سيد القمنى ..... Sayed elQemany

هذا الموقع مهدى من محبـى الدكتور سيد القمني الى محبى الوطن و العقل و الحرية -------- هذا المفكر المصرى الوطنى الحر العظيم المثير للجدل من مواليد 1947 بني سويف , اعماله الأكاديمية تناولت منطقة شائكة في التأريخ الإسلامي. يعتبر السيد القمني من انصار فكر المعتزلة

أكتوبر 26، 2006

من فهمي هويدي إلى قرضاوي ياوطـن احـزن

من فهمي هويدي إلى قرضاوي يا وطـن احـزن

الأول يستطيب لقب "المستنير" والثاني يحبذ لقب "المعتدل" :

· وصف الأول للثاني بأنه أهم مرجع ديني في زماننا تجاوز على علماء الأمة ونقل للإمامة من الأزهر للإخوان !

· هويدي يرى ضرورة مخالفتنا للغرب حتى ولو زوراً ولو لوينا عنق الحقيقة للكذب على الذات والناس !

الشيخ فهمي هويدي الذي يستطيب وصف المفكر الإسلامي المستنير انزعج أشد الانزعاج للخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن إفتاء الشيخ قرضاوي المشهور بالمفكر الإسلامي المعتدل في نقابة الصحفيين المصري في 31/8/2004 بجواز قتل الأمريكيين في العراق دون تمييز بين عسكري ومدني ، فكتب في الأهرام 14 /9/ 2004 مقالاً بعنوان "إعلام الفتنة" وهو مقال يستحق المناقشة في ضوء الآراء كل من المستنير والمعتدل ، خاصة مع إعطاء المستنير للمعتدل صفة فيها كثير من التجاوز على علماء الأمة ورموزها بدءاً من شيخ الأزهر وما يتلوه من درجات. إذ يقول : "إن الشيخ يوسف قرضاوي هو أهم مرجع ديني من أهل السنة في زماننا" ، وهو ما يعني خلق الإمامة الدينية عن الأزهر ومنحها للإخوان المسلمين ممثلين في عضوهم المرجعي قرضاوي وهو ما يعني أيضاًً تبعية المسلمين جميعاً في مرجعيتهم الدينية إلى الإخوان دون أن يقدم لنا الشيخ هويدي وثائق واضحة بهذا الاختيار من جانب المسلمين السنة لقرضاوي كأهم مرجع ديني في زماننا. بهذه الصيغة الإطلاقية في الوصف وإعاء المناصب في صحيفة الأهرام القومية شبة الرسمية كما توصف.

ولم يكن انزعاج المستنير من الفتوى بقدر ما كان مما زعمه تزييفاً لفتوى المرجع السني الأعظم من قبل من اسماه "إعلام الفتنة" وبأسلوب تهكمي بنعي المستنير على هذا الإعلام ما أثاره من ضجة حول فتوى قرضاوي وأن السبب أن الأمريكيين والغربيين هم من الدرجة الأولى الممتازة من تصنيفات البشر ، وليسوا أفغاناً أو عرباُ أو أفارقة ، ولا تعلم علام يتهكم الشيخ هويدي؟ فلو حدث فرز فعلي وتصنيف للبشر من حيث درجة ارتقائهم فسيكون الغربيون من الدرجة الأولى الممتازة قطعاً ودون حتى الحق في الامتعاض ، ناهيك عن الحق في التهكم ولو اعطى هويدي في هذا الفرز صوته لغيرهم لكان مضللاً مزيفاً.

وإعلام الفتنة هو تلك الصحف التي نددت بموقف قرضاوي وركزت على أمرين:

أولهما أن الرجل كشف عن حقيقة اعتداله الذي يدعيه وأظهر للجميع وجهاً متطرفاً وتفكيراً إرهابياً

ثانيهما أن تيار الاعتدال أسطورة ووهم وأنه يكتم تطرفه ويخفيه وهو منطقي أريد به تأكيد أن الناشطين المسلمين جميعاً إرهابيون ، وأنهم في حقيقتهم ما بين متطرف أسفر عن وجهه وكشف أوراقه ومتطرف آخر كان أكثر حذقاً ومهارة فأخفي قناعاته وأظهر سمت الاعتدال .

وفي هذا الكلام لون من المراوغة المعلومة لدى سادتنا السدنة والكهنة. فماذا يعني بكلمة "الناشطين" المسلمين؟ نحن نعلم ما هو الإسلام وكيف نمارس شعائره ونخلص له ونتعبد به فهل كلنا ناشطين؟ أم يقصد الناشطين سياسياً؟ الواضح أن المقصود هنا بالناشطين خارجين إطار العبادات الذين يستخدمون الدين في غير أغراضه ، وليس بيننا من يفعل ذلك سوى جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان وقرضاويها ، وإذا كان هويدي يقف في نفس الخندق ناشطاً مدافعاً منافحاً ، فهو من سمت الاستنارة يؤكد لنا الاعتدال ، وأن بين هؤلاء الناشطين فروقاً بين الاعتدال والتطرف.

رغم ما نراه من حال المسلمين الطيبين الذين يؤدون لله عباداته وللوطن حقوقه ويرعون قيم السماحة والأخوة الإنسانية ، وإن أيا من هؤلاء لم يتحول إلى إرهابي إلا عندما "نشط" إسلامياً. المهم أن فضيلة الشيخ فهمي يؤكد حصوله على تسجيل لكلام قرضاوي وأنه لم يجد فيه تلك الفتوى لأن نص كلام الشيخ قرضاوي حسبما أورده الشيخ هويدي هو : "ان الأمريكيين الذين جاءوا إلى العراق غزاة ، ومن ثم فكلهم محاربون وقتلهم واجب ولكن التمثيل بالجثث لا تقره أخلاق الإسلام ، ودستور الحرب في الإسلام أخلاقي ، وبمقتضى ذلك الدستور فينبغي ألا يقتل إلا من يقاتل ، ومن ثم فكل من لا يحمل السلاح ليس لنا أن نقاتله" .

قرضاوي اعتبر "كل" أمريكي جاء للعراق هو محارب دون نصنيف ولا تفريق بين من جاء صحفياً أو جاء للإغاثة الإنسانية ، فكلهم محاربون وقتلهم واجب" ، لكنه في الوقت نفسه يثير قلق التباس عندما يعود فيقول : "إن كل من لا يحمل السلاح ليس لنا أن نقاتله" ، لكن يبدو لأأنها رسالة ذات طرفين / طرف للقاعدة فرع بغداد ولكل المسلمين ، وطرف ثان للعم سام.

لكن قوله : "إن دستور الحرب في الإسلام أخلاقي" بحاجة للإعادة نظر ، لأنه دستور كان يليق بزمان أحداثه وحروبه في وقت سمج بكل التجاوزات قياساً على أخلاق اليوم بعد تطورها أربعة عشر قرناً ، فكان بالإمكان قتل الأسرى وكان بالإمكان الاستيلاء على الأموال والبلاد وكان بالإمكان خطف النساء سبايا وركوبهن اغتصاباً ، وكان بالإمكان استعباد الصبية والأطفال أيضاُ وهو كله مشروع في أخلاق دستورنا الحربي في زمن كانت هكذا أساليبه في الحرب ، وفي بيئة قبلية بدوية كانت هكذا قيمها. ومن ثم لا يصبح قول قرضاوي فقط هو الذي يحتاج إعادة نظر ، بل إن هذا الدستور الحربي هو ذاته بحاجة إلى إعادة نظر خاصة بعد سيل الذبائح البشرية للأسرى في العراق تحت راية الإسلام وهتاف الله أكبر ، والذين يقف قرضاوي في خندقهم ويفتي لهم ويدافع عن فتواه المستنير المعتدل مولانا هويدي.

لكن مذا عن إعلام الفتنة الذي أثار حنق هويدي وحفيظته؟ يقول لنا أن كاتباً كتب "أنه منذ أحداث سبتمبر 2001 والإسلاميون العرب يواصلون ترويع العالم بأحداث مشابهة" .نريد أن نفهم شيئاً فهل هو معترض على تسمية الأحداث بأسمائها ونسبة الجرائم لأصحابها؟ أم هو معترض على تذكيرنا بها؟ أم هو معترض على أن الكاتب عربي مسلم يجب عليه إخفاء عوراتنا وعدم فضحنا؟ ألا نكون بذلك كأعمى بإرادته وسط عالم مبصر؟ و أخرى زعم مثيرها فيما كتب "إن الإرهاب مرض مزمن عند العرب"، فهل لدى السيد هويدي ما ينفي به أحداث الماضي وأحداث الحاضر لتكذيب الكاتب فيما كتب؟ إن تلك الأحداث لن تسعف الشيخ هويدي ، ويصبح الكاتب صادقاً ، لكنه مزعج مثير للفتنة لأنه لا يتجمل بالكذب .

وكاتب ثالث من إعلام الفتنى "رسم صورى بائسة للعربي المسلم بدا فيها غبياً متعصباً وعنصرياً ، حتى قلت إن أي كاره للعرب والمسلمين أو حاقد عليهم إذا ما أراد أن يعزز حملته ويقوي حجته فما عليه إلا أن يترجم هذا دون أي تعليق" .

المستنير يرى وجوب مخالفتنا للغرب حتى ولو زوراً ، حتى ولو لوينا عنق الحقيقة للكذب على الذات وعلى الناس ، للتبرؤ من الكوارث التي نفعلها بأيدينا. المستنير لا يرى أن الحق متفق عليه بين الجميع وأنه معلوم ولو أخفيناه تحت ألف قناع ، فهل يرى المستنير مثلاً فيما قامت به القاعدة وتقوم به غباء وتعصباُ عنصريا؟ أم له رأي آخر؟ وإذا كان العالم كله يتابع ذبح البشر وهو يخورون كالخراف ونزع الرؤوس أما الكاميرات وخطف المدنيين من جنسيات بلاد تساند قضايانا في تعصب غبي وعنصرية أكثر غباء ، فما هو القول الصواب هنا غير الغباء والتعصب والعنصرية؟ ولماذا يصبح من يقول هذا مثيرا للفتنة؟ أم أن العيب في المرآة؟

وفي خلط الأوراق معيب ومشين لشدة وضوحه يقول هويدي : "إن أي مسلم يرتكب حماقة أم جريمة في أي مكان بالكرة الأرضية ينسب فعله إلى المسلمين كافة حتى ولو كانت دوافعه ليست لها علاقة بالعقيدته ، فالشيشانيون مثلاً دوافعهم في صراعهم ضد الروس قومية بحتى وليست دينية ، والذين قتلوا النيباليين البوذيين هم أنفسهم الذين قتلوا الأتراك المسلمين ، ولا أحد يمكنه أن يدعي أنهم كانوا يسعون لإقامة الخلافة الإسلامية ، فماذا نتهم الهوية الدينية في جريمة يقترفها مسلم؟

فأما عن قوله: "فأي مسلم يرتكب حماقة أو جريمة في أي مكان بالكرة الأرضية ينسب فعله إلى المسلمين". أتساءل: إذن لمن ننسبه؟ وإذا كانت دوافع الشيشان ليست سوى قومية فلماذا يؤيد المسلمون تحديداً الشيشان من المشارق إلى المغارب ، ولماذا يوجد مسلمون غير شيشانيين في قيادات الشيشان العليا؟ ولماذا يقوم الشيشان بعمليات انتحارية؟ إلا يعود ذلك إلى الثقافة التي يستندون إليها؟ مثلهم في ذلك مثلما يفعل المسلمون المتطرفون في كافة المعمورة ! ثم لماذا لم نسمع ضجيجاً واحتجاجاً على قتل النيباليين بين المسلمين؟ هل لأنهم يوذيون؟ أما مسألة إقامة الخلافة فهو قول مجاهديك يا شيخ هويدي لا قول غيرهم ، لماذا التلبيس على الناس؟ كما أن لا أحد يتهم المسلم عندما يرتكب جريمة بأنه مسلم ولا أحد يتهم المسلمين به ، فللجرائم عقوبات قانونية تطبق عليه كما تطبق على غيره من غير المسلمين ، لكن التهمة تنشأ فوراً عندما يقف أصحابها تحت رايات الدين ورموزه وآيات قرآنه ، وعندما يقتلون وفق ثقافة عنصرية طائفية ويعلنون ذلك ويؤكدون أن فعلهم بغرض تأييد الدين. هنا لا يكون التعميم مخلاً ، ويصبح المطلوب هو إعادة النظر في هذه الثقافة وطرحها للمناقشة الحرة وليس التستر عليها كما يريدنا هويدي أن نفعل.

ثم يضع الشيخ فهمي يده على سر الفتنة ومصدرها في قوله : "ثمة قواسم مشتركة في خطاب إعلام الفتنة منها أنه ينهل من مربع فكري وسياسي واحد تقريباً ، تقف رموزه على أرضية التطرف العلماني الذي تجاوز فكرة الفصل بين الدين والدولة ، وراح يضرب بقوة في ركائز الانتماء العربي والإسلامي ويتبنى دعوة صريحة إلى التغريب الذي بات منحدراً مؤدياً في النهاية إلى الارتماء في الآحضان الأمريكية والإسرائيلية".

وبغض النظر عن الاتهام التحريضي الأخير الذي يحتاج أدلة عالية الجودة قبل إرساله كلاماً في الهواء ، فإن القواسم المشتركة للعلمانيين هي الحريات الفردانية وحقوق الإنسان والديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية ، وهي كلها قواسم راقية المسمى كما هي راقية المعنى كما هي راقية الأهداف ، كما هي نظيفة من الطائفية والعنصرية والإرهاب والدموية ، اما القواسم المشتركة في خطاب الإرهاب فهي بدورها واحدة فاشية عنصرية طائفية دموية ضد الحريات الفردية وضد حقوق الإنسان ، وهو لسوء الحظ الخطاب الأكثر انتشاراً في الفكر الإسلامي من الإرهابي إلى المعتدل إلى المستنير .

ويذكرنا الشيخ فهمي "أن أحد لم يتحدث عن الإرهاب الأرثوذكسي حين قام الصرب بمذابحهم ضد البوسنيين المسلمين .. ولا يجرؤ أحد على أن يصف الجرائم الإسرائيلية الوحشية التي ترتكب في الأراضي المحتلة بأنها من تجليات الإرهاب اليهودي". والشق الأول من هذه الفقر يتجنى على حقيقة ما حدث ، لأن أهل الغرب الذي نراه مسيحياً هم من كشف ما يجري في البوسنة ، وهم من قاموا برد العدوان عنهم ، وهم من يحاكمون الآن قادتهم ، بينما لم نحسن نحن سوى العويل ، أما الشق الثاني فهو يشير إلى اعتراف داخلي بالإرهاب ، وإن هناك منافسة بين المسلمين واليهود في هذا الميدان العريق عندهما ، أو هو اعتراف بصهيونية إسلامية إزاء صهيونية يهودية ، وهو ما لا نقبل به كمسلمين غير ناشطين ، نحب الله والرسول والوطن ولا ننتمي لجماعات ناشطة كالإخوان تضع شعارها "سيفان بينهما عبارة "وأعدوا" ، لأننا نحب الزهور وإخضرار الحقول بالعمل والعرق للإعداد أكثر من السيوف. ونعتقد أن الإنتاج والتنمية والتقدم هي الوسيلة للإنجاز الحضاري ، لأن المعركة اليوم ليست معركة سيوف ولا مدافع فقط ، إنما هي في المقام الأول معركة وجود حضاري .

الأهم في كل ما حدث هو أن قرضاوي بعد عودته إلى قطر سارع بعقد مؤتمر صحفي أنكر فيه فتواه الأولى ، وأن ما حدث كان لونا من الالتباس في ضبط تعريف اصطلاح "مدني" وطالب بضبطه حتى لا يحدث التباس بشأنه.

ومن ثم فقد تراجع مولانا عن فتواه بقتل المدنيين الأمريكان أو الغربيين ، وهو فيما يبدو ما هز مكانته ومكانه عند الإرهابيين ، فعاد في برنامج الشريعة والحياة بقناة الجزيرة يوم 20/9 /2004 لكن ليسمح بقتل المدنيين الأسرى من غير الأمريكان لأنهم يعاونون الاحتلال ، إذا كانوا سائقي شاحنات أو بائعين لسلع مطلوبة ، أو فنيين متخصصين في بعض الأعمال ، وقد شرع قرضاوي قتل المخطوفين المدنيين لسببين:

أولهما : أنهم يعاونون المحتل ،

وثانيهما : أنهم تتم محاكمتهم قبل ذبحهم ،

وهكذا أصدر قرضاوي فتواه بناء على حيثيات بأن هؤلاء يعاونون المحتل ، دون أي وثائق إدانة بيديه حتى يضع هذه الحيثية مبرراً لقتلهم ، ودون أن يقول لنا من كان القاضي ومن كان الجلاد ، ومن كانوا الشهود وما هي الأدلة ، وما هو النص القانوني المعول عليه ومن هو واضعه ، وهل القضاة عدول يستحقون مناصبهم .. إلخ. وإذا كانت معاونة المحتل من مدني تستوجب جز عنقه ، فلاشك أن هذا سينطبق بالتالي على كل المسلمين الذين يعيشون في أمريكا وإنجلترا وبقية دول التحالف ، ويعملون وفق نظامهم ويقدمون هناك أجل الخدمات ، وهو ما لا يقبل به عاقل رشيد .

والآن ترى ماذا سيقول هويدي بعد العودة الزئبقية لقرضاوي إلى مربع الإرهاب الدموي علنا من قناة الجزيرة؟ وهل سيظل المرجع الديني الأهم للسنة في زماننا؟! وهل العلاقة بين فتاوي قرضاوي وبين فقه الإخوان الدموي وبين المرجعية الدينية الوهابية وبين دفاع الشيخ هويدي الحار لا تفسح المكان لتأكيد قول هويدي أن الرجل كشف حقيقة اعتداله وأن الجميع داخل نفس الجبة؟! .

نشرت فى روزاليوسف العدد 3981 25/9 /2004

ومن دخل بيت (التربيون) فهو آمن

عندما كنت أطالع كتاب تاريخ الخلفاء للإمام جلال الدين السيوطي قرأت شأناً سبق و أن قرأته في كل مصادر التراث ؛ لكنه هذه المرة أثار أكثر من سؤال ؛ يقول السيوطي مردداً ما هو متواتر عند الجميع علي اتفاق : " أخرج بن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل بها القرآن .. و أخرج بن عساكر عن علي قال : إن في القرآن لرأيا من رأى عمر .. وأخرج بن عمر مرفوعاً ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر ؛ إلا جاء القرآن بنحو ما قال عمر.

و أخرج الشيخان عن عمر قال : وافقت ربي في ثلاث ؛ قلت يا رسول الله لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى ؛ فنزلت } و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى /125/البقرة{

و قلت يا رسول الله يدخل علي نسائك البر و الفاجر فلو أمرتهن يتحجبن ؛ فنزلت آية الحجاب ؛

و اجتمع نساء النبي في الغيرة ؛ فقلت عسى ربي أن يطلقكن و أن يبدله أزواجاً خيراً منكن .. فنزلت كذلك ".

هنا يقف العقل لا يتزحزح عن طرح السؤال الذي ربما كان عند البعض محرماً : لماذا قبل الله من عمر و لم يقبل من بقية الرعية؟

و هل يترك ذلك انطباعاً عند المسلمين لشبه قدسية تنال عمراً أو لوجه الحق قدسية تمامية؟ ثم هلا يعني ذلك ترويض الناس علي أن رأيهم لا يؤخذ به لأن هناك مختارين ربانيين هم فقط من يؤخذ برأيهم؟ ؛ و أن هذا الشأن القدسي قد نال الراشدين والمبشرين بالجنة و أمهات المؤمنين ؛ ثم تم تعميمه من بعد في المذهب السني علي " كل من رأى الرسول ولو لساعة " و ساعة في بلاغة زمنها تعني " ولو لحظة " ؛ ثم سكبه المشايخ و كل من ادعى الإسلام الدعوى علي نفسه سكباً .

إن مثل هذه الأسئلة ما كان ممكناً طرحها في ذلك الزمان ؛ لأنه يفترض حقوقاً متساوية لم يكن البشر في جزيرة العرب قد اكتشفوها و عرفوها بعد.

إن هذه الأسئلة المجهولة عندما تطرح اليوم تكون فرز مفاهيم اليوم بعد رحلة تطور للبشرية منذ زمن عمر و حتى الآن .

بعقلية الآن ممكن أن نتمنى و نتحسر في آن معاً ؛ كنا نتمني لو رأى عمر رأياً في تداول السلطة و تنظيم الدولة وآليات مراقبة الحكام أو أن يرى ما يراه عامة الشعب ؛ أو أن يرى للمسلمين كلهم حقاً في الترشيح والانتخاب بإقامة مجلس شيوخ ؛ أو حتى جمعية عمومية مثل تلك التي أقامها الروم في القرن الخامس قبل الميلاد بعد كفاح طويل حصل بعدها الشعب على حقوقه السياسية ؛ و أن يكون له في الاقتراع صوت مؤثر ؛ و أن يشارك فيما تسنه الدولة من قوانين بالاستفتاء على القوانين ونتحسر لأن عمراً لم ير ذلك ؛ وما نطرحه هنا من أسئلة هو أسئلة اليوم ؛ و لن تجد لها إجابة مرضية في طيات الماضي العربي . لكن تجربة الرومان تفرض نفسها علينا لنرى الإنسان في سعيه نحو الحرية و ما حققه عبر ذلك السعي .

حددت دولة روما معنى المواطنة و حقوق المواطن وواجباته ؛ وكان المواطنون هم نسل القبائل الثلاث الأصلية في البلاد ؛ أو من حالفوهم أو تبنوهم . إضافة إلى منح حق المواطنة للغرباء الذين تمنحهم روما المواطنة لما قدموه لها من إخلاص. و مع هذا التاريخ البعيد لم يشهد العالم دولة حرصت على مواطنيها و حقوقهم قدر ما حرصت روما .

كان المواطن محصناً ؛ له حصانة من التعرض لأي قهر أو عسف أو ظلم أو إرهاب أو إرغام ؛ لأنه كان بإمكانه أن يرفع شكواه ضد أي موظف أو أي سلطة إلى الجمعية الوطنية العمومية .

كان المواطن عضواً في مجلس مئوي ؛ وكل مائه لها رئيس منتخب ؛ و مجموع الرؤساء يشكل أعضاء الجمعية الوطنية ؛ هم من يختارون الحكام ؛ و ينظرون في الإجراءات التي يعرضها الموظفون أو مجلس الشيوخ لتجيزها أو ترفضها ؛ لأنها كانت هي كل الشعب .

