سيد القمنى ..... Sayed elQemany

هذا الموقع مهدى من محبـى الدكتور سيد القمني الى محبى الوطن و العقل و الحرية -------- هذا المفكر المصرى الوطنى الحر العظيم المثير للجدل من مواليد 1947 بني سويف , اعماله الأكاديمية تناولت منطقة شائكة في التأريخ الإسلامي. يعتبر السيد القمني من انصار فكر المعتزلة

أكتوبر 30، 2006

الدولة المسلمة

الدولة المسلمة

في القرن الخامس قبل الميلاد عقدت روما أول جمعية مُشكلة من مواطنيها ، وقررت هذه الجمعية إقراراً للعدل التخلص من السلطة المطلقة في نظامها الملكي ، واختارت بدلاً من الملك قنصلين متعادلين في السلطة ، يحكمان لمدة عام واحد فقط ، ليكون من مهام كل قنصل مراقبة زميله ، وعينت اثنين من البريتورPraetor ليراقب كل منهما القنصلين حرصاً على مصالح الشعب.

و وضعت لبنات أساسية لدستور كانت مهمته الأولى هي التصدي للحكم الفردي المطلق ، ونصت على قتل من يحاول أن يصبح ملكاً ، وإن تم الحكم على مواطن بالإعدام في زمن الحرب من أحد الحكام فله أن يلجأ للجمعية العمومية ، كما نصت على أن عقوبة الإعدام هي من حق الشعب وحده في زمن السلم.

حدث هذا قبل ظهور الإسلام بما ينوف على الألف بقرنين من الزمان ، وكان فارق الزمان هذا كفيلاً أن يعرف العالم معنى العدالة ومعنى الديمقراطية منذ تأسست في روما ، وأن لهذه الديمقراطية الأولية آليات وأجهزة تقوم على حمايتها وتنفيذ مآربها ، بهدف تحقيق القانون بالعدل بين الناس ، فلا يكون لأحد سلطان على رقبة آخر يعطيه حقاً فردياً في الإعتداء على حياة أحد المواطنين. حدث هذا في روما الوثنية قبل ظهور المسيح بخمس قرون ، و قبل الإسلام بألف ومئتي عام.

ويقول لنا أصحاب حلم الدولة الإسلامية أن الإسلام قد أسس للمساواة كأسنان المشط ، ولا فضل لأعجمي على عربي ، وجعل الحاكم محاسباً أمام الرعية ، ألم يقل البدوي لأبي بكر لو أخطأت لقومناك بسيوفنا؟ أليس جميلاً ومؤثراً موقف الخليفة العادل عمر بن الخطاب وهو يطلب من ابن الأسفلين أو ابن المستعبدين أن يأخذ ثأره من ابن الأكرمين. ألا تشير العبارة بوضوح لهذا الترفع في المعنى؟

الكلام جميل وحلو ومؤثر وعاطفي ، فهو كلام ، أقوالنا المأثورة عن المساواة والعدالة ومسئولية الحاكم إزاء الرعية نكررها هي هي لأنها تعد على أصابع اليد الواحدة ، في نفس الحادث السالف ذكرها قال عمر قولته الخالدة : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟

الكلام سهل خاصة عندما يدلك العواطف ، فما أحلى كلام الإنجيل عن المحبة والصفح الرائعين بلا شبيه ولا نظير ، لكن محاكم التفتيش والحروب الصليبية قالت في الواقع قولاً آخر مكتوباً بدم الأبرياء وصراخ الثكالى.

في التاريخ الديني يوجد نصان ، أحدهما نظري خطابي إرشادي وعظي قصصي حكمي روائي عاطفي يخاطب القلوب والأرواح ، والآخر هو ما تم تدوينه في الواقع فعلاً وحدثاً ، وهو كما حدث في المسيحية حدث في الإسلام ، ودونه المسلمون بأيديهم ، كلون من الفخار والعزة و السؤدد ليفاخروا به التاريخ كله ، وكلا النصين مقدس. وكلاهما عندما فعل في الواقع بالفعل البشري ونوازعه ورغباته أدى إلى احتلال البلاد والإسراف في القتل والإستبداد بالعباد ، مع قهر وظلم بلا شبيه ولا نظير ، لأنه تم تدوينه بدم الناس وأوجاعهم وبالإبادات الجماعية الشاملة التي نسميها اليوم جرائم حرب ضد الإنسانية.

