النبي".

بينما يعتبرون أنفسهم العارفين في كل شأن كبر أو صغر ديناً كان أم سياسة أم كيمياء أم فيزياء أم علم اجتماع أم تاريخ ، هم عارفون بالمطلق ، وقد تم تأهيلهم بهذه المعرفة لأنهم جنود الله ، يقولون أي شيء في أي شيء ولابد أن يكون القول صحيحاً حتى لو خالف معلوماً من العلوم بالضرورة ، ولأنهم جنود الله فإنهم من يدافع عن الله وعن دينه ، دون أن يعينهم أحد بشكل رسمي للقيام بهذه المهمة إنما هم من عينوا أنفسهم مشايخ علينا بإعتبارهم جنود الله . مع تذكر أن أحدهم لم يبرز لنا مرة واحدة أي وثيقة تفيد تعيينهم في هذا المنصب . وثالثة الأثافي أنهم جنود مهمتهم الدفاع عن الله الذي قال "إن الله يدافع عن الذين آمنوا" .

أبداً لا يدخل أحد علماء الغرب مختبره وهو يحمل سلفاً رغبة في إكتشاف ما يزعج الدين وأهله ، أو اكتشاف ما يهدم نظرية دينية مقدسة لأنه لو ابتدأ بتوجيه بحثه عن رغبة وهوى فلن يصل مطلقاً إلى أي نتائج علمية يمكن أن تتحول إلى قانون علمي . إن ذلك تفكيرنا نحن وأوهام مشايخنا نحن ، التي تشير إلى أنهم لا يعرفون عن قوانين التفكير العلمي شيئاً ، أوهامهم هي التي تسيء إلى إسلامنا وليس العلم ، فالعالم في الغرب لا يدخل مختبره لكشف عوار الإسلام أو فساد بعضه أو الإنتقاص من الله وقدراته ، مثل ما أثاروه حول قدرة الإنسان على إنزال الغيث بالقدر المحدد في المساحة المحددة في الوقت المطلوب ، أو في معرفة السونار لجنس الجنين ، أو ما أنجزته الهندسة الوراثية لأننا لو سلمنا كما قال شيخ فضائي بأن تلك الكشوف قد تمت ، وتم تعميمها عالمياً وأصبح لها نتائج واضحة ملموسة ، فهو ما يعني انتصار الإنسان على الإله ، وهي النتيجة الضرورية لتصورات شيخ الفضائية ، لأن الكشف تحقق ومعه حيثيات صدقه ، هنا لا يصبح الشأن حراماً وحلالاً إسلامياً لأن العلم ليس له دين ، يصبح الشأن صواباً أو خطأ ، ومن ثم تصبح النظرية الدينية هي الخطأ إذا تعاملنا بمنطق المشايخ . بينما لو سلمنا أن الإيمان شأن والعلم شأن آخر وأقررنا بذلك ، لإحترامنا العلم وحفظنا للدين قدسيته في الوقت نفسه .

عند هذه النتيجة ، يبدأ جنود الرحمن حملتهم ضد الكشوف الحديثة ، حتى يرسخ الكشف أقدامه وينتشر على نطاق واسع ، هنا تدخل مدرسة أخرى لفك الاشتباك لإعادة توفيق أوضاع الدين مع العلم ، فيتم الاعتراف الحزين بالسونار الذي يحدد جنس الجنين ، لكن يبقى لله حق احتكار نفخ الروح في الجنين ، لا أذكر قالوا بعد أربعين يوم من الحمل أو أكثر ، فهو كلام صعب التذكر لأنه ليس علماً . يهتمون هنا بالتحديد لتأكيد أن لله دوراً وهو تفكير لا يصدر عن مؤمن صادق ، بقدر ما هو صادر عن مشايخ ملتاعين يخلطون أي شيء بأي شيء فتكون النتيجة شيء ثالث خاسر.

ناسياً مولانا أن الجنين يتكون من بويضة حية ، وحيوان منوي مخاطر بطل وسباح ماهر يعرف وجهته ، ليدخل البويضة ويستقر هناك ويبدأ التفاعل ، ترى حسب منهج مولانا هل كان لهذا الحيوان المنوي روح أم لا؟

إن منهج جنود الله يضر بديننا ودنيانا أكثر من عالم أو مخترع يقضي وقته في الكيد للإسلام.

نشرت فى الاتحاد الإماراتية

إنه التلفزيون

فـي بعض القنوات الفضائية يستفتي المؤمنون مشايخهم في بعض المسائل الخاصة وأحياناً الخاصة جداً جداً، ويلاحظ أن السائل في المسائل الخاصة جداً جداً عادة مـا يكون سيدة ذات صوت رخيم ودلال فيه خفر وحياء إلا فيما سمح بـه الله خاصة فـي رأي الدين الذي لا حيـاء فيـه.