و مع الاهتمام بالمواطن تقرر أن تكون هي الناظر الوحيد في أي حكم بالإعدام يصدر ضد مواطن ؛ كانت هي من يعلن الحرب و يعقد الصلح ؛ وكان من يدعوها إلى الاجتماع القنصل الملقب بلقب (التربيون).

طالب الشعب بمزيد من الديمقراطية والحريات ؛ طلبوا أن تكون القوانين مدونة وواضحة ومحددة بدقة شديدة ؛ وأن يتم إعلام الشعب كله بهذه القوانين . ووافق مجلس الشيوخ عام 454ق م . فأرسل لجنة من ثلاثة قانونيين إلى أثينا لمقابلة فقهاء القانون فيها و علي رأسهم ( سولون) المشهور؛ و كتابة تقرير عن قوانين اليونان للاستفادة بما عندهم ؛ و لم يعتبروا ذلك غزواً ثقافياً بل هم من سعى سعي المتحضرين إلى المتحضرين مثلهم ليتعلموا منهم و ينقلوا عنهم .

وعاد سفراء القانون بتقرير تم وضعه بيد عشرة قانونيين لروما . وتمت الكتابة لأول دستور قانوني في التاريخ بيد الشعب و بعلم الشعب و بمشاركة الشعب و بقرار من الشعب ؛ و تم عرضه في اثني عشر لوحة علي الجمعية العمومية فعدلت بعض القوانين ؛ ثم أمرت بتثبيت الألواح في السوق العامة حتى لا يكون المواطن الروماني جاهلاً بالقانون الذي يحكمه ؛ لأنه مواطن محترم ؛ ولأنه هو روما نفسها .

لو حاولنا المقارنة هنا مع ما كان يحدث في جزيرة العرب فعلينا أولاً استبعاد الزمن النبوي لأنه فوق أي مقارنة من أي لون ؛ لكن من جاءوا بعده كانوا بشراً لا أنبياء ؛ ولأنه كان خاتم اتصال السماء بالأرض ؛ فكل فعل و كل أمر تم الأمر به و كل قاعدة تم وضعها ؛ كلها فعال بشر لا علاقة لهم بالسماء ؛ و أنه مادام قد تم وضعها بيد بشر فهي كلها وضعية حتى البخاري و مسلم و كتب السيرة والتاريخ الإسلامي ؛ كلها يؤخذ منه و يرد عليه ؛ كلها وضعي مثل قوانينا الوضعية تماماً اليوم ؛ التي يرفضها أهل الدين بخديعة رديئة لجماهير المؤمنين باحتساب ما بأيديهم ( من عمل الفقهاء و سلوك الصحابة و قرارات المبشرين بالجنة بعد موت الرسول ) ؛ هي مقدسات لا تمس ؛ وهي لم تكن يوماً سوي وضعية من وضع البشر.

لنبدأ بأبي بكر ؛ الذي احتكر الخلافة لقريش من بعده بحديث كان وحده من رواه "الخلافة في قريش" مستبعداً عن ذلك الأنصار و بالطبع كل مسلم في البلاد المفتوحة. قبيلة واحدة احتكرت سلطان الإمبراطورية بيدها وحدها من بعد بموجب هذا الحديث وحده .

قال أبو بكر للمسلمين حسبما روت كتب الأصحاب و السير و الأخبار و الحديث أنه سيحكمهم بالكتاب و السنة ؛ لكن ما يطرحه العقل هنا ولا يتزحزح سؤال شديد المنطقية ؛ كيف حكم أبو بكر المسلمين بالكتاب و السنة بينما لم يكن قد تم جمع الكتاب ولا تدوين السنة ؛ و من ثم كانت معظم آيات الكتاب و جل الأحاديث غير معلومة لعامة المسلمين الذين ستطبق عليهم أحكام القرآن و السنة ؛ فتم حكم الأمة بكتاب لم يجمع بعد من اللخاف والأكتاف و العظم و الأحجار و العسيب و الرق ؛ لأن ذلك لم يتم إلا في زمن عثمان الذي أرسل لكل مصر بعد ذلك مصحفاً واحداً .

كان القانون الذي ستحكم به الأمة التي هي محل تطبيق هذا القانون ؛ غير معروفاً من الأمة . وهو السبب الرئيسي الذي أعطى الفرصة للوضّاعين والمفتين و الرواة للدس في القانون الإسلامي من باب تحقيق مصالح آنية شخصية للشيخ أو للسلطان لا فرق ؛ و أصبحت اليوم قوانين مقدسة تتفنن في إذلال المسلمين .

في روما الوثنية كان الشعب مصراً على تحقيق أعلى المكاسب ؛ كان في روما طبقتين متميزتين هما الأشراف ورجال الأعمال ؛ وكان الشعب بالتساوي بالطبقتين ونال مراده في عام 356 ق.م. و تم تعيين أول شخصية من العامة حاكماً ؛ ثم أصبح العامة يشغلون وظائف الرقباء على الحكام و من هؤلاء العامة كانت تلك الشخصية الكبيرة ؛ القنصل العام الملقب ب ( التربيون).

كانت أخر خطوات المساواة كأسنان المشط و نيل الحقوق المدنية عام 287ق. م . عندما اكتسبت أحكام الجمعية الوطنية قوة القانون حتى لو عارضت في ذلك قرارات لمجلس الشيوخ .

أما التربيون ممثل الجماهير فقد كان وحده من يملك حقاً عرفه التاريخ بعد ذلك باسم حق الفيتو أي الاعتراض باسم الجماهير ضد أي قرار و كان يعني " أنا أحرم veto ".

هؤلاء الوثنيين لم يبحثوا عن أي رب يكون مسئولاً عن الدولة أو القانون و آليات لتنفذ القانون و رعايته ؛ كان التربيون و بيته و ما حوله مقدساً قدسية مدنية ؛ حصيناً باتفاق الشعب كله على حمايته ؛ لأنه هو من كان يحمي الشعب من أي جور حكومي ؛ باب بيته مفتوح أربعاً و عشرين ساعة ؛ يلجأ إليه كل مواطن ليضمن محاكمة عادلة أو يقدم شكوى عادلة ضد الحكومة .

إن توفير الآليات التي تشرف علي حماية القانون و إعلام الناس به و السهر علي تنفيذه بمساواة لم تتوفر في دولة الإسلام ؛ لذلك ضل الجانب النظري الجميل طريقه من قبيل: متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؛ اضرب بن الأكرمين.

بما فهمنا ما يحدث في روما تعالوا نقرأ هذه الحكاية عن عمر قبل أن يكون خليفة

ذهب صحابيان إلى النبي يختصمان في شأن لا علاقة له بشأن ديني أو تعبدي ؛ إنما هي خلافات دنيا و مكاسب ؛ فحكم النبي لأحدهما علي الأخر ؛ فلم يرض المضار من الحكم و طلب أن يوفدهم إلى عمر ؛ فلم يزجره النبي و لم ينزعج ؛ بل أرسلهما إلى عمر ؛ فحكيا له الحكاية ؛ فقام إلى سيفه و أطاح برأس من لم يرضى بحكم النبي و قال : " هكذا أقضي لمن لم يرض بحكم الله و رسوله ".

لو كان هذا القتيل في روما ربما أمكنه أن يرفع أمره إلى الجمعية العمومية أو إلى التربيون قبل قتله . لم يكن هناك قانون سماوي لإدارة الأرض ؛ لو كان المطبق في الأرض في الجزيرة قانوناً سماوياً لكان عهد عثمان أكثر عهد الدولة أمناً و رضاء ؛ لأن في زمنه جاءت غنائم الفتوحات بشراً وسبايا و أموالاً و جواهر ؛ ولأنه هو نفسه ذو النورين الذي استحت منه الملائكة ؛ و هو ما كان يجب أن يكون مسبباً للأمن بالضرورة مع قانون سماوي بالفرض ؛ و لكن ذلك لم يحدث ؛ ولم يكن باب عثمان محصناً لعدم وجود أي آليات أو قوانين واضحة في شأن الموقف الجديد المتأزم ؛ فتم قتل عثمان على أيدي الصحابة شر قتلة ؛ بينما لم يكن التربيون آمناً وحده فقط ؛ بل أن من دخل بيت ( التربيون ) كان آمناً .

ليس المقصود من هذه المقارنة إبراز تفوق شعب على شعب ؛ أو قانون على قانون ؛ لكنها بالقطع لإبراز تفوق الآليات الحقوقية الرومانية ؛ مع انعدامها تقريباً في جزيرة العرب .

فماذا يمكن أن نستنتج من ذلك؟ ماذا يمكن أن نستنج من قول كتب السير و الحديث أن أبا بكر قرر الحكم بالكتاب و السنة بينما لم يكن هناك كتاب معلوم ولا سنة مدونة معلنة؟

النتيجة هنا مع علمنا بمكانة أبي بكر و موقعه في الدعوة أن الفهم الواجب هو أنه كان يحكم بضميره الشخصي كأكبر صحابة الرسول و صديقه المصدق ؛ لأنه لم يكن هناك قانون ؛ النتيجة الثانية هي

أن الله لم يهب الدولة الإسلامية دستورا ًو قانوناً لنظم حكمها و إداراتها عن عمد ؛ كما سكت عن كثير من الشئون ليتركها لنا مساحة حرة طليقة نفعل فيها ما نشاء وقتما نشاء بالطريقة التي نشاء ؛ لكن قناصي التاريخ و شذاذ الآفاق تمكنوا مبكراً من السطو علي معظم المساحات الحرة التي تركها لنا الله نفكر و ندبر وننتقي أي النظم في الحكم أنفع لمصالحنا.

إن كل فتوى كانت تصدر ومازالت تحمل في بعضها تحريماً جديداً ؛ و كل تحريم هو اقتطاع لجزء من حريات الناس لضمها تحت عباءة المقدس و أصحابه ؛ هذا رغم أن فتاواهم تلك بدورها وضعية فلا يأتي الوحي أياً منهم مهما كبر شأنه علينا ؛ لقد انتهت أيام وضع الحديث بموت القادرين علي الاختراع و الوضع من الصحابة والتابعين لأنهم كانوا صحابة وتابعين ؛ لذلك حلت الفتوى محل الحديث الموضوع ؛ تدخلت في كل شأن حتى اعتاد المسلم أن يستفتي في شئون تشير أحياناً إلى طلاسم من غباء متراكم ؛ و أحياناً إلى نفس هانت على نفسها فصارت عبدة ؛ و أصبح الاستفتاء خضوعاً لحديث نبوي ؛ فكلاهما يشغل الأخر و يشتغل به " لا خاب من استشار ولا ندم من استخار " .

عندما طلب الرب من بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ؛ و سكت ؛ كان عليهم استثمار مساحة الحرية المتروكة لهم ويأتوا بأي بقرة ؛ لكنهم كانوا لزجين يتمسحون بالدين أكثر مما هو مطلوب منهم ؛ و يتقربون إليه بأكثر مما يطلب منهم ؛ و يلحفون في الفتوى بحثاً عن مزيد من القيود و ضياع المساحات الحرة ؛ فسألوا ربهم عن لونها و شكلها و سنها ؛ اليهود فعلوا ذلك عندما كانوا في التيه ضائعين ؛ و هو ما يفعله المسلمون اليوم . وهم في قاع العالم الثالث نائمين.

هكذا تقدست عند المسلمين أساليب و أفكار و أشخاص و آراء شخصية بتقديس الصحابة دون احترام للأمانة التاريخية و العقلية ؛ الأمانة التي هي خاصية الإنسان بين كل مخلوقات الله ؛ لأنها اختياره ؛ لأنها حريته ؛ و لأن الله يعلم معني هذه الحرية و تلك المسئولية فقد خلق لها الإنسان و كلفه بها و لم يكلف لا الجن ولا الملائكة .هذه الأمانة سُرقت من منذ فجر التاريخ الإسلامي عقب انقطاع الوحي بسويعات ؛ عندما استلم البشر شأننا و عاملونا ليس بحسباننا رعية ؛ لكن بحسباننا عبيد الله ؛ الذين هم وكلاؤه ؛ لذلك كان لابد أن تفشل الدولة في حماية خلفائها ؛ وأن تفشل في درء الفتنة و التصدي لها ؛ وتفشل في خلق آليات تحمي الكعبة من الضرب بالمنجنيق و من الحرق ؛ لأنها صادرت ما كان مساحة حرية ربانية ممنوحة للناس بسكوت الوحي عنها .لذلك كان باب الدولة الإسلاميا نهباً للفتن ؛ و لذلك بيت التربيون لمن دخله كان آمناً .

إنهم يشيعون بين البسطاء أنه لا يجوز التخلي عن الدستور السماوي والاتجاه للقانون الوضعي ؛ و يجعلون ذلك إنكاراً لمعلوم من الدين بالضرورة . رغم أن كل فقهنا بل كل مدوننا وضعي عدا القرآن وحده .

الغريب أن الإخوان المسلمين ظلوا على هذا المبدأ طويلاً " الإسلام ديننا والقرآن دستورنا" ؛ ثم تخلوا عنه بكل يسر و سهولة و هم " المسلمون " اتجاهاً نحو الديمقراطية الوضعية وقوانينها الوضعية؟ ألا يعني ذلك أن هناك دسيسة تاريخية في المسألة ؛ ثم بموجبها استبدال " القرآن دستور ديننا " ب " القرآن دستورنا" .

نعم القرآن دستور ديننا ؛ لكنه لم يقل لنا يوماً طريقة الحكم التي بموجبها يكون هو دستورنا . و هل بهذا المعني الذي يسببه إرباك الإخوان وإخوانهم من مدعي الدعوة للناس البسطاء أن يكون القانون الديمقراطي الوضعي هو الإصلاح لقانون رباني .

ألا يعني ذلك أن الوضعي أصبح الأرقى و القيم علي الرباني ؟بينما عندما نعترف أن السماء قد تخلت عمداً عن وضع أي قوانين للسياسة أو الحكم أو الاقتصاد أو غيرها من شئون الحياة ؛ و تأكد ذلك عندما لم يسم النبي خليفة له من بعده ؛ لأنه لو حدده ما حدث اجتماع السقيفة فقط لاختيار الحاكم ؛ دون اختيار حتى نظام بعينه للحكم . بدليل اختلاف الراشدين الأربعة في طريقة تولي كل منهم للحكم عندما نعترف بذلك نحترم انفسنا و ديننا و دنيانا .

إن تجنيب القرآن مناطق المصالح والزلل السياسية و تفاصيل إدارة الدولة هو الإخلاص الحقيقي للقرآن للارتقاء به عن مناطق مزالق ملغومة تاريخياً و حالياً ؛ كان الله يعلم أن الدنيا تتطور و أنه ستكون هناك أمريكا و أوروبا ؛ و لم يضع لنا خططاً بشأن ذلك و لم يحدثنا عنهما ولا عن تلك الأحداث ؛ لأنه كان مستقبلنا ؛ مستقبل البشرية الذي تركه لها الله لتصنعه حتى تكون مسئولة عنه ؛ كما ترك لنا ذات الشئون بأيدينا ؛ و شئوننا تختلف يوماً عن يوم و تتعقد يوماً بعد يوم ؛ و تظل كلمة ربك الثابتة الواحدة كريمة مصانة بعيداً عن عبث العابثين و استثمار الإنتهازيين .

Elqemany@yahoo.com

نشرت فى روز اليوسف 15/6/2005

خطوطنا الحمراء

سبق لي في أعداد سابقة أن ناقشت هنا قاعدة "المعلوم من الدين بالضرورة" وما تستتبعه من أوامر ونواه تؤدي مخالفتها حسب الشروط الفقهية إلى شيء يسمى "الارتداد" وأن هذا الشيء له حد واحد هو القتل بعد محاولة الاستتابة غسلا لليد من الدم مقدما ، كما علمنا أن هذه القاعدة قاعدة مطاطية لأنها من صنع فقهاء من بني البشر ، ولأنها كذلك فإنها تقبل الاضافة والحذف حسب الهوى والمصالح والنزوات الانسانية وهو كله ما لا علاقة له بالشأن الإلهي.

ولإيضاح المسألة ضربنا أمثلة لتلك القاعدة من معلومات من الدين بالضرورة تؤكد هذه المطاطية إلى حد المصادمة مع قوانين الدولة الشرعية التي ارتضيناها نظاما عاما لأمتنا المصرية الحديثة لدولتنا الشرعية ، ويعتدى عليها وينتقص منها ويسلبها هيبتها.

ونكرر مرة أخرى وأخرى أن السماح لفرد مهما علت مكانته أو لجماعة أو لمؤسسة ثقافية أو دينية أن يقوم بالتشريع للوطن مع وجود تشريعات قانونية ودستورية فإنه يستحق العقوبة الفورية لأنه بذلك يقيم دولة موازية لدولتنا الشرعية ويعتدي عليها وينتقص منها ويسلبها هيبتها ، ويصبح هذا المطلب المتكرر مفهوما وواضحا عندما نجد في هذه القاعدة التكفيرية من يجعل المعترف بقوانين الدولة مارقا فاجرا مرتدا لأنه يحترم دستور وطنه وقوانينه ، لأن هذه القوانين قوانين وضعية من وضع الإنسان ، ومعنى احترامه لها والقسم على طاعتها والعمل بها أنه قد رضى بها بديلا لقوانين الشريعة الإسلامية وهو الكفر بالدين والخروج على الملة ، وقد رأينا صحفا قومية وكتبا تعليمية تردد هذا القول وتصر عليه مما يخلق لدى المواطن ولاء لدولة الخلافة الخفية ، وينزع منه الولاء لوطنه الأرض والتاريخ والشعب والدولة ، ويجعل من التشريعات الوطن عبثا ومن قسم القضاة على احترام قوانين الوطن كفرا ، مما يجعل القاضي أحيانا ينحرف عن قسمه اخلاصا للخلافة الخفية ليحكم بما تأمر ، فتتحرف الاحكام عن القانون إلى النقمة والنكاية ، متمثله في كثير من الاحكام الظالمة التي تعارض القانون علنا.

وهو الأمر الذي يجب أن يتوقف الآن وفورا بتطبيق العقوبات الرادعة على كل من يرى نفسه بديلا للوطن كله يشرع ويضع الحدود ويأمر بالتنفيذ ..وهو ما سمح من قبل بظهور الإرهاب في بلادنا وولاء الشباب لأحكام أمراء الجماعات من جهال الدين والدنيا ، وهو مالا يجب أن نسمح بعودته على أية صورة أو خلف أي قناع مرة أحرى ، خاصة هؤلاء الذين يتجشأون علينا طعامهم السمين في شاشات التلفاز لكل ما هو ضد القوانين المعمول بها ، ناهيك عن كونه ضد كل ما هو عقل ومنطق وعلم ، مما ينتهي بالعقلية الاسطورية إلى سيادة الموقف .

وإني هنا ادعو كل من يهمه الأمر إلى الضرب بيد من حديد على يد كل من يستهين بالدولة وتشريعها لصالح شئون لا علاقة لها لا بالواقع ولا بالوطن ، أولئك الذين يدينون القوانين الوضعية التي هي تشريعنا لأنفسنا حسب ظروف زماننا ومصالحنا ، بحجة أن الله هو الأعلم بظروفنا وأنه قد شرع لنا وانتهى أمر التشريع بعد ذلك إلى الأبد ؟

ومعلوم أن هذه الحجة كانت هي سند الفتوى التي افتت بها جبهة علماء الأزهر فأهدرت دم طيب الذكر دوما الراحل (فرج فوده) والمأساة الحقيقية أن هذا التكفير يطال شعبنا كله ودولتنا بك مؤسساتنا ويخلق بين المواطنين ولاءات هي خيانة عظمى للوطن ، تدفع بعض شبابنا المغرر بهم إلى رفع السلاح في وجه وطنهم وبني وطنهم .

أما المحزن المخزي فهو أن تتم محاكمة بعض مفكري الوطن لأنهم اخلصوا للدستور والقانون فتحدثوا عن المساواة من الحقوق والواجبات بين المواطنين بغض النظر عن العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين وهو ما حدث مع كاتب هذه السطور ، ولولا قاض يحترم نفسه ويحترم القسم الذي اقسمه ويخلص لوطنه ، الاستاذ سلامة سليم ، لكان العبد الفقير لم يخرج من حبسه بعد كما حث لبعض زملاء الهم والغم ، وطبقت عليهم أحكام دولة الخلافة الخفية لا أحكام دولتنا الشرعية ، والعجيب أنه تم تنفيذها وقامت بتنفيذها دولتنا الشرعية كمقاول من الباطن للحكومة الخفية ؟!

ومن جانبهم يصر مشايخنا على قاعدتهم لضمان قعودهم على صدورنا أطول فترة ممكنة ، ويدرجون تحتها مجموعة من المحاذير والمواتع القامعة التي لا تكاد تترك للمسلم فرصة للتكفير في أي شأن لأنها إنما تعمل على تسليمهم عقله لهم تماما وبدون وصل استلام ، لتتم إذابته في العقل الجمعي الذي تم تنميطه وتجهيزه وفق اطر كهانية ما أنزل الله بها من سلطان ، فكان ما كان ما نرى في شارعنا وفي سلوكيات ناسنا ، وكان ما كان من هزائم وتخلف وانحطاط حضاري لا شبيه له في عالم اليوم ، بتشابه النسخ العقلية في طبعة واحدة بطائفة واحدة يسهل إمساكها وتحريكها ، وهو الأمر الذي يشكل خطورة هائلة على الوطن وأمنه لأنه يكفي لأي مأفون أن يستثير هذا العقل الواحد الذي تم سلبه الوعي ليتحرك الجميع كما سبق وحدث في أزمة رواية "وليمة لأعشاب البحر" التي ذهب ضحيتها شباب تم نزع عقولهم في تحرك عشوائي لولا أخذ وزارة الداخلية بالمبادرة السريعة لكان ما حدث هو الأسوأ ، لكنا حتى الآن لم نسمع أنه قد تمت محاكمة الطبيب محمد عباس الذي كان وراء هذه الملحمة السوداء . وهي عثرات الدولة الشرعية التي يجب أن تتلافاها . وهذا ما ننبه عليه حتى لا يفكر مأفون آخر في مناخنا الجاهز لأي خراب ممكن بانتهار فرصة أخرى .

ومن هنا يمكنا أن نفهم هذا الشأن الاعجوبة ، عندما تسري في كل العقول فجأة نفس الاستنتاجات لنفس المقدمات بنفس المفاهيم ، وتتوحد المواقف إزاء كل شأن في تراص مصفوف لأنه عندما تتحول عقول المواطنين إلى طبعة واحدة ونسخة واحدة فإنه يمكن لأي فيروس أن يخترقها جميعا. وأن يدمرها جميعا أو يعيد تشكيلها حسب إفرازاته تشكيلا متطابقا تحمل في داخلها أمراضها التي تسمح للفيروس بتوجيهها وزرع بذرة الفناء فيها.