اليوم يوجه لنا المشتغلون بالدين علينا الخطاب الأول ويغطون حتى على مصادر الخطاب الثاني ، ويطلبون عودة بلادنا إلى نظامها الخليفي الأول ، و يطلب الاتحاد العالمي للإخوان إحياء الخلافة هدفاً رئيسياً في برنامجه.

لذلك يصبح واجباً على المسلم أن يعلم ما هو مقبل عليه في حال إستلام الإخوان أو أحد إخوانهم لحكم مصر المحروسة لا قدر الله ولا كان.

نعود للخلفاء الراشدين قدوة المسلمين والذين تحولت فعالهم في المذهب السني إلى سـُنة كسنة الرسول مكملة له بالضرورة ، بحسبانها النموذج الذي يدعو له المتأسلمون على كافة ضروبهم لنجد الواقع ينطق بغير أقوالنا المأثورة ، فالخليفة الذي قبل من الإعرابي قوله : أن يقومه بسيفه ، هو من قوّم الجزيرة كلها بسيفه ، فقتل أهلها شر قتلة ، قتل من اعترضوا على خلافته وشكوا في شرعية حكمه وصحة بيعته ، وقتل من قرر ترك الإسلام إلى دين قومه ، فأمر برمي الجميع من شواهق الجبال وتنكيسهم في الآبار وحرقهم بالنار ، وأخذ الأطفال والنساء والثروات غنيمة للمسليمن المحالفين لحكم أبي بكر ، وهو ما دونته كتب السير والأخبار الإسلامية على اتفاق والخليفة الثاني العادل ، هو من استعبد شعوباً بكاملها ومات مقتولاً بيد واحد ممن تعرضوا للقهر والإستعباد في خلافته ، أما الخليفة الثالث فكان واضحاً من البداية في التمييز وعدم العدل خاصة في العطاء فكان أن قتله أقاربه وصحابته الذين هم صحابة النبي قتلاً أقرب إلى المثلة ، فكسروا أضلاعه بعد موته عندما نزوا عليه بأقدامهم ، ورفض المسلمون دفنه في مقابرهم فدفن في حش كوكب مدفن اليهود.

ستواجهنا هنا مشكلة أخرى فبأي الخلفاء الراشدين سنقتدي في دولتنا الإسلامية المقبلة؟ وبأي طريقة سيتم اختيار الخليفة ، لأن الخلفاء الأربعة كان لكل منهم طريقة في الوصول إلى الحكم.

الخليفة أبو بكر انتصر بحديث "الإمامة في قريش" أو "الخلفاء من قريش" وفي تأويل آخر رمزي اعتبر تكليف النبي له بالصلاة بالمسلمين في مرضه الأخير ، تفويضاً له بالخلافة ، ولم يكن تعييناً واضحاً دقيقاً بالمرة. واختار أبو بكر عمراً من بعده ، واختار عمر من بعده ستة يختاروا من بينهم واحداً ، وفي ولاية على أقوال كثيرة.

كل هذا يشير إلى أن رب الإسلام لم يضع للمسلمين نظاماً واضحاً في الحكم ليتبعوه ، بدليل اختلاف الهداة الراشدين وإلا كان تصرف وفعال وطريقة كل خليفة في الحكم مخالفة لمعلوم من الدين بالضرورة. إنهم يقولون لنا غير ذلك ، يقولون أن دولة الخلافة والشريعة معلوم من الدين بالضرورة ، ومن يعارض قيامها (مثلي مثلا فأنا أشد أعدائها) هو مرتكب لما هو مخالف للمعلوم من الدين بالضرورة؟