وهذه إشارة من باب اللطافة لمن يجلسون يترصدون هذه الفتاوى من الشباب المتغول في مراهقته فتتحول الفتوى عن هدفها، ويتحول البرنامج عن غرضه من البث.

و الغريب هنا أن تسمع كل هذا الوضوح والسفور على شاشات ملتحية متحجبة ، وتقرأه بالتفصيل الممل، وكيف يكون شرعياً في الكتب المقررة على تلاميذ وتلميذات في سن الشبق بالمرحلة الثانوية بل وإعدادية في أزهرنا الشريف. ورغم ذلك يجمع أهل الفتاوى التلفزيونية وأهل أزهرنا الشريف على الوقوف صفاً مرصوصاً ضد تدريس الثقافة الجنسية بالمنهج العلمي في مدارسنا، وترك الغول يخرج على استحياء مغناج في استفتاء تلفزيوني هنـا، أو بالحديث عن مجامعة القرد كمفسد للصوم في رمضان في مقررات أزهرنا هناك، أو في جريمة اغتصاب لفتى أو فتاة هنا وهناك، يعلن عنها بين ألوف الحالات التي تمنعها الفضيحة عن الإعلان.

مـا علينـا… فقط وجب التنبيه، لأن في قنواتنا ما يثير بلبلة المؤمن حين تكون المشاعر الدينية السامية في أوجها.

و في ما يلي نموذج مداخلة لشاب وفتاة.

الشاب التقى بالفتاة ليتزوجها فأحبها وهي لـم تحدث لديها أيـة مشاعر، فقام كل منهما بعمل استخارة، فجاءت الاستخارة للشاب بالإيجاب والقبول وجاءت للفتاه بالنفي والرفض، في شأن لا يمكن حسمه بالصلاة وبعض الأدعية واستشارة الحظ ، شـأن مرجعة للمشاعر وأسلوب الزواج في بلادنا وكيف يتم حسمه... مع عدم الالتفات بالمرة إلى عقل منحه لنا الله نضعه في صندوق ونغلقه لنقف دوماً على باب ضارب القداح أو قارئ الكف ليختار لنا، وهو الأمر الذي يشير إلى شخصياتنا الاتكالية الضعيفة المهزومة التي تخاف أخذ القرار حتى في أخص مـا يخصها.

سيدة أخرى عجوز وقعت على قعيدتها فانكسر عصعصها وتخشى ألا تبعث يوم القيامة لأنها قرأت للدكتور زغلول النجار أن العصعص هو الشتلة التي سينبت منها جسد الإنسان يوم البعث استناداً لحديث نبوي، وأن الدكتور زغلول أكد أن العصعص بسبب هذا الحديث لا يمكن كسره ولا سحقه ولا حتى بالمذيبات الكيميائية ولا بالقنبلة الذرية…. ووقع المفتي بين الحديث وبين زغلول وبين العجوز الملتاعة في حيص بيـص.

والشيخ يوسف القرضاوي كفقيه معتدل يحاول عبر التلفاز أن يبحث عن فقه جديد للأقليات المسلمة في أوروبا وغيرها لتبرير زواج المسلمة من غير المسلم، فيرجع إلى رأي قديم عن امرأة أسلمت وعاشت مع زوجها المسيحي وجواز ذلك، ليقدم ذلك جوازاً للحالات المشابهة اليوم في أوروبا. لكنك هنا لا تلمس فقها جديداً بقدر ما هو العودة الدائمة للبحث في القديم لتبرير الجديد.

ويبقي السؤال، ماذا لـو أن تلك الحادثة القديمة التي تمت إجازتها من قبل فقهنا القديم لم تحدث؟ فهل كانت الفتوى اليوم ستتغير؟ وكيف أكون مفكراً ويقتصر تفكيري في البحث عما يمكن نقله من عالم الموتى القديم إلى عالـم الأحياء؟.

……"هذا" يفترض أن يعلم الناس، كيف يفكرون ولذلك اخترعه أهله

لكنه في بلادنا يعلم الناس كيف يكونون عبيداً للماضي... إنه التلفزيون.