وهكذا وضعوا لنا ما يسمونه "الخطوط الحمراء" التي لا يصح الاقتراب منها وهي الخطوط التي تمنع المسلم من التعاطي مع دنيا اليوم ، لأنها بكليتها تخالف هذه الخطوط ، لأن تلك الخطوط وضعت لدنيا غير دنيانا ، وهو ما يعني عدم التعلم من المتقدمين والاستفادة من علومهم لتطوير أنفسنا وبلادنا ، لأن بيننا وبين هذه العلوم كثيرا من الخطوط المتوهجة إحمرارا ، وهي الخطوط المزعوم نسبتها للدين فتمنع أي حراك لواقعنا المسترخي الآسن ، وتستخدم الدين كابحا لأي تفكير ومن ثم لأي تقدم نرجوه لانفسنا ولبلادنا .

المشكلة الحقوقية هنا هي الأعقد لأن في الوطن مواطنين لا يدينون بالإسلام ، إضافة إلى مسلمين لا يعترفون بخطوط هؤلاء لا الحمراء ولا السوداء وهم كثير ، وأن هؤلاء وأولئك مواطنون على ذات الدرجة من الأهلية ومن المواطنة وأن الوطن وطنهم وأنهم يملكون من حبات ترابه نصيبا ربما كان الأكبر ، وأنهم في حال انتهاك دائم لحقوقهم بما يفرضه فريق الخطوط الحمراء على الجميع بكل أطيافهم السياسية والدينية المختلفة في محاذير أعلبها إن لم يكن كلها يقف في نهاية دربهم مسرور يحمل سيفه مسرورا ، لأن حوله قد توالد أكثر من مسرور من بنى الوطن يحملون ولاءهم لمسرور وليس للوطن ، رغم أن هذا الوطن ليس حكرا على طائفة دينية بعينها أو مذهب بذاته أو جماعة او فريق أو فصيل سياسي أو من أي لون كان ، لأن مصر ملك لنا جميعا ولنا فيها من الحقوق نصيب كامل غير منقوص كأي مصري آخر ، وهو الأمر الذي يفرضه القانون ويفرض معه على كل الفرقاء قواعده ، لكن عندما يتوارى القانون أمام اللحي والجلاليب والمسابح فإنه يكون قد أهان نفسه وسمح لأي فريق أن يتطاول عليه ، وهو ما يمكن أن يصيب الوطن بمزيد ممانرى أمام أعيننا من تحد لهيبة الدولة وكسر قوانينها وكل واحد وكيفه ومزاجه ومكاسبه من هذا الكسر المباح الذي أباحة وجود طائفة تتحدى هيبة الدولة وتكسر قوانينها علنا في الإعلام والتعليم ، فتصيب قيمة المواطنة الآساس لأي تماسك اجتماعي بالخلل والضياع ، كما تشكل في نفوس المواطنين هيبة لذوي اللحي ، وطاعة لذوي الجلاليب ، هيبة أبدا لا يستحقونها ، خاصة إذا ما قورنت بهيبة الدولة المستباحة لكل أفاق أمسك بمسبحة وادعي الحديث باسم الله

والآن لنبتهل الفرص كما يبتهلون وننتهز النهز كما يفعلون في زمن بدأت فيه مقاعدهم في الاهتزاز من تحتهم ، وبدأوا يسجلون تراجعات يعلنون فيها ولو من طرف اللسان ، أو من باب التقية حتى الوصول إلى صندوق الاقتراع ، اعترافهم بأن مصر وطن لكل المصريين حقا وواجبا ،

فإذا كانت مصر وطن الجميع على التساوي حسب اعترافهم بعد حلول المارينز قربنا ، فإن أي طرف من الأطراف إذا اراد أن يضع لنا خطوطا حمراء لا نتعداها حتى في التفكير والبحث ، فإن هذا الحق يصبح مباحا لجميع الفرقاء ليضع كل منهم خطوطه الحمراء وفق مبادئه وما يؤمن به ، وأن أول من يجب عليه الاعتراف بهذا الحق هم المبتدعون الاصلاء لحكاية الخطوط الحمراء ، لمواطنين على ذات الدرجة فإن للمسيحيين خطوطا حمراء لا يجب التعدي عليها ، كذلك هو ذات الحق الذي لابد أن يعلن بموجبه الشيعة عن خطوطهم الحمراء ، وكذلك البهائيون وكذلك الملحدون.

لأنه إن سمحنا لفريق السني وحده أن يضع لنا جميعا خطوطا حمراء فهو ما سيعني فورا أننا مازلنا نعيش أيام السادة العرب الفاتحين ، وأننا مازلنا اتباعا لهم وأننا إما موالي (أي مسلمين مصريين في درجة أدنى من السيد العربي) وإما أننا أهل ذمة وهو الأمر الذي كلما ألمحنا إليه استثار حساسية سادتنا وتذمرهم غير المفهوم ، فإما أننا مواطنون على ذات الدرجة في وطننا أو أننا شعب يرفض الاستقلال حتى اليوم عن دولة الخلافة الزائلة ولا يري لنفسه الكرامة في وطنه ، بتسييده ثقافة واحدة على باقي ثقافات المجتمع تضع له قوانينة وتسن له شرائعه وتحيطه بالخطوط الحمراء أينما اتجه ، وهي قوانين وقواعد خلافة قررت حل نفسها بنفسها عندما اكتشفت ما آلت إليه من تخلف ، وتخلت عن كل الخطوط الحمراء ، بينما نحن نرفض إعلان الاستقلال عنها حتى اليوم . وبما أن المجتمع هو مفردات تشكل نسيجا متماسكا ، وبما أن لكل مفردة خصوصيتها التي لابد أن يعترف بها المجتمع فثم عليه أن يعترف بخطوطها الحمراء ، فإن صدام هذه الخطوط معا سيكون حتميا . نعم قد يقول القائل هنا : إذن مرحبا بالخطوط الحمراء لكي يكون كل فريق رقيبا على الفريق الآخر ، لكنه سيكون منطق الصراع لا منطق التكافل والتآزر الذي لا يمكن إقامته إلا بإلغاء كل الخطوط والموانع والسدود . ولا يبقى منها إلا خطوط قانون تم تشريعه برلمانيا شرعناه بأيدينا ليرضينا جميعا ويفي بحاجات المجتمع المدني المتماسك قانوينا ودستوريا . قانون الدولة المعاصرة متعددة الألوان والأشكال بجميع أطياف اتفاقها الاجتماعي .

إن صراع القيم والمفاهيم الدينية والايديولوجية والحقائق المطلقة لن يتمكن من الوصول إلى تفاهم لأن كل فريق لديه يقينيات إيمانية تصادر على الآخر ، لأن كل فريق يتخذ من موانعه وسدوده متاريس يتمترس خلفها بحسبانها مقدسات تعطيه الحصانة لينال من عقائد الآخرين وقيمهم . وفي حال كحالنا لا يتمكن أي فريق غير الفريق السيد من الرد ولا يملك حق المناقشة في ظل إحكام سادتنا المشايخ قبضتهم على المساحات المتاحة للرأي والقول بل وعلى دماغ الناس ، لأنه غير مسموح بوصول أي آخر لهذا الدماغ وتمسى محرماتهم وخطوطهم هي الوحيدة القادرة على الوجود وعلى الفعل حتى أصبحت هي المعتاد الوحيد ، لتضحي في نظر الناس مسلمات لا تقبل النقاش وهو الدكتاتورية عينها والاستبداد ذاته لفريق حصين يفرض سلطته وسلطانه على باقي المجتمع المجرد من أي سلطة ، هو فريق واحد يتبارى مع فرقاء مقيدين لا تصل أصواتهم لبني وطنهم .

فكفاكم حديثا عن خطوطكم الحمراء لأنها أصبحت خارج التاريخ خطوطكم عبودية تشرع العبودية والسبايا ووطء ملك اليمين ، عبودية تشريع العقوبات البدنية كالقطع والجلد والرجم ، خطوطكم تدفع شبابنا إلى الإرهاب بدلا من البناء ، وإلى الموت ، بدلا من الحياة ، وإلى الخراب بدلا من العمار ، خطوطكم أهلت مجتمعاتنا للعيش في القرن السابع الميلادي بدون أي محاولة تكيف مع زماننا ، لذلك ذهب العالم في فضائه الحر إلى حيث هو الآن ، ولذلك نقبع نحن هنا الآن ، خطوطكم لم تعد تصلح لا للوطن ولا للعالم ولا لقوانين واتفاقات ومعاهدات دولية مبرمة بيننا وبين الدنيا وأممها المتحدة ، أو ليتحدث كل فريق عن خطوطه الحمراء ، أو كل فرد ، لأن لي شخصيا الكثير من الخطوط الحمراء ، أريد طرحها في زفة الخطوط الحمراء باعتباري مواطنا صالحا ونظيفا ، أمثل حزبا واحدا هو نفسي .

سيد القمني

ديمقراطية... "بلقيس"؟!

"يا أيها الملأ أفتوني في أمري". كان هذا هو خطاب ملكة سبأ لقومها حسب الرأي القرآني ، بعد أن أتاها كتاب سليمان. "أيها الملأ" والملأ هم المختارون من شعبهم لتمثيلهم أمام الملكة ، والملكة التي تورد الروايات باسم "بلقيس" هي في التصوير القرآني ، من تتوجه لممثلي الشعب تسألهم رأيهم فيما أتاها ، وبصياغة أخرى هي تقول لشعبها "إني ما كنت قاطعة أمرا إلا بكم وبرأيكم".

بلقيس كانت تعلم أن الرأي الفردي في شأن يخص الأمة هو رأي لا خير فيه. ورأت في الرجوع إلى الملأ اعترافا بقدرهم ، وتقديرا لشعبها في المواقف الحرجة ، ولم يعب القرآن هذا الشكل من الحكم ولم يرد به ، بل اهتم أن يحكيه للمسلمين بما في هذا الحكي من صدى لشعوب ، كانت ذات كلمة مسموعة تتمتع بالهيبة والكرامة وحق المواطنة الكامل.

لقد حكم سليمان حكما مطلقا بحسبانه نبيا ، لا يحكم من عنده إنما من عند الله ، حكم بالحكمة التي أعطاه الله إياها وأعلنها في آياته ، وهكذا إذن حكم الأنبياء ، لأنه يتصل بالسماء ، تشرف عليه وترعاه بعدل. وإن هذا الحكم هو اللائق ، وإلا كان القرآن قد قدح في طريقة حكم بلقيس ، أو أمر باتباع طريقة سليمان في الحكم ، وهو لم يفعل هذا ولا ذاك ، وهو ما يؤدي مباشرة إلى الدرس المبتغى في الآيات ، والذي يدعمه بشدة أن نعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، وأن السماء لن ترسل هداة للبشر بعده ، و مع ذلك لا تخبر المسلمين بنظام الحكم الأمثل!.

لقد قرر القرآن رفع القداسة عن السياسة وتركها مشاعا للناس لأنها حياتهم ومصالحهم الذين هم أدرى بها حسبما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح.

انظر إلى الحوار الذي يحمل الإشارات الواضحات إلى نظام الحكم ، فبعد أن تشاور الملأ فعلا وليس قولا ، وبحثوا الأمر ونقبوا فيه من كافة جوانبه ، توجهوا إلى ملكتهم ليسلموا لها قرارهم وفيه يقولون: "نحن أولو قوة وأولو بأس شديد ، والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين". لقد خيروها بين الأمرين بأدب الحديث مع الملوك: الأمر الأول هو أننا أقوياء وواثقون من قوتنا وأنت تعلمين ، وأننا على استعداد لخوض المعركة دفاعا عن بلادنا ضد المعتدي ، ولا يبقى سوى خيار ثان هو السلام ، لكن هذا السلام أو تلك الحرب معقودة دوما وفي النهاية في النظم الحضارية لقرار رئيس الدولة ، وهكذا أخبرنا القرآن وهكذا فعل ملأ بلقيس.

أخبرنا أنه رغم ثقتهم في أنفسهم وفي قوتهم لم يتجرأ أحدهم على إعلان الحرب أو القتال. هذا نظام ليس فوضويا إذن ، لأنهم أبناء حضارة لا يخرج فيها أحدهم ليحارب العالم رغما عن أنف الشعوب وعن أنف الحكام. الحضارة تقول إنه بعد وضع كل الاحتمالات أمام الحاكم فإنه هو من يتخذ قرار الحرب أو السلام. أترون مدى الاحترام المتبادل بين الحاكم والمحكوم؟ وألا ترون أن رأس السلطة في هذه المملكة الإنسانية "امرأة"؟.

ويستمر الدرس فترد بلقيس على ممثلي شعبها ، هي لا تتخذ القرار وتنفذه بعدما فوضوها وأعادوا إليها الأمر ، إنما هي ترد الاحترام باحترام مماثل فتقول لهم ما رأته: "وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان قال: أتمدوني بمال؟ فما آتاني الله خير مما آتاكم".

انظر بلقيس في خطوة تمهيدية ذات حنكة سياسية تختبر صدق نبوة سليمان فترسل له هدية ، فيرفضها ، فتدرك أنه قد آن أوان أن تتوجه بنفسها إليه لتسمع ما عنده.

رواية لطيفة وهادئة لا معنى لوجودها في القرآن لمجرد تسلية النبي في أوقات فراغه لأنها من عند عزيز حكيم ، إنها الدرس الذي نقارنه بحالنا لنجد ملأ بلقيس أكثر اعتبارا منا ولهم من دولتهم شأن ، وأنهم كانوا من السابقين إلى إدراك معان حقوقية لا تفرزها إلا الحضارة ولا تفرز إلا حضارة.

سيد القمني

هيئــة علمــاء الإرهــاب

ممثلها أكد في قناة "الحرة" أن ما تفعله القاعدة في العراق اتباع لشريعة الإسلام:

· تمكنت في شهور قليلة من تكوين أشد الملفات سواداً والعراقيون تأكدوا أنها تحرك خيوط الجريمة المنظمة في بلدهم

· علماؤها لا يقولون إلا باطلاً بشأن قاعدة العراق ولا يبطلون إلا الحق فكانوا هم المجرمين

· الإخوان المسلمون مارسوا دور وزارة الإعلام للقاعدة واستثمروا وجودهم في بعض أجهزة الإعلام للترويج لفكرها

كما في كثير من دول المسلمين ، تشكلت جماعات مشيخية من علماء السنة ، بعيداً عن التبعية الرسمية لنظام الدولة ، وإن كانت تضم في عضويتها الكثير من العاملين في المؤسسات الدينية الرسمية الذين هم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين ، أو أي تنظيم إرهابي آخر ، كحلقة وسيطة تقوم بدور المرجعية الدينية لتبرير أي مواقف أو أفعال قد تتم إدانتها بإدانة الدولة جميعاً في حال الإفتاء بما يخالف القانون المدني للدولة.

وضمن هذه الجماعات المشيخية جبهة علماء الأزهر التي تحول اسمها إلى هيئة علماء الأزهر ، والتي تحمل في طيات اسمها أن كل الأزاهرة أعضاء في الهيئة وهو الأمر غير الصحيح والذي يصيب الدولة في أحيان كثيرة بالحرج وأحيان أخرى بالإدانة نتيجة لمواقف هذه التجمعات التي ترعي أهداف الجماعات غير شرعية كالإخوان أو أي جماعات تشتغل باسم الإسلام السياسي ، وتنتمي في الوقت ذاته لجهة رسمية تسند ظهرها .

ومثل تلك الهيئة المصرية ذات الملف الأسود تشكلت في العراق "هيئة علماء المسلمين" وهو اسم يأخذ مساحة أوسع تشمل جميع المسلمين رغم عدم وجودهم فيها في الحقيقة.

و قد تمكنت هذه الهيئة في شهور قليلة من تكوين أشد الملفات سواداً حتى تأكد لدى العراقيين ان هذه الهيئة تحرك خيوط الجريمة المنظمة في العراق ، وأن أعضاء تلك الهيئة هم المجرمون الحقيقيون وراء ما يحدث في العراق ، وأن محاكمة هؤلاء هي البداية الصحيحة لوقف العنف في العراق (انظر وداد فاخر / إلاف / 23/9/2004 ). و ترى الكاتبة أن القومجية والإسلامجية من ذيول النظام البائد والعصابات الدينية المسلحة قد أصابهم اليأس والخيبة عندما لم تسقط الثمرة العراقية سهلة في أيديهم ، وأن معظم العراقيين اتخذوا طريق المقاومة السلمية حتى الجلاء ، فقاموا ينتقمون من جميع العراقيين بلا استثناء ، وخصوا غير بعض المسلمين بنقمتهم باغتيال المسيحيين العراقيين دون ذنب واضح، كما قاموا باغتيالات معلومة بين رموز العراقيين الشيعة .

وهكذا يبدو أن بقاء أمريكا في العراق قد أصبح هدفاً مطلوباً للقومجية والإسلامجية في حد ذاته ، لإثبات وجهة نظرهم أنه بالإمكان إيذاء أمريكا ، وأن أحد أفضل السبل هو إغراقها في المستنقع العراقي لتحقيق هذا الهدف ، وإطالة أمد وجودها هناك لأنها لن تغادر مادام الأمن غير مستقر ، حتى إذا خرجت خرجت مهزومة لتترك العراق لمن يمكنه الاستيلاء عليه من الداخل بعد إسقاط حكومته بحجة أنها صنيعة للإحتلال ، ليغرق العراق في دماء أبنائه ما بين سنة وشيعة وكرد ومسيحيين ، ناهيك عن بقية الأقليات التي ستقدم قرابين على مذبح الإرهاب ، خاصة مع الوجود الفعلي الآن لمقاتلين عرب من منظمة القاعدة يتراوح عددهم التقريبي ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف مقاتل ، يتبعون رجل القاعدة فرع العراق أبو مصعب الزرقاوي ، الذي لم يترك فرصة ليعلن فيها العداء لأهل العراق وبخاصة شيعته ، واعتبارهم نهباً حلالاً وسبياً شرعياً وذبيحة مطلوبة لأفه الإسلام السني إلا وقال فيها بوضوح وبدون مواربة .

خارج العراق كان رجع الصدى للقاعدة بين كثير من علماء الدين ، وبين أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين عبروا عن تعضيدهم التام لما أسموه "المقاومة العراقية" من خلال الفضائيات الخليجية العديدة ، و الصحف المتأسلمة الواسعة الانتشار ، وكتبوا وأعلنوا و قالوا موقفهم الموافق تماماً لفكر بن لادن والظواهري والزرقاوي تأسيساً على المذهب الإرهابي . وبكامل الحرية أعربوا عن وقوفهم في خندق الإرهاب في صحفنا وإعلامنا بما أسموه تأييد الفكر الجهادي ، وبإصدار فتاوي تأييد ، ونشر ما يصدر عن رجال القاعدة من بيانات وتهديدات .. أما الإخوان المسلمون فقد مارسوا بين الناس دور وزارة الإعلام للقاعدة ، واستثمر بعضهم وجوده في مؤسسات الدولة الإعلامية للترويج لفكر القاعدة الجهادي وتأييده بالآيات والأحاديث من على منابر وزارة الأوقاف وقاعات محاضرات الأزهر الشريف وكافة وسائل الإعلام والدعاية والإعلان ، بدعوى مواجهة العدو المشترك وهو الصليبيون والصهاينة.

و للأسف الشديد فإن هذا الصوت يكاد يكون الصوت الوحيد في وسائل الإعلام العربية والإسلامية حتى غاب العقل المسلم عن أي رؤية أخرى للموقف السياسي والشرعي ، وحتى تحول المسلمون إلى طاقة متفجرة تبحث عن منفذ للإنطلاق والتدمير إخلاصاً لهذا الإسلام الذي يعرفون ، الذي أصبح بديلاً للإسلام البكر الذي لا يعرفون.

و رغم سيل البيانات العسكرية لمنظمة القاعدة فرع العراق ، ورغم سيل القتلى من أبناء العراق ، ويا لوعة الكبد لما يحدث لأبناء العراق من الأجنبي ومن الشقيق .. و رغم الإعلانات بالصوت والصورة للذبائح على الطريقة الإرهابية ، ورغم حرق أجساد الموتى وضربهم بعد موتهم وتعليقهم متفحمين على كباري بغداد ، ولا ذنب لهم إلا أنهم غير مسلمين ، فإن قرضاوي يعقب من جانبه (الجزيرة 26/9/2004) على ما حدث من تمثيل بالقتلى المحروقين بقوله : "هذه الأشياء لا يقرها الشرع" لاحظوا الصياغة "هذه الأشياء" وليست هذه الجرائم البشعة ، أو ليست هذه الأفعال الهمجية البربرية .. أما عن ذبح الرهائن فإن النبي – كما يقول قرضاوي – قد قتل بعض الأسرى في غزوة بدر وكانوا ثلاثة "ونصحح هنا لمولانا أنهم كانوا أثنين فقط هما "عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث" ، لكنه يبرر هذا القتل للأسرى بأنهما كانا محرمي حرب . ولم يشرح لنا كيف كانا مجرمي حرب ، لأن هذا الوصف لا ينطبق عليهما بالمرة حتى لو كان القائل قرضاوي ، ثم يقول : إن الرسول قال : إذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبح" .

مع هذا الرجوع للأسانيد المبررة ، فإن قرضاوي كعادة الخطاب المخاتل المخادع عند مشايخنا ، يتهم الموساد والمخابرات الأمريكية بالقيام بهذه الأعمال القذرة في العراق ، لتعمل في الخفاء ليتسبب فعلها في رد فعل نفسي عند المجتمع الدولي ، ثم ينسب ذلك إلى الإسلام والمسلمين وهم منه براء ، ولا تفهم هنا هل كانت تبرايراته السابقة للأفعال الإجرامية تبريراً لفاعليها المسلمين ، أم تبريراً لفاعليها من الموساد والمخابرات الأمريكية؟

ومع قرضاوي وقف ممثل هيئة علماء المسلمين العراقية في قناة الحرة (13/9/2004) الشيخ علي خضر الزائد ، ليؤكد أن ما تفعله القاعدة في العراق هو اتباع للسياسة الشرعية التي هي جزء من الإسلام ، وإن خالفهم سماحة الشيخ محمد حسن الأمين ، وكان جل اهتمامه ليس بالقصاب ولا بالذبيحة ، بقدر ما كان صورة الإسلام التي أكد أنها أهم بكثير من أي اعتبار آخر ، مع التأكيد على أن الإرهاب وافد علينا وليس له أصل في دين المسلمين .