إنهم يزيدون علينا في أمر ديننا ، وهذا هو التعريف الدقيق للبدعة ، المسألة ببساطة أن رب الإسلام ترك شأن الحكم للمسلمين ، إن شاءوا فعلوا ما فعل الإثينيون بديمقراطيتهم المباشرة ، وإن شاءوا فعلوا فعل بلقيس عندما كان لها لجنة استشارية متخصصة ترجع إليها في شئون الحكم ، وهو ما أخبرنا به القرآن ، ولم يعب القرآن حكم بلقيس ، إنما عاب دينها ، ففصل الدين عن السياسة ، وترك لنا نموذجاً آخر بين البدائل الممكن اختيارها. فإن شاءوا أخذوا بالطريقة المصرية أو الساسانية وكل ما يجمع بين هذه الأمثلة هو وجود المؤسسات والهيئات التي تقوم على حفظ نظام الدولة وكيانها وإقامة العدل بين المواطنين ، وحفظ حقوقهم.

نعود لزمن الرسول والصحابة نبحث أي النماذج اختاروا للحكم من بين المعروض في الدنيا ، وهو مساحة صمت فيها الوحي ، فكانت مساحة حـُرة يمكن فيها اختيار أفضل الأنظمة لأفضل الأديان ليعبر عنه وعن عدله ومساواته ، ومحققاً لمأثوراتنا خاصة أسنان المشط دلالة على المساواة.

يقول "أبو حاتم وابن مردوية عن أبي الأسود قال : اختصم رجلان إلى النبي ص فقضى بينهما ، فقال الذي قضي عليه : ردنا إلى عمر بن الخطاب ، فأتينا إليه ، فقال الرجل : قضى لي رسول الله على هذا ، فقال ردنا إلى عمر ، فقال عمر : آكذاك ؟ قال : نعم ، فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما ، فخرج إليهما مشتملاً سيفه فضرب الذي قال : ردنا إلى عمر فقتله ، وأدبر الآخر ، فقال : يا رسول الله قتل عمر صاحبي ، فقال عليه السلام : ما كنت أظن أن يجتريء عمر على قتل مؤمن ، فأنزل الله : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً. النساء 65

ويتأسس على هذا الحدث وتلك الآيات في أيامنا هذه تشريع فتوى بقتل المخالفين وتفجيرهم لأنهم لا يرضوا بحكم الله والرسول بمخالفتهم للمذهب السني! لأن عمراً قتل الذي لجأ إليه طلباً للعدل وهو يقول : "هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله".

وقضاء الله ورسوله اليوم هو التجديد الوهابي للمذهب السني بالتحديد والتدقيق. فإن خالفته في شيء فعلوا بك فعل عمر فيمن ذهب إليه طالباً العدل.

تعالوا نعرض هذا الموقف على الرؤية الرومانية الوثنية قبل الإسلام بإثنى عشر قرناً ، كان من حق هذا المقتول أن يعرض أمره على الجمعية العمومية قبل تنفيذ الحكم ، لا أن يصدر الحكم وينفذ في نفس اللحظة ، كما أن عقوبة الإعدام وقت السلم لا يحق صدورها من أفراد بل هي من حق الشعب من خلال مؤسسات المجتمع ونظام الدولة.

ولم يكن خلاف هذين المتخاصمين في أمر من أمور الدين فليس بينهم خلاف على نبي ولا شعيرة ولا آية ، كان خلافاً في شأن دنيوي بعيداً عن دائرة الدين ، وكلاهما كان من الصحابة مثل عمر ، وكانا يعرفان النبي كما يعرفان عمر ، وكان قول النبي : " ما كنت أظن أن يجتريء عمر على قتل مؤمن " يشير إلى معرفة النبي أن الرجل ليس مسلم فقط بل هو مؤمن وهو أعلى درجة من المسلم. لكن الله حسم الموقف بعدم إيمان المقتول ، هنا لابد للعقل أن يتساءل : وهل كان عمر عندما قتل القتيل يعرف أنه غير مؤمن ، فالنبي نفسة لم يكن يعرف ذلك؟ وإن كان القتل قد تم بناء على عدم إيمانه وأن عمراً استنتج ذلك لعدم قبوله بتحكيم الرسول ، فما هو الحال مع الأعراب الذين قال الله بشأنهم " قالت الأعراب آمنا ، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " الحجرات 14. وحتى لو كان عدم إيمان الرجل مؤكدا ، فإن ذلك العقاب بمنطق اليوم وحقوق اليوم غير مقبول بجميع المقاييس.