نشرت فى الاتحاد الإماراتية

مقاومة المقاومة

أبهر العراقيون المراقبين من شتى أنحاء الدنيا بهذا الإقبال المبهج على صناديق الاقتراع، وقال العراقيون كلمتهم في إعلان للعالم أنهم مع الحرية والديمقراطية، وأنهم ضد ديكتاتورية الطوائف أو المذاهب أو الفرد أو النصوص الدينية التي سلّوها عليهم. ذهب العراقيون إلى صناديق الاقتراع ليعمدوها بالدم قائلين لا لأعداء الحرية والديمقراطية، ولا لمن قاطع الانتخابات، ولا كبيرة لقاطعي الرؤوس، ولا أكبر لمن عينوا أنفسهم علماء دين وسياسة وقتال في العراق، أما اللا الأكبر فكانت لكل المتاجرين بقضايا الشعوب ما بين فلسطين والعراق من "قومجية" و"إسلامجية"، حتى دفع الشعبان أفدح ضريبة للعروبة المأسوف على شبابها. عندما ذهب العراقيون ليقولوا نعم لانتخابات حرة فقد قالوا لا لكل ما عداها. وقال أيضاً: إن القوات الأجنبية الموجودة في أرضه قد حدث بشأنها إجماع وطني انعقد أمره على اعتبارها قوات صديقة وحليفة تؤدي دوراً في وقت مأزوم، وأن لهذا الحلف ضرورته وأثره الكبير في الحفاظ على الأمن القومي للعراق، بل ولكل ما يحيط بالعراق. وهو أمر يصبح مشروعاً عندما تقره الشعوب، وتحدده أطر قانونية وبروتوكولية، وهو حال القواعد الأميركية في البلاد العربية والإسلامية وفي اليابان وشرق آسيا، أو كما سوريا في لبنان. عندما صوت العراق بهذا الزخم العظيم قلب كل الموازين وضبط كل المفاهيم لتصبح للمصطلحات دلالات جديدة حددها لنا شعب العراق عندما اقترع على الحرية.

فهل ستظل "المقاومة" التي طالما طبل لها الفاشيون الطائفيون رغم بشاعتها رأياً ومنهجاً وفعلاً على كل المستويات، هل ستظل تحمل دلالة المقاومة الوطنية؟ إن المقاومة كعمل عسكري غرضه مصلحة الوطن والمواطنين، كي توصف بأنها وطنية فلابد أن تقرها كل أطياف ومفردات الوطن التشكيلية، وتكون بهذا المعنى مساحة يتبارى فيها أبناء الوطن لكسب شرف الدفاع عنه ضد أجنبي يحتل ترابه.

ولكن ماذا عن هذا المعنى بعد الاقتراع الشعبي العراقي الجارف؟ اقتراع نضالي عمده الدم بالصدق والإصرار، ضد ما ظل زمناً يحمل في نشراتنا الإخبارية عنوان "المقاومة في العراق"، تلك المقاومة التي قاومت الحرية، وقاومت وصول الناس إلى حيث يعلنون صوتهم تحت تهديد القتل بالمتفجرات، ومع ذلك ذهب العراقيون، ليحولوا قوات التحالف إلى قوات حليفة موجودة بالتراضي بين الأطراف، وليحولوا ما أسماه الإعلام العربي مقاومة إلى إرهاب علني مجرم يشرع سلاحه ضد الوطن والمواطنين ومصالح الوطن.

لقد أثبت العراقيون نضجهم السياسي الذي دفعوا ثمنه قهراً عظيماً تباعد بهم عن شعارات العروبة الفخمة التي كانت السبيل الأقوم للهزائم. ورغم الدمار، ورغم تكالب كل فضائيات أهل الإسلام والعروبة على أكل لحم أخيهم جريحاً وقبل حتى أن يموت، ورغم استيلاد هذه القنوات لمزيد من مشايخ الإرهاب والكراهية، وتحفيز مزيد من الشباب للموت والقتل، ورغم حملة الكراهية من على منابر الوعظ والإرشاد ضد الأميركان، وضد الحكومة المؤقتة، في كل مساجد المسلمين، كل هذا فشل في إقناع المواطن العراقي بمصداقية أشباح الماضي، لأن العراقيين عاينوا كل الحدث وتسلسلت بينهم العذابات وما سال من دماء، كرّس في ضميرهم اليقين برفض الفاشية، أرضية كانت أم سمائية، فرفضوا العودة إلى ما هو وراء التاريخ واختاروا المستقبل. لقد اختار العراق أن يبصق في وجه كل ذيول الفاشية العربية من متكهنين وأحبار و"قومجية" و"إسلامجية". وأن يسقط كلمة المقاومة عما تقوم به قاعدة الفرق لتتحول إلى إرهاب لا يحتاج فذلكة عربية لتحديد المصطلح، ويبدأ الشعب العراقي بشكل حضاري مقاومته ضد المقاومة. مقاومة جديدة ضد الإرهاب المتسلل إليه عبر الحدود المتحالفة مع رفاق الدم في الداخل من خونة.