ومثل الشيخ الزند كان قرضاوي ، وكان اهتمامه منصباً على تدخل المشايخ في السياسة والحروب ، مع رفضه البات لمن لا يرون للمشايخ حق الدخل ، وهم يرون ذلك منعاً لفتن أعظم لأن مشايخنا لا هم بأهل سياسة ولا هم بأهل حرب إنما هم أهل تحريض يستجيب له مشاعر المؤمنين ليسوقوهم إلى حتفهم بظلفهم .

من هنا يحتج قرضاوي أشد الإحتجاج على من يناديهم بالتزام العمل الديني دون التدخل في السياسة والحرب بسوء فهم أو سوء نية لا فرق ، فيقول : "هذا لن يمنع علماء المسلمين من أن يقولوا الحق وأن يبطلوا الباطل ولو كره المجرمون" رغم أنهم بشأن قاعدة العراق لم يقولوا إلا باطلاً ، ولم يبطلوا إلا الحق ، وكانوا هم المجرمين .

تعالوا نتأكد معا من حقنا في هذه الصراحة بالرد على مولانا الذي أكد من هنيهة أن خطف الناس في العراق من مختلف الملل والنحل والبلاد ، بغض النظر عمن يتعاطف أو يقف مع قضايانا أو عمن يعاديها ، تقوم به المخابرات الأمريكية والإسرائيلية ، فيتصل بالبرنامج أحد الإرهابيين ليقول : "إن المقاومة الإسلامية الشرعية هناك قد تقوم بحجز بعض الأشخاص لكن ليس بغرض قتلهم وإنما بغرض التحقيق معهم". و من ثبتت إدانته قطعوا رأسه عبرة ودرسا وتخويفا وإرهابا للكفار والمتعاونين معهم ، وإن ثبتت براءته أفرجوا عنه.

قرضاوي يعيد القفز من مربع إلى آخر فيقدم فتواه بأن "من ثبت أنه جاسوس فقتله مشروع باجماع مادام الإخوة (لاحظ : الإخوة) يحققون ويثبتون أن الشخص يعمل لمصلحة المحتل .. وإذا ثبتت عليه جريمة توجب قتله .. ويمكن أن يمن عليهم أو يفادون بمبلغ من المال وهكذا نحن أصحاب مبادئ".

هكذا أقنع الأخوة قرضاوي بأنهم يحققون مع المخطوف ، ومن ثم سلم قرضاوي للإخوة بالنزاهة التامة دون نقاش ، بل ورد على المنتقدين لطالبي المال مقابل الإفراج عن الرهائن بأنه أمر شرعي يؤكد أن المسلمين أصحاب مبادئ!. لكنه اعترض فقط على نشر الصور البشعة لجز الرقاب "لأنها تؤذي مشاعر الخلق والذوق العام" ، وهو ما يعني أن يتم الذبح في الستر حتى لا يضطر قرضاوي لنسبته (لبشاعته) إلى مخابرات أمريكا وإسرائيل. رغم تدخل بعض المشاهدين لتذكير الشيخ أن هؤلاء المذبوحين مدنيون.

ولأن الفتوى خطيرة فهي تحتاج إلى اجتماع علماء المسلمين من كل المذاهب المناقشتها ، فإن قرضاوي أجاب قائلاً : "أخونا (لاحظ : أخونا مرة أخرى) بيقولك أنهم يحققون معهم ويجدون أن هؤلاء أعوان مهمون جداً للمحتل ويتجسسون لحسابه ، فهذا الأمر واضح لا يحتاج أننا نجمع علماء المسلمين . هناك علماء مسلمون في العراق اجتمعوا وأصدروا وقرروا وهم في هذا كفاة" .

لقد صدق قرضاوي (أخونا) و (إخواننا الذين لم يتصلوا) تصديقا فوريا أكيداً ، رغم أنه أخ واحد لا يصلح شاهدا وكان يلزمه بعض الأخوة لمزيد من التأكيد ، فهل كان التصديق الفوري مجرد صدفة باتصال هاتفي من مجرم عتيد أم أن الاتفاق قائم قبل الإتصال ، والموافقة جاهزة ومسبقة ؟

"أخونا قال لنا" فماذا نريد وضوحا بعد ذلك؟

الأمر واضح لدرجة أننا لا نحتاج لحشد العلماء ويكفينا فقد اجتماع علماء العراق على ذبح الأبرياء ، إنهم (هيئة علماء المسلمين) ، إنهم (جبهة علماء الأزهر) ، إنهم (جماعة الإخوان المسلمين) ، إنهم (جماعة أنصار السنة) ، إنهم (جماعة التكفير والهجرة) ، إنهم باختصار على مختلف المسميات : هيئة علماء الإرهاب .

نشرت فى روز اليوسف 2/10/2004 العدد 3982

أنا الشعب !

يطرح أهل الدين على الناس مصطلحات يحددون مفاهيمها بأنفسهم ، وهي المصطلحات التي تحتاج إعادة فهم ، خاصة أنهم يربطونها بالمقدس الإسلامي ، ويعممونها على عموم المسلمين ، بحسبانها المفاهيم الواحدة الممكنة ، وعادة ما يتم ربط هذه المفاهيم بمصالح السدنة السيادية كمصدر لمعرفة المقدس وتفسيره ، ومن ثم تتحول لترتبط بالدين نفسه عبر تقادم الارتباط بينهما.

يقولون لنا إن نبي الإسلام تنبأ بانقسام المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة ، الناجي منها فرقة واحدة والباقون إلى النا. و رغم التجهيل في الحديث حول سمات أو مواصفات الفرقة الناجية ، فإن سدنة الدين ، أو من جانبهم حددوا هذا المصير في الدنيا. ويبدو لنا أن هذا الحديث كان رجع الصدى لما حدث في واقع المسلمين من انقسامات حادة ، فرقتهم شيعاً ليس فقط في فهم حديث كهذا ، ولكن في شؤون التعبد الطقسية ذاتها. و مع احتساب كل فرقة نفسها هي وحدها الناجية لأنها صحيح الدين فيما ترى ، فيبدو أن كل الفرقاء قد أقروا هذا الحديث بغموضه حتى يقبل إسقاطات كل الفرق عليه.

لكنك مع التأريخ الإسلامي لابد أن تصيبك الدهشة وأنت تبحث عن الفرقة الناجية في نظر جمهور المسلمين وما يسمونه إجماعهم ، لتجد أنها هي الفرقة التي حققت انتصارها عندما انتصرت لما يريده السلاطين من الدين ، فحازت الوجاهة الاجتماعية على الناس والحصانة الكهانية ، مع نفوذ يجد مكانه إلى جوار العرش دوماً.

بينما تحولت الفرق القليلة المعارضة إلى طوائف مهزومة حق عليها الكفر وأحياناً شنوا عليها الحروب الوخيمات في تاريخنا ، إلى درجة أنه كان يتم استئصال المهزوم بالإبادة الجماعية ، ولم يبق من هذه الفرق سوى الذكريات التاريخية ، بعضها القليل بأحلامهم التاريخية من وجهة نظرهم كما المعتزلة مثلاً أو الشيعة الإمامية ، وبعضها الذي فني ، فقد تم تشويه فكره وحرق كتبه ولا نعلم عنه ما نعلمه إلا من مدونات كهنة السلطان ووجهة نظرهم. فأباد الأمويون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء العباسيون فأبادوا الأمويين ، وهكذا دواليك. وكل من تسنم العرش كان يعلم أنه سيصبح الفرقة الناجية ، في الدنيا والآخرة.

ولكن تعالوا نفترض صحة هذا الحديث التامة المطلقة لنتأمله معاً ، فنجده يفترض سؤالاً شديد الأهمية وهو:

من الذي يقع على عاتقه عبء الحكم العادل للتحكيم بين الفرقاء لفرزهم وإصدار القرار الصواب لتحديد الفرقة الناجية؟.

أبداً لم يطرح أحدهم السؤال على نفسه ، لأن جميعهم يرى نفسه وحده دون غيره الصواب المطلق ، ولم يفترض أبداً لهذا الغير الحق في الاختلاف ، لأنه لا يراه ، ولأن الدين واحد أحد لا يمكن أن يكون رأيين لأنه سيكون بذلك دينين ، وحتى يكون الرب واحداً والرأي واحداً والحاكم واحداً والفقيه واحداً لابد أن يكون الدين واحداً.

إن الحديث يفترض بداهة أن هناك فرقة خارج هذه الفرق المتقاتلة أو المختلفة أو السيدة والمقموعة ، يفترض فرقة محايدة هي التي يمكن بحيادها أن نقوم بعملية الفرز والتصنيف والتقييم وإصدار الحكم.

بهذا الفهم التلقائي البسيط كان لابد أن يلمح الجميع تلك الفرقة المحايدة التي لا ينشغل بها أحد ، ولا يهتم لأمرها أحد ، لذلك لم يلمحها أحد. وإذا لجأنا إلى القرآن فلن نجد الأمر يقتصر على الفرز والتمييز بين الطائفتين المتقاتلين ، إنما سيمتد إلى قتال إحدى الطائفتين عندما نكتشف أنها هي الباغية ، وهو ما يشير مرة أخرى بوضوح إلى فرقة ثالثة هي المتلقي الحقيقي للخطاب النبوي والقرآني ، تلك الفرقة المخفية في تاريخنا ، والتي أناط بها القرآن الحكم بين الفرقاء ومقاتلة الباغي.

إن الفرقة التي أهملتها كل الفرق المتصارعة على السلطان ، هي الناس ، هي الشعب. الآية تحمّل الشعب مسؤولية حماية مصالحه وإدارة شؤونه ، وتهيب به للوقوف في وجه رجال الدين الذين يمثلون المذاهب على ألوانها ، والذين يقسمون الأمة فرقاً متقاتلة منذ فجر التاريخ الإسلامي ، ولم يكن قتالهم مرة واحدة من أجل الناس ، لأن الناس كانوا هم موضوع الاقتتال ، كانوا هم الغنيمة ، بدلاً من أن يكونوا الحكم العدل. فهم مجموع المواطنين الذين يشكلون الدولة والأمة ، وهم حسب مفاهيم اليوم في النظام الديمقراطي من يشرعون لأنفسهم عبر مجلس نيابي منتخب من كل الملل والنحل والمذاهب والأعراق ، هم الفرقة التي حكمت فأحسنت الحكم ، بينما عندنا فإن أحداً لم يرها حتى تاريخه.

سيد القمني

نظرية أن كل مسلم إرهابي -1/2

بعض التقديرات تصل بعدد المتطرفين المسلمين إلى حوالي 200 مليون مسلم وهو ما يشكل نسبة 15 % من عدد مسلمي العالم ، وهو رقم هائل ويثير الذعر ، ويثير ذعرنا كمسلمين قبل غيرنا ، فهو رقم مبالغ فيه بشدة في ظل ما نعلمه نحن المسلمون في بلادنا وسط ملايين المسلمين البسطاء الطيبين.

لكنهم يحيلوننا إلى خريطة الإرهاب العالمي لنجده إسلاميا خالصا يغطي العالم من أقصاه إلى أقصاه ، فمن القاهرة إلى الجزائر ، ومن نيويورك وواشنطن إلى موسكو ، ومن مدريد إلى الدار البيضاء ، ومن الرياض إلى صنعاء ، ومن دمشق إلى بغداد ، ومن إندونيسيا إلى الهند ، ومن كشمير إلى الشيشان ، ومن الفلبين إلى كابول ، ومن نيجيريا إلى بيشاور ، ومن إسلام آرباد إلى .. ، ..

و يرى كثير من الباحثين الغربيين أن كل مسلم هو إرهابي بالضرورة ، ليس لأن الإرهاب رد فعل على ضغوط محلية أو إقليمية أو دولية ، إنما بحسبان الإرهاب مكونا رئيسيا في بنية دين الإسلام بحسب ظرفه التاريخي.

و هي ليست فقط مجرد وجهة نظر غربية ، بل هي وجهة نظر إسلامية ، بل إن الإرهاب هو عقيدة إسلامية عند أهل الإرهاب الإسلامي دونها الكفر ، وهي ما يسمونة عقيدة "الولاء والبراء".

وهو الأمر الذي يجب أن يشغلنا وأن نقف معه ، ليس بغرض الإثبات أو الإنكار ، أو الرد بالانتقاء من الآيات المكية لنرد بها على الآيات المدنية ، ولا بغرض تبييض وجه الإسلام ، وإنما بقراءة متأنية فاحصة تحاول الفهم ، وألا تكون مهمة هذه القراءة الرفض أو القبول ، أو اكتشاف الوجه السمح للإسلام مقابل ذلك الوجه العنيف للتغطية عليه ، لأننا لو أردنا قراءة صادقة حتى لو كانت صادمة فعلينا أن نقرأ النصوص وأحداث التاريخ الإسلامي المرتبطة بها قراءة محايدة نزيهة منصفة ، وأن نعترف بالحقائق عندما تكون حقا حقائق لنواجه المشاكل بحلول حقيقية لا بمساحيق تجميلية لا تحل شيئا قدر ما تزيد من تفاقم مشاكلنا ، في عالم اختلفت وجهته وتغيرت معالمه وانقلبت فيه موازين القوى عن عالم القرن العشرين المنتهي فقط من أربع سنوات ، فما بالنا بعالم انتهى وأصبح في ذمة التاريخ منذ أكثر من ألف عام إلى الوراء.

من ثم علينا أن نعترف بالخطأ أينما وجدناه ، وأن نحاول له علاجا وإصلاحا بما يناسب عالم اليوم لا عالم الأمس البعيد ، بل والتخلي عن النصوص التي تجاوزها الزمن بعد أن لم تعد صالحة لغير زمانها .. إننا نحاول هنا العثور على مخرج من مأزق حالي سببته أحداث حدثت منذ أربعة عشر قرانا ، وساهمت في صنعه ظروف ليست ظروفنا الآن وزمن مضى ولن يعود ، ظروف تجادلت مع النص المقدس تأثيرا وتأثرا وأخذا وعطاء وردا.

كما أسهم فيه بباع واسع وهائل المسلمون الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، وهو الإسهام الأكبر والأعظم أثرا في تفكير المسلمين ومناهجهم في التفكير وفي السلوك حتى الآن. ويرفض المسلمون مناقشته أو إعادة قراءته باصرار على قدسية ذلك الزمن السالف كله نصوصا وشروحا وحديثا وبشرا واحداثا ، وهو الأمر الذي يجب أن نتطارح معا حوله ونتصارح لإصلاح الشأن ، خاصة أن الباحثين الغربيين بل وإدارات تلك الدول قد أصبحت تعلم عن الإسلام الكثير مما لا يمكن إخفاءه ، كما يعرفون عن أساليبنا الهروبية والتجميلية الكثير أيضا ، لذلك لابد من التخلي عن الاصرار والعناد على طريقة "الذب عن الإسلام" والتي تؤدي إلى تقديس كل شيء إسلامي حتى لو لم يكن مقدسا أصيلا في قانون الإيمان الإسلامي ، وأن نتخلى عما اعتدناه من ميل عجيب لإعادة إخراج الإسلام مع كل متغير جديد لتقديم صورة الدين المثالي الأصح من بين كل الأديان بل وكل العلوم ، وأن تتوقف جماعات "الذب عن الإسلام" ، عن تخوين الباحثين الناقدين بحجة أن واجب كل مسلم هو الذب عن الإسلام والذود عنه ، وأن أحد أساليب مقاومة المؤامرة هو عدم كشف عوراته والتكتم على السلبيات ، وأن كشفها لبحثها هو لون من التحالف مع أعداء الأمة ويصب مباشرة في خانة الخيانة القومية والكفر الديني ، لأنه معونة للكافرين على المسلمين ، وهو ما قاله يوما الاستاذ فهمي هويدي المشهور بأنه مفكر إسلامي مستنير "عندما يكون الوطن جريحا والأمة مهزومة فإن تشتيت الجهد في الصراعات الداخلية الفكرية أو العرقية أو الطائفية لا يمكن أن يوصف إلا بأنه خيانة للأمة وجناية على الوطن والأمة – كتابه المفترون 115"

إذ كان هذا قول للمفكر الإسلامي المستنير ، فلاشك أن مهمة أي باحث ستكون شديدة الاستعصاء ، لأنه سيتساءل أكثر من مرة عن موقف بقية المسلمين ، ومع احتساب فارق المفكر من غير المفكر والمستنير من غير المستنير ، ويظل معنى كلام الأستاذ فهمي أن نخضع لسيادة المنظومة الفكرية السائدة وهي واحدة من عدد عظيم من منظومات ووجهات نظر أخرى للاسلام ، وهي ما آلت معها أحوالنا إلى ما نحن فيه من وهم وتخلف عظيم وهي بتخلفها ما أفرزت البحث عن جديد .

يعتمد الرأي الذي يعتمد الإسلام كدين إرهاب سواء من الباحثين الغربيين او من المسلمين المتطرفين على نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تحض المسلمين صراحة على قتال غير المسلمين ، وأن القتل في هذه الحالة لا يكون جريمة مادام بغرض إعلاء راية الدين ، والمصطلح الدقيق هنا هو "الجهاد" ومعنى الجهاد فيما يقول ابن تيمية في السياسة الشرعية /ص17 : "إن كل من بلغته الدعوة إلى دين الله فلم يستجب لها فإنه يجب قتاله حتى لا تكون هناك فتنة ويكون الدين كله لله" مستشهدا بالحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله ألا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن قالوها فقد عصموها منة دماءهم وأموالهم .. وأن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر وأشد من القتل ، لهذا أوجبت الشريعة قتل الكفار المقاتلين – المصدر نفسه ص 124 ، 125".

إعمالا لهذه المفاهيم فقد رأى الشيخ (المنيع) في الرأي العام الكويتية فيما حدث في 11 سبتمبر 2001 بأمريكا "أنها كانت لفتة إلهية لإقامة الحجة على من أطلع على هذا الدين" أن قتل الأبرياء في الطائرات والأبراج بالألوف كان تعريفا للأمريكان وللعالم بدين الإسلام في لفتة إلهية. وأنه بعد هذه اللفتة يجوز للمسلمين إعلان الحرب عليهم ، لأن اللفتة أقامت عليهم الحجة وأطلعتهم على هذا الدين القيم ، و الغريب اللطيف عند الشيخ المنيع وأمثاله أنهم يؤكدون بلسانه "إن الإسلام برئ من تهمة الإرهاب (رغم اللفتة ؟!) .. فالإسلام جاء للدعوة ولم يأت للقتال .. وليس معنى ذلك أننا نريد استعمار العالم كما يريد الغرب ، بل إننا ندعو العالم إلى ما من شأنه أن يسعدهم في حياتهم وآخرتهم .. وأن المنصف الذي يريد أن يعرف سماحة الإسلام فعليه أن يرجع لمصادره في القرآن والسنة" .

فالشيخ المنيع يرى أن فرض الإسلام بالقوة ليس إرهابا حتى ولو سالت الدماء أنهارا ، وهو بهذا يدعو العالم إلى السعادة كما لو كانت السعادة سمة بلاد المسلمين؟! فماذا لو صدقنا في زعمنا أن الغرب يشن علينا حربا صليبية ، وأن بوش وحكومات الغرب كانوا كذلك حقا ، وأعلنوا علينا "تنصروا أو نحتل بلادكم وننهب أموالكم ونقتل رجالكم ونركب نساءكم ونستعبد أولادكم"؟! وما الذي يمنعهم لو ارادوا ؟! وماذا عند الشيخ المنيع وبلاد المسلمين من حول أو قوة إلا بالله ؟

هذا إضافة إلى مشكلة أخرى تسببت في ارتباط الإسلام بالعنف في الاذهان ، هو ارتباط الإسلام من فجره بالسياسة ارتباطا كاد يكون عقيدة ضمن عقائد المسلمين ، لظرفه التاريخي الذي فرضه واقع جزيرة العرب ، حيث كان الإسلام يقيم لعربها المشرذمين دولة مركزية مورست فيها كل ألوان السياسة الهادئة والعنيفة والحوارية والمقاتلة. ولأن السياسة عمل يومي عبر التاريخ فقد حضر الإسلام في مواقف المسلمين اليومية منذ ذلك التاريخ البعيد في الحجاز وحتى اليوم لكن باتساع العالم الذي يعيش فيها المسلمون ، خاصة ما يعتقده المسلمون باعتبار الغرض النهائي من إسلامهم هو إقامة الدولة الإسلامية الكبرى ، ونشر الإسلام في الأرض بالاقناع والبرهان أو بالسيف والسنان.

والمعلوم أن الإسلام في فجره قد حل لأتباعه غنم الأموال وسبي النساء والاستيلاء على البلاد وتحويلها إلى دار إسلام باستيطانها ، أو كما قال النبي : "أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد من قبلنا" بعد أن مضت فترة تصل إلى ثلاثة عشر عاما والنبي يدعو في مكة مؤجلا النعمة إلى يوم القيامة ، فلم يؤمن به سوى نفر يصل إلى السبعين ، لأن تأجيل النعمة إلى ما بعد الموت لم يكن مغريا بجذب الأتباع إلى الدين الجديد ، بينما عندما أحلت الغنائم بعد الهجرة إلى يثرب فقد اصبح ذلك حافزا دافعا لدخول العرب إلى الإسلام ، وبعد أن أصبح تصريح النبي لاتباعه سبيلا إلى الثراء والنعمة المادية في الدنيا ، وهو التصريح المصرح "من قتل قتيلا فله سلبه ، ومن أسر أسيرا فهو له" ومن ثم فقد لعبت الغنيمة دورا كبيرا في قيام جيش إسلامي قوي توجه بعد أن وحد جزيرة العرب تحت قيادة قريش ، إلى بلاد المحيط فاتحا ، بدافع وترغيب من النبي بغنائم تلك البلاد الهائلة ، إذ ينادي المؤمنين: "والذي نفسي بيدة لتملكن كنوز كسرى وقيصر" وهو ما حدث بالفعل بعد أن اقبل الجميع على الغنيمة من باب الجهاد ، وهو ما أفصح عنه "أبو تمام" يخاطب المجاهد : فما جنة الفردوس تبتغي ولكن دعاك الخبز أحسب والتمر .