المقصود هنا بيان أن دولة النبوة كانت شأناً خاصاً وطارئاً وكذلك دولة الراشدين ، وإنه كان للزمن ولظروف البيئة وإحكامها وتحكمها للشكل القبلي في الحكم ، لكنها لا تلزمنا اليوم باتباعها لأن مسألة الحكم تركها الله لنا مساحة حـُرة نقيم حكمنا بأيدينا كيفما شئنا. أما دولة النبي أو دولة الراشدين فكانت ائتلافاً قبلنا يصعب علمياً أن نطلق معه كلمة دولة على هذا الائتلاف لأنه لا يملك أياً من مقومات الدولة.

ودليل من فعالهم يشير إلى قناعتهم الداخلية أن الحكم الديمقراطي شيء ودولة الرسول والراشدين شيئاً آخر ، وإن مطالبة الإخوان بحزب يخوض العملية الديمقراطية بغرض إقامة نظام إسلامي "الفرد المسلم والحكومة المسلمة " ليس سوى احتيال على الديمقراطية ، الدليل دعوة الإخوان لمقاطعة الاستفتاء على المادة 76 ، فلو كانت الديمقراطية من دولة الإسلام أو من الإسلام لكانوا أول المشاركين عملاً بالشرع وأول الداعين له ، لكنهم يزعمون الديمقراطية سبيلاً ويؤكدون أنها عمدة الإسلام بقوانينهم المحترمة لنقبل بهم في الحقل الديمقراطية خلفاء علينا يطبقوا ما يعن لهم ، لأنه لا يوجد تفصيل وتقنين واضح لطريقة الحكم في الإسلام ، لكنهم يدعون الناس إلى مقاطعة الديمقراطية والاستفتاء لأنهم يعلمون أنهم لن يكونوا فيها وهم على حالهم هذا.

لماذا لم يقولوا للناس إذهبوا ومارسوا الحق الدستوري وتعلموا الديمقراطية وقولوا ما تريدون ، وكان بالإمكان أن يحرض الإخوان الناس ليذهبوا وليقولوا ( لا ) فيكونوا قد فعلوا ما يحمد لهم باحترام الديمقراطية وتكريمها عند الناس. إن الاستفتاء خطوة في الطريق الصحيح ، خذ إذن وطالب ولا تكن كما كنت دوماً كل شيء أو لا شيء فتأخذ ( لا شيء ). لتكن مرحلة انتقالية يصارع فيها الجميع سلمياً لتحقيق الديمقراطية ، لقد ساووا بيننا وبين العبيد الرومان 500 قبل الميلاد فهم فقط من لم يكن من حقهم التصويت.

كان على الإخوان أن يثبتوا احترامهم للديمقراطية بدعوة الناس دعوة عامة للمشاركة في الاستفتاء ويقولوا ( لأ ) ، كما اهتموا بالدعوة العامة للحجاب والخمار والنقاب..

سادتي الإخوان : إن الديمقراطية أهم من الحجاب واللحية والسروال الباكستاني.

المشكلة عند الإخوان أنهم يدعون تلبيساً وتقية مباديء الديمقراطية لأنهم لو صدقوا ما طلبوها دولة إسلامية ديمقراطية ، لأنكم لو أصررتم على أنها إسلامية فإن مجرد ترشيح أحدكم ضد الحاكم سيكون خروجاً على الشريعة ولحق عليكم جز الرقبة في ميدان عام حسب الشريعة ،

" عن أبي بكر عن رسول الله قال : من خرج يدعو إلى نفسه أو إلى غيره وعلى الناس إمام ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، فاقتلوه " ( تاريخ الديلمي ، أنظر أيضاً تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 76)

هذا لأن الدولة الإسلامية بحكم منشئها وتكوينها الاجتماعي القبلي لم تكن دولة مؤسسات ، وكان من الضروري تفعيل هذا الحديث النبوي لإحداث الاستقرار والتماسك للدولة الناشئة ، ولم تعرف تلك الدولة تداول السلطة ن بل أنها في أحيان كثيرة لم تعرف العدل بقدر ما عرفت الظلم.