آن للغريب أن يرحل، والغريب لم يعد كما كان في مفاهيم العربان غريب العنصر أو الدين أو القبيلة، إنما هو اليوم الغريب الذي يضر بمصلحة الوطن ويشن عليه حملات الكراهية والقتل. على من أسموا أنفسهم بالمقاومة العراقية أن يرحلوا عن العراق بعد أن قال العراقيون كلمتهم وحددوا موقفهم. وعلى كل ذيول الفاشية في الإعلام العربي أن تحاول اليوم مداراة سوءتها بعد أن كشفتها الكرامة العراقية. فإن استمرت الهجمات الإرهابية وفضائياتها العربية فإن العراق اليوم لن يقف وحده ومعه دول التحالف، بل سيقف معه العالم أجمع وضمير العالم كله في ملحمة بدأها ووضع شروطها شعب العراق عندما بدأ مقاومة المقاومة بصناديق الاقتراع المطهرة بدمه.

نشرت فى الاتحاد الاماراتية 24 فبراير 2005

2 Comments:

Blogger Hapy said...

اخيرا لقيت حد فايق

9:56 ص  
Anonymous غير معرف said...

وتقول العالمة الذرية (جونان التوت)- التي أسلمت على يد البيصار من بين (250) رجلاً وامرأة أشهروا إسلامه في اليوم نفسه ومن بينهم سفير غانا- :(المسألة ليست انتقالاً من دين إلى دين آخر . ولا هي تحد لمشاعر وطقوس توارثناها –إنما هي الحرية المنشودة والفردوس المفقود الذي نشعر بأننا في أشد الحاجة إليه .نحن الشباب في الغرب ، نرفض واقع الدين الرومانسي ، والواقع المادي للحياة .وحل هذه المعادلة الصعبة هي أن نشعر بالإيمان بالله ) وتضيف قائلة (بعض الشباب غرق في الرقص بحثاً عن الله ، -في الشيطان ، في المخدرات ، وفي الهجرة إلى الديانات الشرقية القديمة .وخاصة البوذية – وقليلون هم الذين أعطوا لأنفسهم فرصة التأني والبحث والدراسة . وهؤلاء وجدوا في الدين الإسلامي حلاً للمعادلة الصعبة – وإذا كان عددهم لا يزال قليلاً حتى الآن ، فلأن ما نسمعه عن هذا الدين العظيم مشوش ، ومحرف ، وغير صادق فكل ما هو معروف عندنا عن الإسلام خزعبلات رددها المستشرقون ، منذ مئات السنين، ولا تزال أصداؤها قوية حتى الآن، فالدين الإسلامي كما في إشاعات المستشرقين هو دين استعباد المرأة ، وإباحة الرق وتعدد الزوجات، ودين السيف لا التسامح) وتقول أيضاً :(لا تصدقوا فكرة الحرية المطلقة في أمريكا . والتي تنقلها لكم السينما الأمريكية ، فإن في بلادنا كثير من المتعصبين دينياً . ولذا فإنني أعرف جيداً أنني مقبلة على حرب صليبية في بلادي وأسرتي، وستزداد هذه الحرب اشتعالاً عندما أبدأ في إقناع غيري بهذا الدين العظيم) ثم تقول : (لقد بدأت أحس بوجود الثواب والعقاب وهذا السلوك هو الذي سيحكم سلوكي ويضبطه في الاتجاه الصحيح ) (3)

ويقول أحد قساوسة جنوب أفريقيا مخاطباً مبعوث مجلة الاعتصام المنتدب لزيارة المركز الإسلامي هناك :(أنا قس من رجال الدين المسيحي أحمل اسماً مسيحياً. وهذا الاسم لا يعنيكم ولن أقوله-ولكن أقول- بالرغم من أني دربت على المسيحية ، وتعلمتها في جامعات بريطانيا ، وأعددت لأكون راية للمسيحية ، وداعية لها ، إلا أني لم أشعر بأن المسيحية استطاعت أن تجيب على تساؤلاتي ، لأنها مرتبكة في جسمي- وقد فكرت في التخلص من المسيحية السوداء التي لا تعترف بآدميتنا ، والتي جاءتنا بالإنجيل في يد وبالعبودية في اليد الأخرى وجاءنا أدعياؤها بالإنجيل في يد ، وبزجاجة الخمر في اليد الأخرى ) . ثم يضيف قائلاً : لقد رأيتكم تصلون .فإذا بالأبيض بجانب الأسود ‍‍، والغني بجانب الفقير‍‍، والمتعلم بجانب الجاهل ، لهذا أقول إن الأفريقي ليس بحاجة إلى المسيحية إنه في حاجة إلى هذا الدين العظيم- وبعد أن اغرورقت عيناه بالدموع قال : لماذا حجبتم عنا هذا الدين ؟ أنيروا لنا الطريق فإن مبادئ هذا الدين هي التي يمكن أن تنقذ العالم مما هو مقبل عليه من فوضى ودمار(4 )