وفي زمن فراغ قوي دولي تاريخي كان له ظروفه التي لم تتكرر ولن تتكرر تمكن عرب الجزيرة بعد أن وحدهم الإسلام في دولة مركزية من احتلال دول المحيط وتكوين إمبراطورية قوية ، أمكن لها أن تقوم بتطبيق منطق الجهاد الذي ينتهي إلى أحد أمرين: الخلود في جنة النعيم الفردوسية ، أو الحياة الرغيدة الثرية بعد الفقر والسيادة بعد التبعية ، وكان يمكن لهذا المنطق أن يكون أبديا لو ظل التاريخ ساكنا على حاله ، كان ممكنا أن نظل اليد الباطشة لكن ظروف الإيام وتقلبات الأزمان لا تعرف ثباتا شرعيا ، فهي تفعل حسب منطقها لا منطقنا ، ووفق قوانينها وليس حسب قوانين أي شرعية كانت.

ومع الواقع المزري ومع الاعتقاد الجهادي كان لابد أن يظهر الإرهاب وهو سلاح الشعوب عندما تعاني المهانة والضعف والمذلة ، مطابقة مع حال المسلمين الأوائل الذي أقاموا قوتهم بالجهاد ، ومن ثم أصبح التصور الغيبي أن استعادة هذه الفريضة التي غابت كفيل وحده بعودة الله لنصرة دينه وعباده الصالحين كما حدث للمسلمين الأوائل وهم قلة أذلة ، دون أي اعتبار لمتغيرات الواقع الهائلة وموقع المسلمين المتميز في قاع هذا الزمن.

وقد أسهم الفقه الإسلامي بدور عظيم في ثبات الإسلام والمسلمين عند درجة حضارية فارقة في تخلفها ، بتثبيت قواعد التعامل مع النصوص المقدسة ، وتحويل هذه القواعد إلى مقدسات بدورها رغم أنها انتاج البشر ، فاختلط البشري بالإلهي في قواعد كبلت الإسلام وهزمت المسلمين هزيمة حضارية مروعة ، وهي قواعد لم تكن عند وضعها بعيدة عن الشبهات لتناغمها مع تحولات القوى في الدول الإسلامية وتقلباتها السياسية ، والتحالف الواضح بين محترف يالعمل الديني وبين مراكز القوى السياسية ، ومن نماذجها ثلاث قواعد أزعم أنه لم يوقف مسيرة تطور المسلمين مثلها ألا وهي:

· "لا اجتهاد مع نص" و

· "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" و

· "تكفير كل من خالف معلوما من الدين بالضرورة"،

بل أكاد أزعم انها القواعد المصيبة التي ألحقت بالمسلمين كارثة تاريخية لا شبيه لها. ومع ملاحظة أن رجال الدين عادة مالا تثور ثائرتهم ويقومون مكشرين عن كل أسلحتهم إلا عندما يتعرض أحد لقاعدة من هذه القواعد ، مما يشير إلى تلامس فصيح بين المصالح وبين القواعد ، وبسبب هذه القواعد الكارثية تحديدا لم يتصور تفسير النصوص ولم تلحق نصوص كتلك التي تتعلق بنظام الرق البائد ، أو تلك التي تتعلق بالجهاد في بلاد المسلمين أو بلاد الغرب لايقاف العمل بأحكامها تبعا لدوران العلة مع المعلول ، وتبعا لدوران الأحكام بدوران المصالح ،وأن المصالح اليوم تستدعي رؤية أخرى للدنيا ولغتها وقوانينها وطرائق عملها وأساليب التعامل معها.

وعن حق ذهب الاتقياء من المسلمين العارفين إلى تفسير الجهاد اليوم بأنه جهاد النفس ضد شهواتها وأن ذلك هو الجهاد الصادق ،وهو تفسير أقرب إلى روح الدين من القتال والدم والسبايا والنهب والسلب .. لكن يبدو أن صوت الرشاش كان هو الأعلى ، وأنه الفريضة التي عادت بعد طول غياب ، والتي وضعت المسلمين بعودتها في مواجهة كل دول العالم ، لأن دول العالم جميعا قد أصبحت تحت طائلة التخريب ما أمكن ، وهو إرهاب مشروغ ضد العدو (الذي هو الدنيا كلها) وحتى ولو لم يحقق المسلمون أي غنائم ، وهو التفسير البسيط للسؤال الأمريكي الساذج .. ما هو الهدف؟

إن الجهاد قائم إلى قيام الساعة وقتما استطاع المسلمون إليه سبيلا وأنه كما نحن ضعاف ، فقد كان الأوائل ضعافا أيضا ، لكنهم عندما نصروا الله بالجهاد نصرهم وأتي بأمره ، ومن ثم علينا بالجهاد حتى يأتي الله بأمره مرة أخرى.

و يؤكد أصحاب هذا الرأي من المسلمين أنه بالجهاد اليوم يلزمون سنة النبي وأوامر القرآن و سيرة الصحابة الذين قاموا بعدد من الغزوات كان بعضها إرهابا للعدو ونكاية فيه فقط لكنهم من بعدها قاموا بفتح البلاد واستيطانها وتحويلها إلى ديار إسلامية ، وهو ما يتضح في المصطلحات التي استخدامها الدكتور أيمن الظواهري في كتابه (الولاء والبراء) وهو يعقب على أحداث 11 سبتمبر 2001 قائلا : "تشهد هذه العقود من تاريخ الأمة المسلمة صراعا محتدما بين قوى الكفر والطغيان والاستكبار وبين الأمة المسلمة وطليعتها المجاهدة ، وقد بلغ هذا الصراع ذروته بغزوتي نيويورك وواشنطن المباركتين ، وما تلاهما من إعلان بوش عن حملته الصليبية. واتضح من هذه الحرب الحاجة الماسة لإدراك خطورة عقيدة الولاء والبراء في الإسلام .."حتى لا يختلط الأعداء بالأولياء .. لأن أهم فتنة في هذا العهد تهدد التوحيد والعقيدة الإسلامية فهي فتنة الانحراف عن موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين" .

ويبدو أن الدكتور الظواهري وهو يشن حربه الدينية يريد أن يؤكد على أن الطرف الآخر يشن بدوره حربا دينية "صليبية" لكي يجد مشروعية قانونية على أساس المعاملة بالمثل ، كما يبدو أنه من غير الواضح لدى الدكتور ظواهري أن من حق الآخرين أن يردوا على العدوان ، ولأن غزونا مبارك إسلامي ، فلابد في المقابل أن تكون حرب بوش حربا صليبية وغير مباركة ، إن اللغة هنا والمصطلح يبعدان تماما عن عصرنا ولغته ومفاهيمه ومصطلحاته وطريقة التعامل فيه مع الذات ومع الآخر.

وتعتمد نظرية أن كل مسلم إرهابي على مثل هذه اللغة وتلك المفردات كما تعتمد على سلوكيات المسلمين العاديين في حياتهم اليومية التي تقوم فلسفتها العامة على ما سماه الدكتور الظواهري (عقيدة) الولاء والبراء.

فيلاحظون مثلا أن الجماهير العربية والإسلامية العريضة لم تخرج لتعبر عن مشاعرها المفترض أنها رافضة لمقتل الأبرياء في أبراج التجارة ، ولا تضامنا مع ضحايا مدريد وموسكو. بل إن ما حدث كان على عكس من المشاعر الإنسانية المفترضة في حال كهذا ، فقد خرج الناس يعبرون عن فرحهم مما أذهل العالم وليس أمريكا وحدها ، كما لاشك أذهل عقلاء المسلمين.

وإذا كان المسلمون لم يخرجوا للتعبير عن وجع الإنسانية لما حدث في نيويورك لأسباب تتعلق بالموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية فماذا عن مدريد؟ وماذا عن موسكو حليفة العرب التاريخية؟ .. بل ماذا عن دارفور في جنوب السودان ، حيث تتم عملية تطهير عرقي واسعة على أيدي الجيش السوداني ، ووصفتها الأمم المتحدة (أو الهيئة الكفرية العالمية كما تسميها القاعدة) بأنها "أسوأ أزمة إنسانية في العالم اليوم" ، هذا في الوقت الذي خرجت فيه المظاهرات المليونية في نيويورك ومدريد وبرلين وغيرها تضامنا مع قضايا العرب والمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان.

كذلك لاحظ هؤلاء بشدة أنه بينما يقدم الغربيون وكافة دول العالم غير المسلم المعونات والمنح والهبات لكل أرجاء العالم الإسلامي دون الأخذ في الاعتبار أية مسائل عرقية او طائفية ، فإن العالم الإسلامي يجمع حصيلة أموال دائمة في شكل تبرعات وهبات وأوقاف وصدقات وزكاة لكنها لا توزع إلا على المسلمين وحدهم ، إنها عقيدة الولاء والبراء التي أجمع عليها السلوك العام بشكل يكاد يكون لاوعيا ، عقيدة الإرهاب الدولي والمحلي ، عقيدة تعتمد على آيات قرآنية توقف تفسيرها عند هدف بعينه دون تفسير وأهداف أخرى ، وتم سحب آيات من سياقها التاريخي لتطبيقها على سياق مغاير وفق قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" ، رغم أني أعتقد أن الولاء والبراء ليس أبدا بعقيدة ، وأعتقد أني مع إنكاري هذا أني مسلم تقي لا يشوب إيماني شك ، وأني عندما أنكر هذه العقيدة عندي من المسوغات الإسلامية ما هو جدير بالطرح لنتداوله بيننا .. فإلى الموضوع الآتي نختار معبرا عن هذه العقيدة كتاب الدكتور أيمن الظواهري (الولاء والبراء).

روز اليوسف 22-5-2004

نظرية أن كل مسلم إرهابي -2/2

الظواهري ومدرسة التطرف الدموي

في كتابه (الولاء والبراء) حشد الدكتور أيمن الظواهري أكبر عدد من الآيات التي يثبت بها أن هذا الولاء والبراء هو عقيدة إسلامية ، وأن المسلم حتى يكون مسلما يفرض عليه عدم مولاة الكافرين / الوثنين أو أهل الكتاب ، وأن يتبرأ من كل من ليس مسلما ويتخذه عدوا ، كي يكون هذا إثباتا لولائه للمسلمين وحدهم.

لذلك فأول مشكلة تواجه المختلف مع الظواهري هي ما دعم به وجهة نظره من آيات قرآنية صريحة واضحة ، والتي تبدو فيها كراهية واضخة لليهود والنصارى والحض على هذه الكراهية ، على نفس الدرجة من الموقف من الوثنيين. واختصارا لعرض الآيات سنكتفي بعرض نماذج لا تهمل ما يريد الوصول إليه ، وتترى الآيات تقول بحق الوثنيين :

· لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم /22/المجادلة.

· يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ، ومن يتولهم منكم فأؤلئك هم الظالمون. قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ، فتربصوا حتى يأتي الله بأمر ، والله لا يهدي القوم الفاسقين /32 – 24/ التوبة.

· لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا ان تتقوا منهم تقاة / 28 / آل عمران.


أما أهل الكتاب فالموقف منهم تحدده آيات أخرى يحشدها الدكتور الظواهري في نماذجها :

· يا أيها الناس لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين 51/52 المائدة. ."قال الطبري : ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم ، فإن تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم /التفسير ج6/277".

· ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم /120/البقرة.

· يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين /100/آل عمران.

ويتوقف الدكتور الظواهري مع أمور رآها جديرة بالتوضيح والشرح ، كما في قوله مثلا : "فرقت الشريعة بين موالاة الكافرين المنهي عنها وبين اتقاء شرهم ، قال تعالى : إلا أن تتقوا منهم تقاه ، أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا باطنه ونيته ، قال ابن عباس: ليس التقية بالعلم إنما التقية باللسان / تفسير بن كثير /1/358. . ولا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم. . وقال الحسن: التقية جائزة إلى يوم القيامة. . قال الطبري : فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة /3/227". ولا يختلف منهج التعليم الديني في بعض بلاد المسلمين عن هذه الرؤية الكارهة ، فيؤكد منهج التوحيد بالسعودية 1 / ث/94 أنه لا مانع من إقامة المسلم في المجتمعات الغربية طالبا للمنافع لكن "يشترط لجواز الإقامة أن يكون مسلم مضمرا العداوة للكافرين وبغضهم" والمصيبة أن مناهج الأزهر تتخذ نفس الموقف ، ونكتفي هنا بالإشارة لعل اللبيب يفهم.

ويواجه الظواهري مشكلة مع عقيدته في الولاء والبراء لتصادمها مع الآيات القائلة : "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولو يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون /5 – 9/ الممتحنة". لذلك يصرتنظيم القاعدة على تصوير حربهم ضد أمريكا حربا دينية على الطرفين ، وأن الأمريكان يخوضون ضد المسلمين حربا صليبية ، فهم بذلك يقاتلوننا في الدين ، ومن جانب آخر يرد الظواهري مسألة عدم قتال من لم يقاتلنا في الدين وبرهم والإقساط إليهم ، تفضيلا لتفسيره وتأييدا لعقيدته ، وتفضيلا لنصه وأغراضه على النص القرآني ، وذلك في باب يرد فيه هذا الأمر باعتباره شبهة تحت عنوان " رد شبهة".

يقول إن تلك الآيات لا تنقض عقيدته في الولاء والبراء لأن "البر هو إيصال الخير والقسط هو العدل" ولا يدخلان في الموالاة المحرمة التي تتضمن المحبة والتواد والنصرة باليد واللسان والمتابعة في الاعتقاد والأفعال واتخاذ الأعداء بطانة وإطلاعهم على أسرار المسلمين ن قال ابن كثير : لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلوكم في الدين ولم يظاهروا أي يعاونوا على إخراجكم".

أما تطبيق عقيدته في الولاء والبراء داخل بلاد المسلمين فتأخذ شكل "النهي عن تولية الكفار في المناصب المهمة. . عن أبي موسى الأشعري قال : قلت لعمر إن لي كاتبا نصرانيا قال : قاتلك الله. . قلت : يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه قال : لا أكرمهم إذ أهانكم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم إذ اقصاهم الله / ابن تيمية/ اقتضاء السراط المستقيم 1 / 50.. و قال ابن تيمية : لا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها و إذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين ، فكيف بمن صار مع أعداء الله / الفتاوي الكبرى 4 /332".

هذا مع ملاحظة أن هذا هو ذات موقف الإخوان المسلمين من إخوانهم في الوطن اعتمادا على أستاذهم ابن تيمية ، بل إن الإخوان لا يعتمدون فقط كتاب الفتاوي الكبرى بهذا الصدد ، بل أيضا كتابه الشروط العمرية ، ويشمل أسوأ قواعد ممكنة ليتعامل بها مواطن مع مواطن ، بل إنها هي ضياع الوطن كله لصالح الطائفة. حتى لا تكاد تجد فارقا واضحا بهذا الخصوص بين إخواننا الإخوان وبين إخواننا أهل القاعدة وجماعة التكفير والهجرة والجهاد والجماعة الإسلامية. مما يشير مع استشهادهم جميعا بذات الآيات والمواقف إلى خلل أصيل في المنهج الإسلامي. لأنه لو كان القرآن الذي تم سرد آياته يحمل هذه المعاني حقا ، فإنه لا يسعك إنكار الإرهاب والكراهية في دين الإسلام ، خاصة أن الأمر هنا أمر المقدس الأعظم وليس كلاما في الفقه أو في السنة. ولكن قبل الاعتراف بهذه النتيجة المفزعة خاصة للمسلمين البسطاء الطيبين هناك ملحوظات:

أولا :

لا مناص من الإقرار بصحة الشهادات القرآنية المقدمة من قبل أنصار عقيدة الولاء والبراء ، لأنها نصوص واضحة فصيحة لا تحتمل تأويلا ، لكنها تحتمل تفسيرا ربما كان هو الأصدق مما يقدمه أنصار الكراهية والدم ، وهو ما سنأتي عليه بعد قليل.

ثانيا :

يلاحظ الجميع مسلمون وغير مسلمون ملاحظة شديدة الخطورة في منهج التفكير الإسلامي ، وهي استشهاد الخطابات الإسلامية المتنوعة على اختلافها مذهبيا وتعارضها أحيانا في الأغراض ، بآيات قرآنية لو رصصناها بجوار بعضها لأمكننا أن نرى تناقضا هائلا في كتاب الله أو هو تناقض يصبه البشر بأغراضهم المتباعدة على كتاب الله.

مما يشير إلى انتهازية لا تليق بكل هذا الاحتفاء الإسلامي بنصهم المقدس وهو لون من فضيحة لضمير نفعي تجده لدى المسلمين على مختلف الدرجات حتى لتجد تاجرين يتنازعان الحقوق وكل منها يستشهد على شريكه بآيات الله وكلاهما نصاب وكلاهما مؤمن وكلاهما يعتقد أنه على حق وكلاهما يعتقد أن الله ناصره.

وهي حالة مستعصية في العقل الإسلامي سببها تلك الانتهازية المبكرة بين الخصوم السياسيين في دولة الخلافة الأولى منذ أبي بكر واستخدام كل طرف للمقدس مؤيدا ورفيقا ، حتى كاد أن يكون الأمر تشغيلا لله عند الناس حسب مصالح ومكاسب وهوى كل طرف.

وقد سمح بهذه الإنتهازية طبيعة المص المقدس نفسه الذي تفاعل مع واقع زمن ثلاثة وعشرين عاما ، واقع كان متحركا كأي واقع لا يعرف الثبات ، فكان أن تغيرت الآيات وتبدلت ونسخت وأنسيت بحسب الظروف مما أتاح لكل صاحب مصلحة اليوم أن يجد في النص ما يروق لمصالحه ، وهي حالة ليست بدينية ولا روحية ولا تحترم النص ولا الله بقدر ما هي لون من العلمانية الفصيحة. لكنها للأسف أحط أنواع العلمانية طرا ، حتى أن النصوص المؤولة حسب رأي كل فريق حلت محل النص الأصلي وأصبح هي المعمول بها عند هذا الفريق أو ذاك على تناقض هائل لا يلتقي أبدا ، بينما توارى كتاب الله وراء نص إنساني يمثل مصالح كل فريق وفهمه ورأيه ليحل الإنسان محل الله لكن بعد أن تلبس بقدسه وتسربل بعباءته.

لكن حتى يجد كل فريق مؤيداته من القرآن على اختلاف الأزمان والأمكنة ولظروف السياسية والأهداف المطلوبة ، اتفق الجميع على قاعدة أن العبرة في النص القرآني ليس بخصوص السبب الذي جاء النص بشأنه في أحداث حدثت زمن الدعوة ، إنما العبرة بعموم لفظ النص أي تطبيق النص وتفسيره مستقلا عن أحداث زمنه. وبذلك يكون صالحا لكل زمان وكل مكان ولكل انتهازية رخيصة ممكنة ولكل خصومات بحاجة لسند شرعي حتى أصبح صالحا للكراهية ولرغبات الدم والذبح والحرق ، وللاشتراكية وللرأسمالية وللحرب وللسلام ، ومبررا لكثير من المظالم الفادحة التي ارتكبت بحق المسلمين البسطاء عبر التاريخ. بقامع داخلي تم ترويضهم عليه بالدين ، وأصبح المصحف بيد كل طاهر أو شرير أو قاتل أو تاجر أو مصلي تقي عارف بالله وسيلة لجعل النفس عبدة أو شريرة او متمردة أو قاتلة أو متسامحة معطاءة. لقد أصبح النص وسيلة دائما لغرض دنيوي لا لذاته ولا لقدسيته وتبجيله بما يليق به من إجلال واحترام ورهبة روحية مفترضة في المؤمن نحو المقدسه.

ثالثا :

لابد أن يلفت النظر بشدة مأزق الدكتور الظواهري من الآيات "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم منن دياركم أن تبروهم وتسقطوا إليهم /الممتحنة". وهو نص واضح فيه البر إلى من لم يقاتلنا والإقساط إليه في صياغة لا تكاد تكون فقط سماحا بالبر والقسط ، بل هي ترقى إلى درجة الأمر. فيقول الظواهري سامحه الله مفرقا في التفسير "البر هو إيصال الخير والقسط هو العدل ، ولا يدخلان في الموالاة المحرمة التي تتضمن المحبة والتواد والنصيرة باليد أو اللسان والمتابعة في الاعتقاد والأفعال ، واتخاذ الأعداء بطاة وإطلاعهم على أسرار المسلمين".

إن الدكتور أيمن هنا يخلط الأمور كلها ببعضها رغم إدراكه الباطني الفصيح من وهن حجته التي يساوي فيها بين "المحبة والتواد" بين المسلم وغير المسلم ، وبين "المتابعة في الاعتقاد والأفعال وإطلاعهم على أسرار المسلمين" في تلفيق لا يليق بنفس ترى أنها تجاهد في سبيل الله ، وتزور على نفسها معاني كتاب الله لتحقيق شهوة القتل والانتقام ليس أكثر ، بلا نفع يتأتى للمسلمين بل الحاصل هو مزيد من الانهيار والحصار والركوع.

وليس أدل على ما نقول من التفسيرات التي ألحقها الدكتور الظواهري بالآيات التي حشدها في كتابه ، كمثال تفسير "إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترافتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله" بأنها قد جاءت بشأن الصحابي أبي عبيدة بن الجراح عندما التقاه أبوه في غزوة بدر وهو مشرك ، فجعل أبوه ينصحه ويتقرب إليه ويحبب إليه ألهة مكة بينما يحيد عنه ابنه أبو عبيدة حتى قصده ابنه فقتله "برواية الحافظ البيهقي من حديث ، بن شوذب".

ولعل أول اعتراض اليوم على التأسي بفعل أبي عبيدة وأن قتل ابن أباه في سبيل الدين ، فهو أن ذلك لم يعد مقبولا إنسانيا أو قانونيا أو أخلاقيا. لقد كان الحدث يليق بزمانه وقيم زمانه وأحوال زمانه ، وربما كان مطلوبا لإثبات الإخلاص للدين وللدولة حينذاك بموالاتها والتبرؤ من الأهل ، لكنه في أخلاقيات اليوم شيء نكير ومنكر ومستنكر وساء سبيلا.

خاصة أن أخلاق الإسلام نفسها تكره أن يبتدئ الرجل إباه من المشركين فيقتله لقوله تعالى : "وصاحبهما في الدنيا معروفا 15 / لقمان (الهداية في الفقه الحنفي 2 / 139) وقال الشيرازي ويكره أن يقصد قتل ذي محرم لأن الرسول منع أبا بكر من قتل ابنه في غزوة أحد وعن أبي الزناد عن أبيه قال شهد حذيفة بدرا ودعاه أبوه إلى البراز "المبارزة" فمنعه رسول الله "المجموع للنووي 19 / 295" ، وهكذا يبدو لنا أن أخلاق الإسلام تأبى ما يريده الظواهري بل وترفضه ، والواضح فيها أن القرار كان قرار أبي عبيدة وليس قرار الإسلام ، ولم يسأل فيه أبو عبيدة رسول الإسلام وإلا كان ابى عليه كما أبى على أبي بكر وأبي حذيفة. . وهكذا وبتلفيق بسيط يمر على العقل البسيط أيضا يتم تحويل فعل أبي عبيدة إلى فعل إسلامي عظيم مبهر تم في سبيل الدين ، فقتل الابن أباه حبا في الله ، وتطبيقا لعقيدة الولاء والبراء بكل إخلاص وتفان والله ورسوله من تلك الأخلاق براء يا دكتور ظواهري.