كانت روما منذ قرون متطاولة قد قسمت شعبها مئات سميت بمجالس مئوية هي كل الشعب ، وهي التي تختار كبار المتنفذين ، وتنظر في الإجراءات التي يعرضها عليها الموظفون أو مجلس الشيوخ لتجيزها أو ترفضها ، كما تنظر فيما يرفع إليها من استئناف الأحكام ، وتنظر في جميع قضايا الإعدام ، وتعلن الحرب ، وتعقد الصلح.

وفي عام 454 م بناء على رغبة الشعب أرسل مجلس الشيوخ إلى بلاد اليونان لجنة من ثلاثين حكيماً لدراسة شرائع صولونSOLON وغيره وكتابة تقرير عنها ، ومن ثم تم تشكيل لجنة من عشرة حكماء للخروج بما جاء به الثلاثين ، لوضع قانون لروما " دستور " وتم تخويلهم لمدة سنتين للإنتهاء من وضع القانون ، الذي تم تدوينه على اثنى عشر لوحاً (ذائعة الصيت) وافقت عليها الجمعية بعد تعديلات ، و تم عرضها في السوق للناس ليعرفوا حقوقهم وواجباتهم. وكان هذا أول دستور في تاريخ الإنسانية.

أما في دولة الراشدين فكان الحكم يقوم كما قال أبو بكر على الكتاب والسـُنة ، رغم أن الكتاب كان مفرقاً بين الصحابة في الأكتاف والعظم والعسيب ولم يتم جمعه بعد في مصحف واحد ، ورغم أن الحديث لم يكن بدوره حتى مسموحاً بتدوينه ، وكانت نصوصه غير معلومة لجميع أفراد الأمة وكذلك القرآن ، فكيف كان يتم حكم تلك الدولة بالكتاب والسنة وهما غير مدونين وغير معلومين من الأمة محل تطبيق هذه القوانين؟ ناهيك عن واضعي الأحاديث المحترفين وأصحاب الفتاوى وكلها كانت تصب لصالح حلف الفقيه والسلطان. والملحوظ أن المواطن لم يطالب بحقوقه من حرية ومساواة وعدل وأمن بقانون وآليات لتنفيذه وحمايته ، ولم تسع الدولة من جانبها لتوضيح تلك الحقوق له كما فعل الرومان.

وإذا كانوا سيستدعون لنا تلك الدولة النموذج ليحكمونا بها فليقولوا لنا كيف يقام العدل وتتم المساواة والحرية التي يؤكدون أنها أسس دولتهم الإسلامية؟

كيف قامت عدالة دون قانون منشور معلن يعرفه الناس ليحكموا به؟

لو كان هناك قانون مدوناً ما عاد أبو بكر إلى حديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" رداً على فاطمة بنت النبي عندما طلبت ميراثها وفوجئت لأنها لا تعلم من أبيها أخص خصائها ، ما كان وحده من سيتذكر هذا الحديث أو يعتمد على الذاكرة ، بهذا المعنى تكون الدولة دولة طواريء طوال الوقت ، كلما أردت اتخاذ خطوة أخرجوا لك حديثاً لم يكن معلوماً من قبل ، دولة القانون حتى لو كانت دولة الكتاب والسنة فلابد أن تعرف الرعية حقوقها وواجباتها حتى لا تخالف القانون ، وتقف أنت عند محاكمتك بين صحابي يدينك بحديث وبين آخر يجرمك بآخر وبين فتوى تهدر دمك.