ويقول أميل درمنجهم الذي كتب كتاباً في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم :

ولما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية ، اتسعت هوة الخلاف ، وازدادت حدة ، ويجب أن نعترف بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشد الخلاف فمن البيزنطيين من أوقر الإسلام احتقاراً من غير أن يكلفوا أنفسهم مؤنة دراسته ، ولم يحاربوا الإسلام إلا بأسخف المثالب – فقد زعموا أن محمداً لص! ، وزعموه متهالكاً على اللهو! ، وزعموه ساحراً !، وزعموه رئيس عصابة من قطاع الطرق! بل زعموه قسا رومانياً !!، مغيظاً محنقاً، إذ لم ينتخب لكرسي البابوية – وحسبه بعضهم إلهاً زائفا!!!ً يقرب له عباده الضحايا البشرية وذهبت الأغنيات إلى حد أن جعلت محمداً صنماً من ذهب وجعلت المساجد ملأى بالتماثيل والصور(5)

وفي كتاب (معالم تأريخ الإنسانية) بقول ويلز (كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط. ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنى سارت سوى دين الإسلام).

ويقول (هنري دي شاميون ) تحت عنوان ( الانتصار الهمجي على العرب) لولا انتصار جيش (شار مارتل) الهمجي على العرب في فرنسا في معركة (تور) على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) لما وقعت فرنسا في ظلمات العصور الوسطى . ولما أصيبت بفظائعها ولما كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني- ولولا ذلك الانتصار البربري لنجت إسبانيا من وصمة محاكم التفتيش ، ولما تأخر سير المدنية ثمانية قرون بينما كنا مثال الهمجية (6)

ويقول( أناتول فرانس) عن أفظع سنة في تأريخ فرنسا هي سنة (732)م وهي السنة التي حدثت فيها معركة (بواتيه) والتي انهزمت فيها الحضارة العربية أمام البربرية الإفرنجية- ويقول أيضاً :

(ليت( شارل مارتل) قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) إن انتصاره أخر المدنية عدة قرون)(7)



ويقول كارليل الإنكليزي في كتابه ( الأبطال):
من العار أن يصغي الإنسان المتمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين أن دين الإسلام دين كذب .وأن محمداً لم يكن على حق : لقد آن لنا أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة – فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ظلت سراجاً منيراً أربعة عشر قرناً من الزمن لملايين كثيرة من الناس- فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة التي عاشت عليها هذه الملايين ، وماتت أكذوبة كاذب أو خديعة مخادع ؟! لو أنة الكذب والتضليل يروجان عند الخلق هذا الرواج الكبير لأصبحت الحياة سخفاً ، وعبثاً .وكان الأجدر بها أن لا توجد.

إن الرجل الكاذب لا يستطيع أن يبني بيتاً من الطوب لجهله بخصائص البناء، وإذا بناه فما ذلك الذي يبنيه إلا كومة من أخلاط هذه المواد –فما بالك بالذي يبني بيتاً دعائمه هذه القرون العديدة وتسكنه مئات الملايين من الناس.

وعلى ذلك فمن الخطأ أن نعد محمداً كاذباً متصنعاً متذرعاً بالحيل والوسائل لغاية أو مطمع …فما الرسالة التي أداها إلا الصدق والحق وما كلمته إلا صوت حق صادر من العالم المجهول وما هو إلا شهاب أضاء العالم أجمع .ذلك أمر الله ن وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (8)

ويقول ادوارد مونتيه (الإسلام دين سريع الانتشار .يروج من تلقاء نفسه دون أي تشجيع تقدمه له مراكز منظمة لأن كل مسلم مبشر بطبيعته .فهو شديد الإيمان ،وشدة إيمانه تستولي على قلبه وعقله.وهذه ميزة ليست لدين سواه .ولهذا نجدأن المسلم الملتهب إيماناً بدينه ، يبشر به اينما ذهب وحيثما حل .وينقل عدوى الإيمان لكل من يتصل به ).

6:11 ص  

إرسال تعليق

<< Home