رابعا :

إن ما قدمه الدكتور الظواهري من آيات تؤكد عقيدته في الولاء والبراء تتضح فيها سمات لا يمكن بحال تعميم معناها في الزمان المطلق والمكان المطلق بحجة قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فالآيات تحدثنا عن زمن بعينه وظرف بعينه ترتبت عليه الأوامر والأحكام الخاصة به في خصوصية تلازمية ، فالنهي عن المودة والموالاة يتردد فيها النهي عن مودة الآباء والأبناء والإخوان والعشيرة من غير المسلمين ، لأن الظرف حينذاك فرق بين الأب والابن عندما اسلم أحدهما وهاجر إلى المدينة ، وبين الأخ وأخيه وبين الفرد وسائر عشيرته في بيئة تشكل العشيرة فيها لبنة أساسية في بناء المجتمع. . ومنعا لوصول أسرار الدولة الناشئة عبر حالة عاطفية بين أحوين أو أي رحمين ، فقد نهى القرآن عن موالاتهم نصا ولفظا ومعنى واضحا كل الوضوح تربط الآيات بزمنها وظروفها ومكانها وليس بعد ذلك أو قبله أبدا.

خاصة مع الإشارات إلى النوازع النفسية لدى المهاجرين من عطف على أهلهم غير المسلمين أو محبة ، أو حنين إلى أموالهم التي تركوها في مكة أو مساكنهم التي تركوها مهاجرين إلى بلد غريب ضيوفا على أهله والضيف ليس كالمالك. . "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" ، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين 32 – 34"التوبة" اي إن كان بينكم أي لون من هذا الحنين فانتظروا عندما يأتي الله بأمره ويقوي الإسلام كيف ستكون عقوبتكم خاصة مع وصفه لهم بالفاسقين "والله لا يهدي القوم الفاسقين".

وبشأن غير المسلمين لا تجد في النهي عن الموالاة غير صنفين هم الكافرون أو المشركون ، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى وهو أيضا ما يشير إلى ارتباط الآيات بزمنها وظرفها ، حيث لم تعرف جزيرة العرب غير اليهود والنصارى من أصحاب الأديان الكبرى في ذلك الزمان ، رغم أن هناك أديانا كبرى أخرى كانت موجودة ولم تعرفها جزيرة العرب كالبوذية والشنتوية والكنفوشيوسية والهندوسية ولم يعرفها أيضا القرآن. ومن هنا ارتبطت الآيات ليس باليهود والنصارى في المطلق ، لأن التحديد هنا مؤطر جغرافيا بمكانه في الجزيرة ، وأن يهود ونصارى شعوب أخرى خارج الجزيرة مثلهم مثل أصحاب الديانات الكبرى الأخرى التي لم يذكرها القرآن معبرا عن مكانية وظرفية خاصة بالجزيرة العربية وحدها وفي زمن الحدث لا بعده ولا قبله ، ومما يؤكد ظرفية الآيات وجود آيات أخرى بالقرلآن تناقضها تماما وتتحدث عن اليهود والنصارى والتوراة والإنجيل بكل مودة وموالاة بل وتبجيل ، وما حدث من ظهور تناحر سياسي رفض بموجبه أهل الكتاب من أهل الجزيرة الانطواء في الدين الجديد وإن قبلوا الانضواء في الدولة بعقد الصحيفة ، وتطور الأمر إلى حرب عسكرية تحول فيها الموقف من الود والموالاة إلى الكراهية والعنف والإقصاء.

خامسا :

يلفت النظر بشدة أن هؤلاء الذين يزعمون التبحر في الدين والرسوخ في العلم عادة ما تحولت مواقفهم من النقيض إلى النقيض ، وهو حال واضح في بعض مشايخ السعودية ، والجماعات التائبة في مصر ، والإخوان لأنهم يريدون أن يلعبوا السياسة بالدين ، ومع تقلبات أحوال السياسة لابد أن يتقلب الدين.

فكان القتل وسفك الدماء بإدعاء الرسوخ في العلم وأن فهمهم لنصوص الدين هو الفهم الصح بإطلاق ، وذبح الناس في الطرقات والشوارع ، وقتل الأبرياء من ضيوفنا داخل أعز حرماتنا التاريخية ، حيث كانت تمارس العبادة في قدس الأقداس. ثم وبالرسوخ في العلم وأن فهمهم هو الصواب بإطلاق تراجعوا عن فهمهم الأول إلى فهم جديد يدين ما فعلوه من قبل ، دون أن نجد أي تعويض لما خسرته البلاد من مال وعباد وهيبة واحترام من نظر العالم سوى أنهم تكرموا علينا فتابوا وقرروا عدم ذبحنا الآن على الأقل ، لأنك لا تعلم كيف سيكون الرسوخ في العلم غدا ، ودون أن يواجه أحدهم نفسه مرة فيقول : إن الأمر ليس أمر الدين وشأنه بل هو أمري وشأني : وأين احترام الدين من ظاهرة الرسوخ هذه عند كل مدع راسخ؟

كيف نضمن دماءنا ومستقبل بلادنا ورسوخهم هكذا يوم وليس هكذا في يوم آخر ؟!! ألسنا بحاجة إلى احترام حقيقي لكتابنا المقدس ولربنا ولحرمة دمائنا ودماء الإنسانية؟

أستاذنا العفيف الأخضر عندما واجهته هذه الآيات مع ايات السيف التي نسخت آيات السلم رأى أن الحل هو إعادة النظر في القرآن بما يفي بمطالب زماننا مستخدمين أدوات النسخ التي سبق استخدامها في زمن الدعوة عندما كانت تنسخ آية آية أخرى لتغير الظروف والأحوال الأرضية ولكن بالعكس. أي أن ننسخ نحن آيات الحرب والقتال والكراهية ، وأن نستبعد لفظ الكفار من حياتنا نهائيا.

لكن ستواجه أستاذنا هنا عدة مشاكل غير قابلة للحل بإطلاق ، لأن النسخ حسب قرار آيات القرآن كان يتم بإرادة إلهية لا إنسانية ، ومن ثم ليس بيد المسلم هنا القول بنسخ آيات ، كذلك لا يمكن حذف أي لفظ في القرآن بوضعه الحالي المتوافق عليه منذ الزمن العثماني. و يبقى حل آخر هو ما طرحناه هنا وهو ألا نركب الآيات بل أن نتعامل معها مجردين من أغراضنا فنجدها تفصح بغير حاجة لبرهان آخر عن ظرفيتها ومكانيتها ، لكن يمكن القول بملء الفم لا لقواعد الفقه البشرية مثل قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولا طبعا لقاعدة لا اجتهاد مع نص ، ويقصدون بالنص تفسيرهم الذي غدا بديلا للنص ، لأن النص واضح بذاته لو خلعنا عنه تفسيرهم الذي ساد عبر الأزمان ، ويبقى الحل بالقراءة الزمنية المكانية (التاريخية) للآيات هو الأمثل لأنه لا يرد الآيات ولا ينسخها لأنها كانت صالحة في زمانها متوافقة مع واقعها منسجمة مع محيطها ، لكن تطبيقها اليوم يصبح عزفا نشازا يفتئت على الله وعلى قرآنه ، ومن ثم تظل الآيات معبرة عن زمن قد سبق وحدث في تاريخ المسلمين ، فيه تاريخ ، فيه عظات ، فيه حكم ، فيه بطولات ، لكن ليس فيه ما يطلب مني اليوم كراهية أهلي في الوطن لأنهم غير مسلمين. لأن لهم دينهم ولي دين ، وهو أمر ليس محلا للفعل واتخاذ المواقف بسببه ، وتدمير البلاد والعباد واستعداء العالم ضدنا ونحن في الدرك الأسفل لسلم تطور الإنسانية ، فهذه هي الجريمة ، ويضاعف جرمها استخدام الله وسيلة وهو الغاية العظمى.

ملحوظة وأنا أكتب هذه السطور شعرت بمضض شديد من سادتي الأزاهرة الذين يعيشون في نعيم البلهنية بضرائب من جيوبنا تمر إليهم عبر بنوك ربوية يكفرونها ، أنعم عليهم الوطن نعيما عظيما ولا نسمع لهم صوتا في مثل هذه القضايا ، وإن سمعنا فالركون إلى السهل البسيط بالرجوع إلى الآيات المكية حيث التسامح والسلام دون بذل أي جهد لتناول القضايا تناولا باحثا محترما!! أين هم من الإخوان المسلمين ؟

أم أنهم قد قرروا السكوت في موطن الكلام الجهير الواضح؟

أم قد تركوا المهمة لغيرهم. . هل أنتم معهم أو معنا ؟ إذا كان ذلك ليس كذلك فإني ابتهل إلى الله أن يلهمهم فضيلة الاستقالة. . استقيلوا يا سادة يرحمكم الله ويرحمنا.

سيــد القمنــي

ما قبل التمكين

في موضوع بعنوان "موقف التيار الجهادي السلفي من لإخوان المسلمين" يفصح صاحبه (كمال حبيب / تيار جهادي) عن تحالف التيار الجهادي "الاصطلاح الرمزي للإسلام الدموي" والإخوان وكل اصحاب المشاريع الإسلامية على تنوعها ، باعتبار ذلك هو مخطط تكتيكي مرحلي لما قبل التمكين" حتى حدوث هذا التمكين "لأن الحالة الإسلامية مرحلة ما قبل التمكين أو الاستضعاف هي أكبر من قدرة جماعة واحدة مهما كان تاريخها وامكانياتها ورسوخها في الدعوة / من الملفات الخاصة بالجزيرة نت" ، وأن هذا التحالف لابد أن يفصح عن نفسه خاصة في مرحلة ما بعد طالبان ، وذلك لأن "المواجهة القادمة والجارية مع العالم الإسلامي هي مواجهة دينية ثقافية حضارية بالمفهوم الشامل .. وذلك لأن القوى الغاشمة تفرض على العالم الإسلامي الخضوع للتوافق مع الحداثة في مسألتين هما قبول العلمانية وقبلو التسامح الديني ، ويتأتى هذا عن طريق تحديث الإسلام وبناء الإسلام الليبرالي / مقال بالساخر/ نت"

و يتوافق هنا ممثل التيار الجهادي مع رفاق الحلف الإخواني لإثبات إيمانهم بالمبدأ الديمقراطي لكن من خلال الشريعة ، إذ يقول : "وأنا مع تقديم الشريعة على كل القيم الأخرى بما فيها الحرية .. وإن مشكلة العالم الإسلامي والعربي أنه انتزع منه حقه في اختيار الاطار المرجعي الذي يحكمه ، وعلى مر التاريخ نجد أنه متى كانت المرجعية الحاكمة هي الشريعة كانت الحرية سائدة ، ولن ينصلح ما نحن فيه إلا بإقامة الشريعة فليس هناك تعارض بين الشريعة والحرية ، لأن الحرية حق للمسلم في اختيار ما يريد ولكن في إطار المرجعيات ..

إن أي حضارة لها قيمة عليا ، فالحضارة الغربية قيمتها العليا هي الحرية ، والاشتراكية قيمتها العليا هي المساواة ، والإسلامية قيمتها العليا هي الشريعة / حوار مع إسلام أون لاين /نت" .

وعلى هذا الكلام ملحوظات :
أولا
: إنه يكرر ويعيد المقامات الغنائية الحديثة للإخوان حول الإيمان بالديمقراطية بدلا من الفكر الإنقلابي الدموي ولكن من خلال الشريعة ، تأكيدا على خصوصية الشرق الإسلامي إزاء المفهوم الإنساني العالمي لمعنى الديمقراطية. و ذلك للإعلان عن فرصة يقدمون فيها هذا التنازل بالمشاركة في ديمقراطية تناسب ثقافتنا ، و أن هذا ما يجب أن تفهمه أمريكا ، وهي أنهم قادرون على تقديم الإصلاح المطلوب دون حدوث مشاكل مجتمعية ، وبما يحقق الأهداف الأمريكية في ظل الخصوصية لأنهم الأمناء على هذه الخصوصية والمعبرون عن الضمير الإسلامي الذي هو ضمير الأمة . وهو ما يلتقي مع رؤية الاستراتيجي الأمريكي (هانتنجنون) في خصوصية الشرق الإسلامي وإمكانية تحقيق المصالح الأمريكية في ظل هذه الخصوصية. و بهذا السبيل وجد الدكتور سعد الدين إبراهيم في الطرح الإخواني طرحا جديرا بالنظر والاعتبار بما يحقق الإصلاح المطلوب. رغم أنه رجل المجتمع المدني ويعلم بحكم خبرته العلمية على الأقل أن ما يطرحه الإخوان وإخوانهم فيما يكتبون ويعلنون ويفعلون هو في النهاية القضاء المبرم على هذا المجتمع المدني .

ثانيا : إن المرحلة الحالية (مرحلة ما قبل التمكين) أي مرحلة الإعداد للاستيلاء النهائي على البلاد والعباد ، تتضمن تحالفا تحتيا بين جميع التنظيمات الإسلامية ، يقوم كل فريق بدور مرسوم ، فالجناح العسكري يكيل الضربات في كل اتجاه في العالم لإثبات أن الإرهاب لن يمكن التغلب عليه إلا بالمفاوضات السياسية والرضوخ لمطالب التنظيمات الإسلامية ، حيث يمكن للجناح السياسي الممثل في الإخوان العقلاء الطيبين القيام بمهمة إنهاء الإرهاب وحكم الشعوب الإسلامية بالحرية والديمقراطية والشريعة الإسلامية ويتمتعون بالرخاء ويأكلون الفالوذج أو المهلبية ويعيش الجميع في تبات ونبات ويخلفوا صبيان وبنات.

ثالثا : إذا جاز للمصالح الأمريكية هضم هذه الصيغة لحل مشاكلها مع الإرهاب ، وإذا كان من بين أبناء الوطن من تم مسح وعيهم لقبول ديمقراطية الفالوذج وسيف مسرور ، فإن أغلبية الناس في بلادنا لم يعد من الممكن خداعها بحكاية الحريات في إطار المرجعيات الإخوانية ، بعدما عانوا من الإرهاب في مصادر عيشهم وأقواتهم وشاهدوا بأعينهم جرائم غريبة على تاريخ المصريين ، وتقززت مشاعرهم لدماء الأبرياء في مشاهد لن ننساها أبدا ولن نغفرها أبدا لأنها تندرج تحت عنوان الجريمة المنظمة / المافيا ، حتى لو تسربلت بثيات الواعظين .

رابعا : وهو الملحظ الأهم في الموضوع كله .. ويتلخص في سؤال من بسائط الأسئلة هو : ما داموا قد قرروا القبول بالمبدأ الديمقراطي فأين برنامجهم المفترض طرحه على المواطنين؟ لقد قال رجلهم العصبي الدكتور عصام العريان في قناة دريم إن المبادرة الإخوانية التي أعلنها الشيخ عاكف في نقابة الصحفيين هي برنامج الإخوان الشامل من أجل الإصلاح الشامل ، وقد سبق وتدارسنا هذه المبادرة عبر الأعداد الماضية ولم نجد فيها أي سمة من سمات البرامج الحزبية الواضحة ، بقدر ما رأينا خلطة عجيبة من شتى المتناقضات التي لا تفصح عن إصلاح بقدر ما هي برنامج للخراب الشامل ، ومصر والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فيها ما يكفيها .

ولأننا نعلم أنه عندما تكون المرجعية هي الدين فإن المستجيل نفسه هو الاتفاق على برنامج أرضي بشروط برنامج سماوي ، حيث يختلف الإيمان من مؤمن لمؤمن ، ويختلف الفهم من فريق إلى فريق وهو تاريخ الفكر الإسلامي الواضح عبر العصور ، لأن الدين والإيمان هم مساحة ضمير خاص لا فعل يتطابق حوله الجميع ، حيث لا مقاييس معيارية محددة في الفهم والاستنتاج يتفق حولها المؤمنون دون تدخل العامل البشري الذي يصبح في هذه الحالة فهما بشريا ورؤية لفريق واحد يتم فرضه على بقية الفرقاء. ولما كان جميع المؤمنين يرون أنهم على ذات الدرجة من اليقين على اختلاف . فسيصبح مستحيلا نفضيل فهم على فهم وإيمان على إيمان.

أن نظرة خاطفة على تاريخ المسلمين منذ فجر تاريخهم يوضح الاعتقاد ذاته كما هو واضح اليوم بين الفريقين الأعظم بين المسلمين : السنة و الشيعة.

لكن دعونا نعط الفرصة للنوايا الحسنة ، رغم أن تاريخ الإخوان ليس فيه حسنة واحدة ، لنهيب بهم كقيادة سياسية لفرق الإسلام السياسي أن يتفقوا فيما بينهم على برنامج واضح دقيق مفصل صريح لا تحتمل عبارته لبسا ، ويخلو من العبارات الاعتراضية مع كل طرح حول الحريات الديمقراطية من قبيل "في ضوء ثوابت الأمة" أو في "إطار المرجعيات الإسلامية" لأنهم عندما يمارسون السياسة فيجب أن يعاملونا بلغة الأرض لا بلغة السماء ، فالسياسة شأن أرضي لا شأن سماوي ، وأن يتوقفوا عن مخاطبتنا بالنصوص المقدسة فهي نصوصنا جميعا ونعرفها جميعا ونحفظها جميعا. خاصة أن هذه النصوص ليست منتجهم بل هي منتج سماوي. وفي مساحة الحوار السياسي يقدم كل فريق منتجه ، لا أن نخاطبهم خطابا بشريا فيردوا علينا بالآيات التي تحددت ملكيتها لله وحده ، ونصبح في حوار طرشان أو صدام بيننا نحن البشر وبين الله ممثلا في الإخوان وفي النهاية فإن الذي سيحكمهم البشر وليس الله .

وحتى لا نضعهم في وضع تعجيزي رفقا بهم وهم من لم يرفقوا بأحد ، فإننا نطمع فيما هو أدنى بكثير من برنامج واضح المعالم دقيق العبارات ، نطمع في اتفاقهم على الحد الأدنى حول المفاهيم الضرورية لأي طرح سياسي ليعلنوا علينا هذا الاتفاق .. إن استطاعوا فليقولوا لنا ما ينتهون إليه حول البنود التالية :

1 - في المجال الاقتصادي :

يفترض في عالم اليوم أن كل الدول حتى التي تزعم اسلامية شرائعها أن تخضع لقوانين السوق العالمية لكي تصبح عضوا فاعلا فيه. فهل سيقبل سادتنا عند التمكين الاندماج في هذا النظام بقواعده وشروطه العالمية؟ أم سيطبقون قواعد ما يسمونه الاقتصاد الإسلامي في مجالات لا يتطابق معها بحال كمجال البنوك والاستثمار والتنمية وهي ألف باء النظام الاقتصادي وهو حسب منطقهم نظام ربوي مرفوض اسلاميا كما اكدوا في مبادرتهم ..فما هو الحل؟

· هل لن نقبل الاقتراض من صندوق النقد أو البنك الدولي؟

· هل سنقاطع كل الدول التي لا تعمل بنظامنا الإسلامي؟

· هل سنفرض على المستثمر الأجنبي أن يشهر إسلامه أولا في دار الافتاء؟

· أم سنطلب منه قبول لوائحنا التنظيمية الإسلامية الاقتصادية؟

· ثم ما هو نظامهم البديل للضريبة العامة على الدخول أو ضرائب المبيعات؟

· أم تراهم سيعودون الى نظام بيت المال وجباية الخراج والزكاة ؟

· وهل سيقبلون نقل السلع بالبدع المستحدثة كالطائرات مثلا ، أم يجب العودة إلى قوافل البعير؟ جلبا لمزيد من البركة في المال.

يرد بعضهم هنا بمدى ما حققه المجتمع الإسلامي من رفاهية في ظل الامبراطورية الإسلامية بفضل نظام الزكاة في مغالطة لا تليق بتلامذة الابتدائي (انظر بهذا الشان سيدنا قرضاوي). حيث لم يكن لتلك الرفاهية علاقة بالزكاة ، ناهيك عن كون حالة العز والرفاهية التي يزعمون أن المجتمعات الإسلامية تمتعت بها في مجدها بفضل نظامنا الاقتصادي الفريد ، لم يعشها سوى السادة العرب الحاكمين بأمر الله وبطانتهم ومن لحق بحزبهم خادما ونصيرا من أبناء البلاد المفتوحة التي نهبت ثرواتها و "هلكت فصالها" بتعبير عمرو بن العاص ، حتى كانت الجارية (وهى طبعا من بنات البلاد المفتوحة) ، تباع بوزنها ذهبا في زمن عثمان بن عفان في جزيرة العرب العجفاء ، حيث كان هناك من يشتري وهناك من يباع في سوق النخاسة ، بعد أن تدفقت غنائم البلاد المفتوحة على الجفاة العراة

ومن وجهة نظر من كان هذا العز؟ الذي يحال إلى بركة الاقتصاد الإسلامي وزكاته ، بينما كان في حقيقته دمارا للبلاد وسلبا للثروات لقيام ذلك المجتمع المرفه والاقتصاد القوي في عاصمة الخلافة وحدها ، وهو أسلوب التنمية الوحيد الذي عرفته دول الإسلام . وهو أسلوب التنمية الاقتصادية المرجو عند الإخوان كما سيتضح الآن في البند التالي .


2 - في مجال السياسة الخارجية
:

ما هو معيار الإخوان الذي ستتحدد في إطاره علاقتنا الدولية؟

هل سيكون المعيار هو مصالح الوطن وأمنه القومي؟ أم مصالح المسلمين في البوسنة وبلاد الأفغان والشيشان وبلاد تركب الأفيال بغض النظر عن عن مصالح الوطن ، وما قد يجره مثل هذا التدخل في بلاد العالم على أمننا القومي؟

أم سيكون المعيار هو تفعيل قواعد الدين بغض النظر عن النتائج؟

أي هل سنتعامل مع العالم غير المسلم وفق ما يسمونه "عقيدة الولاء والبراء

أم أنهم يرون أن الله قد أمر المسلمين بتنفيذ أمرين أساسيين هما : نشر كلمة الله في الأرض حتى تخضع لها كل البشرية بالموعظة الحسنة إن كان ممكنا ، وإلا بالقتال حتى يظهر دين الله على سواه.

والأمر الثاني هو تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد الإسلام والبلاد المفتوحة وإخضاع العالم لها او بتعبير شهيدهم (سيد قطب) : "لا حاكمية إلا الله ولا شريعة إلا منه / المعالم 29" أو بتعبير شهيدهم المؤسس "جسن البنا" : "إن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة ، ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصايا النبيلة .. وقد أمر المسلمين أن يعمموا الدعوة بين الناس بالحجة والبرهان فإن أبوا وتمردوا فبالسيف والسنان / مجموعة الرسائل 117".

وعليه فإن العالم من وجهة نظر الإخوان ينقسم إلى قسمين : دار السلام وهي ديار الإسلام ، ودار الحرب حيث يحارب المسلمون حتى يتسلطن الإسلام.

أو بقول حسن البنا : "إن المسلمين يدعون الناس إلى إحدى ثلاث : الإسلام أو الجزية أو القتال / الرسائل 43" وفي حال البلاغ الشهير "إسلم تسلم" إلى ملوك العالم ، فإن المواطنين يحملون نتائج رفض ملوكهم للإسلام وما يستتبع ذلك من قتل ونهب وسبي واستعباد وهتك للأعراض "يسمى اليوم تطهير عرقي" . وبهذا الفهم الإخواني دافع "بن لادن" عن قتل تياره الجهادي لألوف الأبرياء في أبراج التجارة بأنهم غير أبرياء لأنهم يدفعون الضرائب للدولة الأمريكية لذلك هم مسئولون تماما كالدولة. كذلك رأي الأخوانى العريق قرضاوي وجوب قتل أطفال الإسرائيليين لأنهم عندما يكبروا سيصبحون جنودا لأن مجتمع إسرائيل كله عسكر بمن فيهم القعيد والمريض والشيخ الفاني. وإعمالا لذلك فإن الدعوة الإسلامية تظل فكرة نظرية يهلك بسببها من لا يعلمون عنها شيئا.

هذا ناهيك عن كونه لا يوجد في الدنيا شعب يرضى مختارا أن يذل عنقه لشعب غريب أو أن يدفع الجزية وهو صاغر. ولا يبقى سوى الخيار الواقعي وهو الحرب ضد البشرية وقتل الكفار المقاتلين فيما يقول ابن تيمية (السياسة الشرعية 124) مع قتل من يعين على الحرب لا على السلام ، أما من لم يحارب أو يعين فأمرهم متروك للإمام إن شاء ذبحا وإن شاء استعبادا وإن شاء دفعوا الجزية وإن شاء عفى.

وفي هذا الموقف من دول العالم في العلاقات الدولية عند الإخوان لابد أن تحدث التنمية المرتقبة للاقتصاد الإسلامي وحرية التملك الفردي المكفولة بما "ينشأ عن ملكية السلب وهو كل ما مع القتيل المشرك الذي يقتله المسلم / سيد قطب / العدالة الاجتماعية / 128" وإن هذه التنمية الاقتصادية الفريدة التي يتحول فيها المسلمون إلى آفات كالجراد ، هي الحلال البين الذي لا شبهة فيه للحرام ، مما يجعل المجتمع الإسلامي يعيش عيشة راضية في رفاهية الحلال الزلال بتأكيد شهيدهم "إن نصوص الإسلام تبيح للفاتحين أن يستأثروا بكامل ما يملكه المحاربون الذي يأبون الإسلام والجزية ويقاتلون المسلمين / العدالة الاجتماعية / 198".

ولمزيد من التنمية الاقتصادية يستحب الاستيلاء على أموال الذين لم يقاتلوا بدورهم بحيث لا يصبح هنا فرق بين من قاتل ومن لم يقاتل ، وهذا اللون من النهب يسمى (الفئ) والذي يعود على المسلمين بالخير العظيم ، ومعناه ما أفاءه الله على المسلمين أي رده إليهم من الكفار ، لأنه نظريا كان في الأصل والصواب ملكا للمسلمين ، ويشرح ابن تيمية هذه الفزورة بقوله : "إن الأصل أن الله خلق الأموال إعانة على عبادته ، والكافرون به أباح الله أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأباح أموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته ، فأصبحت حقا لعباده المؤمنين كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه / السياسة الشرعية/40" .

فهل ستظل هذه قواعد الإخوان فيما يعرضونه علينا وعلى الأمريكان؟ (هل تسمعي يا أمريكا .. آلووووه ه ه )؟ وهل ستكون لتعهداتنا الدولية عبر حكوماتنا المتعاقبة نصيب في ظل هذا الفهم لعلاقتنا بالعالم؟ وهل سيجيبنا إخواننا الإخوان بجواب واضح قبل أن يحدثونا عن دورهم في العملية الديمقراطية ويجأرون للعالم الحر بما وقع عليهم من ظلم فادح !!

2 – في مجال التعليم :

هل سيقبلون بتدريس ما انتهى إليه العلم الحديث من حقائق أصبحت بديهيات حتى لو تعارضت مع نصوصنا الدينية؟

وهل سيبيحون أسلوب التعليم الحديث القائم على المنهج العلمي وحده في التفكير دون إحالة كل قضية إلى "ما شاء الله" وإلى "سبحان الله" وربطها بثوابتنا؟

أم سنكتفي كما كنا وحتى الآن بالتعليم التلقيني واختبار الذاكرة الحافظة لا الملكات والابداع؟ من باب الحفاظ على ثوابت الأمة حتى أصبحنا ثوابت بلا أمة!

وهل ستكون جامعاتنا محرابا مقدسا للعلم وحده دون تدخل لأي سلطان غير قوانين العلم ومنهجه ، أم ستخضع لرأي الدين ورقابة رجاله المحترفين في مساحات لا علم لهم بها ولا قبل لهم بها؟

وهل سنؤسلم العلوم بما فيها العلوم الإنسانية كالاجتماع والاقتصاد والسياسة أم سندرسها كما يدرسها خلق الله في البلاد المحترمة المنتجة المتفوقة؟

أم سنحول معاهدنا التعليمية إلى أوكار لتخريج الإرهابيين كما هو حادث بالفعل في معظمها ، لتحقيق أهداف الأمة العليا باخضاع العالم الجاهل لسيادتنا العالمة؟

وهو هدف في ضوء أوضاعنا إزاء العالم لا يبدو مبشرا سوى بالخراب التام والموت الزؤام .

4 - في مجال الثقافة والفنون :

هل يعترف الإخوان وإخوانهم أن الثقافة ثقافة إنسانية ساهم فيها كل البشر ، أم أن الثقافة الوحيدة هي التي أنزلها الله على أحبابه وحدهم بالحجاز وقبلها جاهلية وبعدها جاهلية؟

وهل ستظل ثقافة اليونان وفلسفتها وفنونها الروائع مجرد وثنية؟

وهل ستبقى مصر القديمة هي ثقافة الفرعون العاصي وقومه المجرمين المغرقين ، ثقافة الكفر البواح؟ ومن ثم لا تستحق سوى الاستبعاد والنفي والاقصاء؟

وماذا عن ثقافة العالم الحر اليوم أم أنها من البدع التي لا تعرفها السماء؟

وهل سيسمحون بدراسة الثقافات القديمة من باب العلم بالشيء أو من باب قياسها على ثقافتنا الإسلامية السمحاء لاثبات انحطاطها؟

أم سندرس هذه الثقافات دراسة شافية كافية بحسبانها أعمدة ومنابع وأسس حضارة الإنسان في الأرض ؟

وهل سيظل الفن التشكيلي حراما بحسبانه تصويرا وتمثيلا صنميا؟

وهل سيظل الموديل الحي مستبعدا من كليات الفنون في بلادنا بحسبانه فجورا وتعرية للعورات؟ أم سيتم قبوله بعد أن تعطي الموديل نفسها بالحجاب ، أم يستحسن بالنقاب؟ أم من الأجود إلغاء هذه الفنون الخليعة من بلادنا والإبقاء فقط على تحسين الخط العربي البديع ؟

وماذا عن الفنون الإنسانية في مختلف بلدان العالم من موسيقى إلى الاوبرا ناهيك عن المصيبة الفاجرة المعروفة بفن البالية؟ أم سيكون هناك باليه إسلامي يستحسن أن يقوم به الرجال وحدهم شرط إطلاق اللحية وتقصير الجلباب وستر السيقان المراد بالسروال منعا للفتنة مع استبعاد كل الآلات الموسيقية المبتدعة والعودة إلى الأصول بضرب الدفوف ورقص الحداء (مشية الجمل) كرقص رصين وفن أصيل غير مستورد ؟

5 - في مجال العدل والقضاء :

تقول مبادرة الإخوان إن القضاء سيلتزم عند التمكين بقوانين الشريعة ، وهو ما يعني القضاء المبرم على القوانين الوضعية المستمدة من ظروفنا والموافقة لتعقيدات زماننا واستبدالها بقوانين الشريعة. وهو ما يعني تطبيق الحدود وإقامة ساحات القطع العامة تشجيعا للإقبال الجماهيري لرفع مستوى الحس الإنساني الرفيع ، و هو ما يعني أيضا ضياع كل المكاسب الحقوقية الإنسانية بعد طول صراع ضد الظلم والعقوبات البدنية عبر التاريخ .

ثم ماذا عن قوانين الاحوال الشخصية ، وماذا عن وضع الاقباط والأجانب ؟

هل يمكن مثلا العودة لنظام المحاكم المختلطة؟

أم تراهم سيدعوننا إلى التأسي بتجربة السودان الرائدة في سحل العباد وتمزيق البلاد ؟

أم لديهم قول آخر لم نسمعه بعد؟

6 - في مجال السياحة :

في ظل التناقص المستمر للموارد الطبيعية مع الزيادة السكانية فوق طاقة ما تحتمل الأرض ، مع تراجع تدفق الاستثمارات الخارجية ، لا يبقى لمصر من أمل سوى السياحة لما تملكه بهذا الصدد من رأسمال غير قابل للمنافسة ، وتصبح السياحة هي المصدر الوحيد والأمل الأول الذي يجب الاهتمام به في كل تفاصيله بعدما حدث في بشاعتها ضد السائحين في بلادنا.

والمعلوم أن للسياحة شروطها التي توفر للضيف كل ألوان الراحة الممكنة وكل المتعة الممكنة بشروط الضيف لا المضيف لأنه هو من يدفع . و من غير الممكن بل من الجنون أن نطالب السائح الالتزام بقواعدنا الشرعية في الملبس والمشرب والمأكل وإلا انفضوا عنا إلى غيرنا . مع ملاحظة أن بلدا كإسبانيا لا يتمتع بواحد من ألف مما تتمتع به مصر من آثار عريقة تحقق من السياحة دخلا قوميا يعادل دخل الدول العربية مجتمعة .. مرتين !!

أم ترانا سنخصص لهم أماكن خاصة أو نجمعهم في مساحات محددة يعيشون فيها كما يحبون؟ وفي هذه الحال هل يستحسن نقل الاهرامات والمعابد والمتاحف إلى هذا المكان المختار؟

أم سنعتمد على الله ونقوم بإعدام هذه الآثار كما فعلت طالبان فحلت عليها البركات ؟

أم لهم قول غير فصيح بهذا الشأن لم نسمعه بعد ؟


7 - في مجال الإعلام :

الكل يرثي الإعلام المصري بالقصائد المبكيات وتلفازنا الذي قالوا إنه ولد عملاقا فإذا به قزما بين الصغار من محطات فضائية بنت الأمس في بلاد هي كلها بنت الأمس ، إرضاء لنوازع دينية وطلبا لرضا رأي عام غير رشيد ولا سوى ورغم ذلك فإن إعلامنا المسكين ابن السبيل متهم في مبادرة الإخوان بالفحش والفجور.

وهو ما يعني أن حالة هذا الإعلام عند التمكين (لا قدر الله) ستكون هي الغم والنكد الأبدي مع مزيد من الجمود والانغلاق واستمرار الخطاب التلقيني الإرشادي وفي هذه الحالة ربما يستحسن اغلاق فضاء البلاد استبعادا لشرور القنوات الأجنبية الفاجرة الكافرة التي سيهرب إليها الناس كما هو حادث بالفعل ، والعبد الفقير إلى الله لم يشاهد التلفاز المصري منذ عشر سنوات تقريبا ، والمرات النادرة التي جلست فيها أمام قنواتنا نقلتني إلى العناية المركزة مما دعا الاطباء إلى نصحي بالابتعاد عن مشاهدة التلفاز المصري حرصا على حياتي وعلى دماغي من حدوث ما لا تحمد عقباه .. ومع التغيير المقبل عند التمكين ماذا سنفعل مع البلاء الفضائي العالمي؟

أم علينا بالصيام والصبر حتى نتمكن مع فتح الدنيا وتدمير الرذيلة والفحش؟ وإن كنت لا أعلم كيف سندمر الاقمار الصناعية .. ربما سنضربها بالمنجنيق باعتباره سلاحا إسلاميا اثبت فعاليته في غزوات كبرى .

8 - في مجال الصحة :

هل سيقبل الإخوان بالتطور العلمي في ميدان الطب الحديث ،

أم سنقتصر على العلاج بالقرآن والحبة السوداء وعسل النحل والحجامة وبول الجمل ،

وهل سيتم تعبئة بول الجمل في قناني دون أن يصيبه الفساد بحسبانه طيبا حلال؟

وما القول في الفرق بينه وبين بعض أنواع الخمر الخبيث الحرام؟

وهل سنتمكن سيقبلون بزرع الاعضاء والتبرع بها عند الوفاة وإقامة بنوك لهذه الأعضاء؟

وماذا عن موقفهم من الهندسة الجينية واستخداماتها الطبية؟

وهل سيعتبرون التدخل الجيني انتصارا للطب والعلم أم عدوانا علي خصوصيات الله ؟

هذه مجرد تساؤلات نطلب فيها رأيا يتفق عليه الإخوان وإخوانهم في أمور هي من بسائط الشأن السياسي . رغم أنهم منذ خمسين عاما يناقشون مسألة تحديد النسل الكارثي . ولم يتفقوا بعد .. يبدو أننا سننتظر اتفاقهم طويلا ..

نشرت فى روز اليوسف 12/6/2004

الإخوان يتمقرطون

يستعرض الإخوان أنفسهم في الشارع المصري هذه الأيام ، وهو الاستعراض الذي يوصفه الدكتور عصام العريان بقوله : " إن ما نقوم به الآن هو ضغوط شعبية عبر التظاهر في الشارع والجامعات والنقابات ، وكل صور الضغط المدني " الوفد 12/4/2005

هذا كلام جديد على الإخوان تماماً ، والتمعن فيه يكشف عن غرور متوهم يربط بين جماعتهم وبين شعب مصر ، في خلط معيب ومشين في حق شعب مصر . لأن تظاهرات الإخوان لا يمكن تسميتها " ضغوطاً شعبية " لمجرد أنها تجري في الشارع مع الهرج والمرج ، ولو كان حجم تظاهرة الإخوان هو " ضغوط شعبية " فما أبأس شعب مصر حينذاك إن كانت هذه ضغوطه الشعبية .

أما الجديد بجد فهو وضع الدكتور العريان نفسه وجماعته ضمن المجتمع المدني ، بتصويره لمظاهرته اليتيمة بأنها من " صور الضغط المدني " ؟!! بل السؤال في صيغته الدقيقة يجب أن يكون :

· متى عدل الإخوان عن تكفير المجتمع المدني؟

· ومتى كف الإخوان عن ملاحقة أنصار المجتمع المدني بالتخوين الوطني وبالشائعات القاتلة الفاعلة؟

· بينما الإخوان لا يعترفون بوطن ولا براية قومية أم أن للإخوان فهماً خاصاً لمعنى المجتمع المدني كما هو دأبهم مع كل المفاهيم والمصطلحات؟

· .. يعني هل سيكون المجتمع المدني حسب النظرة الإخوانية معنى غير ما تعرفه كل البشرية عنه؟

· أم أن هناك فهماً ثالثاً ضائعاً كالفهم الضائع بين مصطلح المقاومة المشروعة ومطلح الإرهاب؟

إن كان الدكتور عريان جاداً فيما قال ، وأنه لن يعود ناكصاً على عقبيه مرتداً ، أو أنه لن يترك غيره من أعضاء الجماعة يشتتنا بقول آخر كالعادة المعلومة عنهم ، فأهلا بأهلنا الإخوان ومرحباً ويا لفرحة القلب بعودتهم إلى حضن الوطن الدافيء الذي سيسامحهم ويغفر لهم في سبيل توحد وطني في مرحلة مأزومة من تاريخ الوطن لكن تراهم متى اعترفوا بأن هناك وطناً للمسلم أصلاً أو متى اعترفوا براية أو شعار وطني؟

أليسوا هم أمة لا إله إلا الله التي لا تعترف براية أو شعار وطني كما كان يؤكد مرشدوهم دوماً؟

إن مشكلتنا مع الإخوان أنهم لا يتركون فرصة للثقة بهم ، فهم يلعبون الورقات الثلاث وعلينا دوماً أن نبحث عن السنيورة بين الورقات الثلاث ، ويتكلمون الألسن السبع في جملة واحدة ، وكل لسان يقول شيئاً غير أخيه .. حلفاء لكل الفرقاء ، من الشيوعيين إلى الوفديين إلى الأمريكان إلى الناصريين إلى شعب مصر الطيب البسيط إلى الطالب وإلى الفلاح ، لديهم في جرابهم كل الأقنعة اللازمة لعقد وفض التحالفات بعلمانية غير محترمة وقت اللزوم وعند الحاجة مع أي طرف من هذه الأطراف ، ومع ذلك هم حانقون على العلمانية المحترمة .

نحن نرفض الاطمئنان للإخوان لأن تاريخهم وليس تاريخ غيرهم هو من يقول أنهم دوماً كانوا ضد كل الطروحات السياسية والاقتصادية أو أنظمة الحكم على اختلافها ، منذ نشأتهم لم يرضوا أبداً إلا عن أنفسهم ولم يرضوا مرة عن أحد ولا عن طرف من الأطراف ، و مع ذلك حالفوا الجميع ، وخانوا الجميع ورفضوا الجميع ، فمالهم اليوم بعضهم يرفع المصحف وبعضهم يستبد لراية براية المجتمع المدني؟ و مالهم اليوم يتكلمون برطانة الغرب الكافر عندهم والحر عندنا ، بدلاً من لغة الآيات والحديث والتفاسير والحدود والشريعة والجلد والقطع والرجم والجز والسلخ؟

مالهم يتحدثون عن دستورنا وضرورة تعديل مواده بينما هم لم يعترفوا يوماً بدستور لأنه بدعة مدنية ، ولم يضعوا منذ نشأتهم دستور متصوراً أو متخيلاً ليحكمونا بة عبر تاريخهم منذ تأسيس جماعتهم وحتى اليوم ، فمالهم ودنيانا الفانية وهم أهل الجنة والطنافس والقوارير والحور العين والولدان الخالدين والأرائك على الأسرة متقابلين على الأنهار يفضون عليها الأبكار في ضيافة الجباركما تنص عقيدتهم السنية؟

أبداً لم يتحدث الإخوان .. أي إخوان .. فكلهم إخوان سواء ضرب بعضهم بالقنبلة أو تحدث بعضهم بلسان الثعابين ، لم يتحدثوا يوماً غير لغة الحدود والعنف الإسلامي السلفي الجامد القاسي ، وكانوا دوماً ضد الإسلام السمح الهاديء الجميل لأن هذا عندهم ليس إسلاماً فالإسلام واحد والحقيقة واحدة هما إسلام وحقيقة الإخوان وحدهم .

حالف الإخوان حركة عسكر الجيش ضد الملك بينما كانوا يحالفون الملك ، وانقلبوا مع العسكر ضد الملكية ، ثم انقلبوا على العسكر عندما حكموا على اتفاق بينهم ، ثم رفضوا الاشتراكية ، ثم رفضوا حرب اليمن ، ثم رفضوا الانفتاح ، ثم رفضوا السلام ، وحاولوا اغتيال حليفهم (عبد الناصر) في ميدان المنشية الاسكندراني ، وأفرج عنهم السادات وأعطاهم مصر سداحاً مداحاً فقتلوه يوم احتفاله بنصره ، وحاولوا اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا ، فماذا جد لهذا التحول الجديد بل والذي لا يتخيله ولن يوافق عليه لا حسن البنا ولا سيد قطب لو قيضت لهما الحياة ، بل سيعتبرانه ردة واضحة فصيحة عن مباديء الإخوان والإسلام معاً؟

ترى هل للظرف العالمي الجديد دور في هذا التحول؟

ترى هل وجود القوات المتحالفة بالقيادة الأمريكية في المنطقة وضغطها من أجل حكومات ديمقراطية في العالم الإسلامي هو السبب في هذا التحول؟ ألا ترون الإخوان يتخلون عن كل ما قالوه خلال القرن الفائت والحالي إلى الشكل السياسي الذي تطلبه أمريكا وهي الطاغوت الأعظم؟ أين ذهب الإسلام إذن كما كانوا يعرضونه ويتجمعون بسببه في جماعتهم . سادتي لم يكن الإسلام هو الموضوع إنما كان كرسي الحكم لذلك عدلوا وبدلوا لينالوه. لأنهم يعلمون دران الطاغوت الأعظم الذي لم يعد طاغوتاً بل حليفاً مرتجي فغازلوه فرّق ومال وتهدلت منه مسابل العيون ، فجالسوه وحاوروه وطلبوا منه عدم الجفا ، ورغبوه وأغروه بالوصال ..

فما هو المقابل؟

التاريخ يقول لنا إن تاريخ كل اللاعبين بالدين عبر العصور من جماعات ومشايخ وكهنة وسدنة كان تاريخ خيانة الوطن وبيع الوطن ، منذ أخبرنا التاريخ أن كهنة آمون قد باعوا مصر وأجلسوا على عرشها الإسكندر الغازي إبناً لآمون ، منذ باعونا من قبل لقمبيز الفارسي ومن بعد للبطالمة ، باعونا بأرضنا وناسنا وتاريخنا وبشرنا ومستقبلنا نظيراً لسيادتهم في ظل الحاكم أياً كان الحاكم . باعونا منذ باع بنيامين وطنه للعرب الغزاه مقابل أن يجلس على كرسي الكرازة المرقسية . منذ باع مشايخ عرب الحوف الشرقي ثورة البشموريين ضد الخلافة العباسية وقبضوا من المأمون المال والسؤدد ، منذ تنادي مشايخنا بردة أحمد عرابي وهو يحارب الغزو الانجليزي ، منذ كثير ومنذ مخيف ومنذ داعر ومنذ خائن ، منذ كانوا هم التاجر والسمسار الملتحف برداء الرب قمعاً لضمائر المؤمنين وهو يبيع ، و لم تشذ حالة واحدة عن هذه القاعدة.

نعود معاً للعريان نقرأ ونفهم ، فقد وضع لموضوعه الذي نناقشه هنا عنواناً هو " مخاوف مشروعة وهواجس لا مبرر لها " قاصداً فيما يبدو إقرارنا على مخاوفنا إزاءهم ، لكنه أيضاً قاصداً تبديد الهواجس التي لا مبرر لها من جانبنا تجاه الإخوان . المدهش أنهم لا يعرفون كيف يقولون عندما يخرجون من ثوبهم العتيق ، لأن للعالم الآن لغة لا يفهمونها ولا يجيدونها ، لذلك فإن الدكتور عريان بدلاً من أن يبدد مخاوفنا فقد أكدها ، وبدلاً من أن يطمئنا إزاء هواجسنا زادنا هواجساً على هواجس ، ليجعلنا مطمئنين إلى قرار واحد مصيب دائماً مع الإخوان ، هو إياك أن تطمئن إلى الإخوان.

نستمع إذن إلى باقي ما قال العريان : " الإخوان على لسان مرشدهم أعلنوا الأولوية قبل تعديل الدستور ، إطلاق الحريات بحيث يكون لدينا مجلس شعب حقيقي يعبر عن الإرادة الشعبية ، يتم انتخابه في انتخابات حرة نزيهة " . العريان كبقية الإخوان عينه على الصندوق وحده دون ما يقوم عليه هذا الصندوق من مباديء وقيم لا يعترف بها الإخوان ، فهل يعترف العريان مثلاً بحق المسلم في التحول عن دينه إلى أي دين يريد؟

سؤال بسيط سهل مفهوم في أي بلد في العالم ، لكن عندنا ربما يكون مجرد السؤال جريمة .

إنهم يريدون ديمقراطية الصندوق فقط لا غير لأنهم يعلمون أنهم قد سلبوا مع كل رفاقهم مع كل جماعة إسلامية وعي الوطن ، ومدى معرفة المواطن لمصالحه وما يدور حوله ، جعلوه آلة عابدة فقط ، له جهاز إدارة واحد ، يديرونها بسلطان الذين على النفوس الذي استشرى في أجهزة الإعلام والتعليم عبر ما يزيد على خمسين عاماً مضت ، ناهيك عن البعد الإيماني في الزمن إلى 1425 عاماً .

والإخوان يعرضون أنفسهم للناس على أنهم الإسلام . والناس ستختار أي شعار يحدثهم عن الإسلام . لكن الأخوان يقعون اليوم في مشكلة التوفيق بين تقديم أنفسهم للناس بحسبانهم الإسلام ، وبين المطروح في الساحة من مفاهيم غربية كحقوق الإنسان والمجلس التشريعي الذي يشرع للناس وليس الله ، وآليات الانتخابات والحريات وهي شئون مستحدثة لا علاقة لها بأي دين . وبعد سبتمبر 2001 ووصول أساطيل العم سام الأساطين إلى منطقتنا قرر الإخوان الوصول إلى الحكم بشروط العم سام ، لكن معنى ذلك ألا يصبحوا إخواناً ، وهم يريدون الأمرين معاً وهنا مقتل الإخوان ، فكيف سيمكن لهم الجمع بين ديانة فريق من المواطنين وبين المجتمع المدني الذي يعني جميع المواطنين على المساواة التامة بلا تفرقة ولا تسمية طائفية ولا عنصرية ولا دينية . وإذا كنا سنكون مجتمعاً مدنياً كبقية دول العالم فهل من الضروري أن يضع الدستور مجلس الشعب أولاً؟

لماذا لا تضعه اليوم وخلال فترة انتقالية لجنة من الحكماء المشهود لهم بأنهم مدنيون حقاً وفعلاً ما دمنا قد اتفقنا على المدنية ، لتصوغ أيضاً آليات الانتخابات وشروطها وآليات عمل مجلس الشعب وبقية فروع الشأن السياسي حتى يكون النظام كله مدنياً بحق ، ثم يتم التصويت عليه من بعد؟ هل لأن الإخوان يريدون الصندوق أولاً ليقوموا بحسبانهم أكثرية المجلس بصياغة الدستور ثانياً؟ بينما هذه الجماعة لم تقم حتى اليوم بعمل برنامج سياسي واضح لجماعتها منذ تأسست حتى الآن ، كما لم تضع دستوراً مقترحاً تقدمه للأمة منذ تأسست حتى الآن ، وذلك لأن جماعتهم لا تعترف لا ببرنامج ولا بدستور .

ثم هل مر عليك يا دكتور عريان وأنت غزير المعرفة بالإسلام وتاريخه شيء في الإسلام وتاريخه مما جاء في كلامك؟

يعني هل يمكنك أن تشير إلينا أين نجد "الإرادة الشعبية " في هذا التاريخ ، وأين نجد " الانتخابات الحرة النزيهة"؟ وأن تشير إلينا أين نجد مفهوم الحرية عدا مفهوم تحرير العبيد فقط؟ وهل سبق وحدث أي انتخاب في تاريخ الدولة الإسلامية منذ ظهورها وحتى سقوطها عبر زمن امتد أربعة عشر قرناً من الظلم وانعدام العدل بل وانعدام الرحمة والإنسانية . إن الدكتور عريان يحدثنا اليوم بلغة العم سام ومفاهيمه ، إنه يتحدث لغة الكفار وأفكارهم الغربية التي طالما طاردونا بسببها وكفرونا.

بعد أن يطالب الدكتور العريان بعمل دستور جديد على يد مجلس شعب منتخب يعود في ذات المقال ليطالبنا بتعديل الدستور الحالي الآن أو كما يقول : " المواد المتعلقة بالرئيس 76 ، 77 ، 74 ، وأن الإخوان مع هذا التعديل الحقيقي " وما يمكن فهمه من هذا الكلام إذا رتبناه للدكتور فهو أنهم يطلبون الآن تعديل المواد الخاصة برئيس الجمهورية تحديداً ، المواد المتعلقة بالكرسي الكبير ، ثم بعد ذلك تتم الانتخابات الرئاسية والتشريعية ، ومع تعديل المواد المذكورة تكون الفرص أكثر اتساعاً ، إن لم يكن للفوز بالكرسي الأعظم فللفوز بالأغلبية في المجلس التشريعي الذي سيصوغ الدستور .. وبعدها .. يا خرابك يا مصر !!

أحياناً لا يفهم المسلم منا الإخوان المسلمين ، فهم يطالبون الرئيس مرة بترك الحكم ، ومرة يطلبون مقايضته بالبقاء بإعطائه أصواتهم بمقابل ملخصه السماح للإخوان والإفراج الرسمي عن الإرهاب؟ وهي مقايضة ليسوا أهلاً لها فهم يمنحون ما لا يملكون لمن لا يستحق ، ثم مرة ثالثة وفجأة يصبحوا مدنيين ديمقراطيين؟ فأي هذا نصدق؟ وأي موقف من كل هذا المعلن عن الإخوان يريد الإخوان؟ إنها مرة أخرى لعبة الثلاث ورقات والسنيورة المخفية دوماً .

أول سؤال يتبادر هنا منذ متى يعرف الإسلام وإخوانه مسألة تحديد مدة رئاسة رئيس الدولة؟

ومتى تم تنفيذها منذ قيام الدولة الإسلامية وحتى اليوم؟

إن الخليفة كان يحكم مدى الحياة ودون أي اعتراض منعاً للفتن مثل كل الراشدين وغير الراشدين؟ ثم هل سبق وتم تداول السلطة في دولة المسلمين؟ نعم حدث تداول لكنه كان إما بالسم أو بالخنجر أو بالسيف؟ ماذا حدث للإخوان؟ إنهم يزعمون أنهم المسلمون دون الجميع ، ويفرضون أنفسهم على المسلمين ، ويطالبون بأمر لم يعرفه الإسلام ولا المسلمون ، بل أن ما يطلبونه اليوم يعد في مذهبهم السني كبيرة من الكبائر وعظيمة من العظائم .

إن مسألة التمديد للرئيس من عدمه عبر انتخابات شعبية إزاء منافسين هو أمر يحدده الناس وليس الإخوان ، فقط ألفت النظر إلى أن الإخوان يتبنون اليوم مفاهيم الغرب الكافر في السياسة ليطالبوا بتفعيلها فوراً ، ويزعموا أنهم مازالوا إخواناً ؟!

إن على الإخوان الاختيار ما بين الانخراط في العملية الديمقراطية كعملية مدنية مائة بالمائة لا علاقة لها بالإسلام ولا بأي دين ، ولا علاقة لها بأي مقدسات فهي لا تعرف مقدسات إنما تعرف البشر بأخطائهم وصوابهم الإنساني وحده ، وإما أن يظلوا إخواناً ولا يحدثوننا برطانة رفضوها عبر تاريخهم الطويل . فهذا لون من الخطاب المخادع خداعاً غير ذكي بل هو خبث ريفي يثير الرثاء والسخرية أكثر مما يستجلب الاحترام . خطاب يلقي بمزيد من الشك على ما يضمرون لنا ولوطننا ، خاصة مع خيانتهم الجديدة للإسلام بشق عصا الطاعة على الإمام وهو إثم يعلمون كم هو عظيم وإثم كم هو كبير عبر تاريخهم مع ألوان الخلافة عبر التاريخ .

لقد قالوا طويلاً أن لديهم في الإسلام كل الحلول السحرية المفاجئة التامة لكل مشاكلنا ، فما لهم اليوم وديمقراطية امريكا واسرائيل؟ وإذا قالوا اليوم أنهم سيتنازلون عن المبدأ الإسلامي في الحكم الذي حكمونا به طوال الزمن الخليفي حتى سقوط آل عثمان وهو الحكم المؤبد للحاكم حتى موته مهما فعل ، فهو ما يعني أنهم قد تنازلوا ضمناً عن الدين ، كده غلط ، وكده غلط ، هل تدرون لماذا؟ لأن الدين ليس هو الموضوع عند الإخوان ، إنما هو الكرسي .

وهل عرف تاريخ الإسلام قانونا غير قانون الطواريء الدائم الأبدي منذ حكم أبو بكر؟ فلماذا يحتجون عليه؟

يجوز ذلك لغيركم لكن لا يجوز لكم. هل تحتجون عليه لأنه قبيح مكبل للحريات؟ نعم لاشك أنه يأخذ المواطن بالشك والشبهة ، لكنهم في دولة الإسلام كان الشك والظنة لا تدخل الإنسان معتقلاً بل تذهب به إلى بارئه فوراً مفصول الرأس أو مقطع الأطراف. إذا كنتم ضد هذه القوانين فلماذا لا تعلنون إدانتكم لها في تاريخ المسلمين حتى نصدق أنكم فعلاً ضد مثل هذه القوانين أم أنكم تنادون بما لا تؤمنون به؟ إنكم سادتي داخل جماعتكم حتى الآن لا تعرفون نظام الانتخاب ولا تطبقونه ، ومرشدكم يظل مرشداً مادام حياً حتى يصيبه الخرف ، ويحكم هذا المرشد فى إخوان لخمسين بلداً إسلامياً أو يزيد ، ويتم اختياره بالبيعة التي لا يشارك فيها سوى خمسة عشر عضواً في مكتب الإرشاد . إنكم سادتي الإخوان ذوي أقنعة كثيرة ومحيرة ، إنكم مرة دكتور جيكيل ومرة مستر هايد .

ثم يشير العريان إلى المبادرة التي طرحها الإخوان للمشاركة في الإصلاح بأنها "برنامج الإخوان لبناء نهضة مصرية ترتكز على مرجعية إسلامية ، وتسعى إلى تحقيق غايات الإسلام العليا في العدل والحرية والمساواة والشورى والكرامة الإنسانية".

ها قد عاد مستر هايد ، فبعد إعلان الإيمان بمدنية الدولة والحكم يعلن أن الإخوان يسعون لتحقيق غايات الإسلام العليا ، فماذا عن غايات المسيحية العليا؟ وماذا عن غايات الشيعة العليا؟ وماذا عن غايات العلمانية العليا؟ وماذا عن غايات الملحدين العليا ، إن لكل فريق قيم يراها هي العليا ، لذلك لابد أن تصبح كلها في الفعل المدني غايات نسبية وليست عليا والحق سيكون مع من يثبت مدنيته لادينيته وعقيدته ، أما الحديث عن كون العدل والحرية والمساواة والشورى والكرامة الإنسانية قد سبق وتحققت في تاريخ المسلمين تحت حكم ادعى الإسلام ، فهو أمر لم يحدث ولا مرة واحدة سوى في الشعارات النظرية ، لأن في واقع التطبيق لم يحقق تحت هذا الحكم سوى انعدام العدل وغياب الحرية واللامساواة بطبقية بشعة لا مثيل لها تميز بين المسلم وغير المسلم وبين العربي وغير العربي وبين الرجل والمرأة وبين الحاكم والمحكوم وبين السيد والعبد وفق قوانين فقهية مشرعة معلنة ،

فهل سيحقق عريان بالإسلام ما لم يستطع أن يحققه ولا حتى الخلفاء الراشدون ، ولا بقية الخلفاء منذ أربعة عشر قرناً؟

إن الدستور المدني والعمل السياسي المدني لا يجب أن ينحاز أبداً إلى أي فئة من فئات المجتمع المصري ، أو ملة ، أو دين ، أو عرق حتى يخلق لها ميزة أو فضل على باقي عناصر المجتمع ، أو إلى عدمه المساواة والعدل ، أو فقدان الإخاء المؤدي بالتبعية إلى الكراهية والتباغض ، ومن ثم عدم الولاء للوطن . لهذا أبداً لم يشر الإخوان إلى المادة الثانية بالدستور عن دين الدولة ومصادر تشريعها ولا مرة ، فهي الباقي أبداً بينما يحدثوننا عن المواد الخاصة برئيس الجمهورية وسلطاته ومدة ولايته بحديث لا هو من الإسلام ولا هو من المدنية .

ثم يخلط العريان كل الأوراق دفعة واحدة فيقول : " ليس في منهاج الإخوان إقامة دولة دينية أو حكومة دينية ، بل منهجهم يقوم على إقامة حكومة ودولة مدنية يتساوون فيها الحقوق والواجبات التي يضمنها الدستور ، مرجعيتها الاسلام الذي هو عقيدة الأغلبية ! "

أترون إنهم لا يريدون حكومة دينية ولا دولة دينية ، ولا تعلم لماذا كل تاريخ أدبياتهم الطويل العريض حول الدولة الدينية ، إنما حكومة يتم تشكيلها بصندوق الإقتراع تؤدي إلى قيام دولة مرجعيتها الإسلام .. صحيح اللي اختشوا ماتوا .

ولازال لنا مع الإخوان حديث وقول قد يطول

نشرت فى روز اليوسف

2 Comments:

Anonymous غير معرف said...

وتقول العالمة الذرية (جونان التوت)- التي أسلمت على يد البيصار من بين (250) رجلاً وامرأة أشهروا إسلامه في اليوم نفسه ومن بينهم سفير غانا- :(المسألة ليست انتقالاً من دين إلى دين آخر . ولا هي تحد لمشاعر وطقوس توارثناها –إنما هي الحرية المنشودة والفردوس المفقود الذي نشعر بأننا في أشد الحاجة إليه .نحن الشباب في الغرب ، نرفض واقع الدين الرومانسي ، والواقع المادي للحياة .وحل هذه المعادلة الصعبة هي أن نشعر بالإيمان بالله ) وتضيف قائلة (بعض الشباب غرق في الرقص بحثاً عن الله ، -في الشيطان ، في المخدرات ، وفي الهجرة إلى الديانات الشرقية القديمة .وخاصة البوذية – وقليلون هم الذين أعطوا لأنفسهم فرصة التأني والبحث والدراسة . وهؤلاء وجدوا في الدين الإسلامي حلاً للمعادلة الصعبة – وإذا كان عددهم لا يزال قليلاً حتى الآن ، فلأن ما نسمعه عن هذا الدين العظيم مشوش ، ومحرف ، وغير صادق فكل ما هو معروف عندنا عن الإسلام خزعبلات رددها المستشرقون ، منذ مئات السنين، ولا تزال أصداؤها قوية حتى الآن، فالدين الإسلامي كما في إشاعات المستشرقين هو دين استعباد المرأة ، وإباحة الرق وتعدد الزوجات، ودين السيف لا التسامح) وتقول أيضاً :(لا تصدقوا فكرة الحرية المطلقة في أمريكا . والتي تنقلها لكم السينما الأمريكية ، فإن في بلادنا كثير من المتعصبين دينياً . ولذا فإنني أعرف جيداً أنني مقبلة على حرب صليبية في بلادي وأسرتي، وستزداد هذه الحرب اشتعالاً عندما أبدأ في إقناع غيري بهذا الدين العظيم) ثم تقول : (لقد بدأت أحس بوجود الثواب والعقاب وهذا السلوك هو الذي سيحكم سلوكي ويضبطه في الاتجاه الصحيح ) (3)

ويقول أحد قساوسة جنوب أفريقيا مخاطباً مبعوث مجلة الاعتصام المنتدب لزيارة المركز الإسلامي هناك :(أنا قس من رجال الدين المسيحي أحمل اسماً مسيحياً. وهذا الاسم لا يعنيكم ولن أقوله-ولكن أقول- بالرغم من أني دربت على المسيحية ، وتعلمتها في جامعات بريطانيا ، وأعددت لأكون راية للمسيحية ، وداعية لها ، إلا أني لم أشعر بأن المسيحية استطاعت أن تجيب على تساؤلاتي ، لأنها مرتبكة في جسمي- وقد فكرت في التخلص من المسيحية السوداء التي لا تعترف بآدميتنا ، والتي جاءتنا بالإنجيل في يد وبالعبودية في اليد الأخرى وجاءنا أدعياؤها بالإنجيل في يد ، وبزجاجة الخمر في اليد الأخرى ) . ثم يضيف قائلاً : لقد رأيتكم تصلون .فإذا بالأبيض بجانب الأسود ‍‍، والغني بجانب الفقير‍‍، والمتعلم بجانب الجاهل ، لهذا أقول إن الأفريقي ليس بحاجة إلى المسيحية إنه في حاجة إلى هذا الدين العظيم- وبعد أن اغرورقت عيناه بالدموع قال : لماذا حجبتم عنا هذا الدين ؟ أنيروا لنا الطريق فإن مبادئ هذا الدين هي التي يمكن أن تنقذ العالم مما هو مقبل عليه من فوضى ودمار(4 )

ويقول أميل درمنجهم الذي كتب كتاباً في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم :

ولما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية ، اتسعت هوة الخلاف ، وازدادت حدة ، ويجب أن نعترف بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشد الخلاف فمن البيزنطيين من أوقر الإسلام احتقاراً من غير أن يكلفوا أنفسهم مؤنة دراسته ، ولم يحاربوا الإسلام إلا بأسخف المثالب – فقد زعموا أن محمداً لص! ، وزعموه متهالكاً على اللهو! ، وزعموه ساحراً !، وزعموه رئيس عصابة من قطاع الطرق! بل زعموه قسا رومانياً !!، مغيظاً محنقاً، إذ لم ينتخب لكرسي البابوية – وحسبه بعضهم إلهاً زائفا!!!ً يقرب له عباده الضحايا البشرية وذهبت الأغنيات إلى حد أن جعلت محمداً صنماً من ذهب وجعلت المساجد ملأى بالتماثيل والصور(5)

وفي كتاب (معالم تأريخ الإنسانية) بقول ويلز (كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط. ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنى سارت سوى دين الإسلام).

ويقول (هنري دي شاميون ) تحت عنوان ( الانتصار الهمجي على العرب) لولا انتصار جيش (شار مارتل) الهمجي على العرب في فرنسا في معركة (تور) على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) لما وقعت فرنسا في ظلمات العصور الوسطى . ولما أصيبت بفظائعها ولما كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني- ولولا ذلك الانتصار البربري لنجت إسبانيا من وصمة محاكم التفتيش ، ولما تأخر سير المدنية ثمانية قرون بينما كنا مثال الهمجية (6)

ويقول( أناتول فرانس) عن أفظع سنة في تأريخ فرنسا هي سنة (732)م وهي السنة التي حدثت فيها معركة (بواتيه) والتي انهزمت فيها الحضارة العربية أمام البربرية الإفرنجية- ويقول أيضاً :

(ليت( شارل مارتل) قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) إن انتصاره أخر المدنية عدة قرون)(7)



ويقول كارليل الإنكليزي في كتابه ( الأبطال):
من العار أن يصغي الإنسان المتمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين أن دين الإسلام دين كذب .وأن محمداً لم يكن على حق : لقد آن لنا أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة – فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ظلت سراجاً منيراً أربعة عشر قرناً من الزمن لملايين كثيرة من الناس- فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة التي عاشت عليها هذه الملايين ، وماتت أكذوبة كاذب أو خديعة مخادع ؟! لو أنة الكذب والتضليل يروجان عند الخلق هذا الرواج الكبير لأصبحت الحياة سخفاً ، وعبثاً .وكان الأجدر بها أن لا توجد.

إن الرجل الكاذب لا يستطيع أن يبني بيتاً من الطوب لجهله بخصائص البناء، وإذا بناه فما ذلك الذي يبنيه إلا كومة من أخلاط هذه المواد –فما بالك بالذي يبني بيتاً دعائمه هذه القرون العديدة وتسكنه مئات الملايين من الناس.

وعلى ذلك فمن الخطأ أن نعد محمداً كاذباً متصنعاً متذرعاً بالحيل والوسائل لغاية أو مطمع …فما الرسالة التي أداها إلا الصدق والحق وما كلمته إلا صوت حق صادر من العالم المجهول وما هو إلا شهاب أضاء العالم أجمع .ذلك أمر الله ن وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (8)

ويقول ادوارد مونتيه (الإسلام دين سريع الانتشار .يروج من تلقاء نفسه دون أي تشجيع تقدمه له مراكز منظمة لأن كل مسلم مبشر بطبيعته .فهو شديد الإيمان ،وشدة إيمانه تستولي على قلبه وعقله.وهذه ميزة ليست لدين سواه .ولهذا نجدأن المسلم الملتهب إيماناً بدينه ، يبشر به اينما ذهب وحيثما حل .وينقل عدوى الإيمان لكل من يتصل به ).

6:09 ص  
Blogger من الكويت said...

عقل منير
وشخصيةقوية
وفكر منفتح

لا يهاااب البشر

الى الامام يا دكتور

9:44 ص  

إرسال تعليق

<< Home