إن الظلم هو خالق العدالة لأنها لو وجدت لاختفى ، والظلم كالجرم هو خروج على القانون. ولابد أن يطلع المواطن على القانون لأنه كان نسبياً بين بلد وآخر ، يعني عندما أتزوج أربع نساء في السعودية ليست جريمة ولو عملتها في فرنسا جريمة ، فالقانون هو ما يوضح الجرم للناس ويشرحه لهم. عندما تضع يافطة ممنوع الانتظار فمعنى ذلك أن تظهر المخالفات ، لو رفعنا اليافطة لن تكون هناك مخالفات ، فالقانون هو ما يحدد الجرم بل هو ما يخلقه جرماً ، لأنه يحرم أفعالاً لن أستطيع تمييزها إن لم أعرف القانون. وهنا يحدثوننا عن عدل عمر والقانون غير معروض ، وهو ما سوغ لعمر قتل رجل فاستوى الظلم مع العدل.

ومن بعد عندما تم السماح بتدوين الحديث وجمعه حدثت كارثة الحديث الحاصل على درجات ، فهذا جيد جداً سنده قوي ، وهذا حصل على درجة مقبول لأن سنده ضعيف ،كيف يكون القانون هنا ؟ وما هو بالضبط؟

أما المثير للانتباه أن جامعي الحديث لم تكلفهم الدولة بذلك عبر تاريخها المتطاول إنما قام به من قام متطوعاً لوجه الله. مجرد تذكير ، إن الآية التي جاءت في قتل عمر للمتقاضي إليه لابد أن نفهم أنها كانت تبريراً له لمكانته خاصة في الإسلام ومن نبي الإسلام ، وليست تشريعاً ، وإلا وجب قتل الأعراب الذين قالوا آمنا وهم مسلمون فقط لم يرتقوا إلى رتبة المؤمنين بعد.

كيف كان لقاض أن يحكم بالكتاب والسنة زمن الراشدين ولم تكن معه نسخة من الكتاب ومن السنة ؟ في هذه الحال أن يجتهد رأيه وهو ما قاله النبي لمعاذ بن جبل سفيرا إلى اليمن ، يعني كل واحد واجتهاده وكل واحد ورأيه فهل هكذا سيحكمونا عندما يركبوا مصر ؟ كل واحد حسب ظروفه ؟!

الملحوظة التي تؤكد ذلك أنه تم قتل أكثر من سبعين من أسرة النبي الأقربين ، ودخل الصحابة قتالاً قتلوا فيهم بعضهم بعضاً بالألوف من كربلاء وحتى وقعة الحرة المخزية وحتى ضرب الكعبة بالمنجنيق وحرقها ، يؤكد هذا الخوارج الذين رفضوا التحكيم ، يؤكد هذا أطراف معركة الجمل ، كل طرف دوماً كان يتحدث لصالح قضيته بالقرآن والسنة ، وكل طرف ومعه الوضاعين يخترعون له الحديث ، ولم يتحدثا سياسة صريحة ولو كان هناك قانون من القرآن والسـُنة مدوناً لرجعوا إليه في وقعة الجمل أو في مقتل عثمان ، ولكان كل شيء قد سار بسلام إلى نتائجه وفق ترتيب قانوني واضح غير ملتبس.

إن دولة الراشدين لم تعش حتى السبعين من عمرها وسقطت ، واكتظت بأخبار الفظائع الدموية لأنها لم تكن دولة مؤسسات إنما ائتلاف قبلي لم يتمتع بعد بمؤهلات الدولة المؤسسية وهيئاتها التمثيلية ونظمها المحاسبية وهيئات المتابعة الرقابية والقضائية وهيئاتها التنفيذية التي تضمن سيادة القانون وتحميه لتحقيق العدالة والمساواة.

هذا ما يريدون أن يأخذوننا إليه حيث واحة الديمقراطية والعدل ، غير مدركين أننا نحب ديننا ونحترمه ، لكننا نعلم أن منه كثير مما كان يخص زمنه وظرفه الاجتماعي وبيئته الجغرافية وواقعه التاريخي وقيمه وأساليبه ، وأن علمنا هذا لا يقلل من حبنا واحترامنا لديننا ، لكنه فهم يتركنا بسلام مع حاضرنا نتفاعل معه بلغته من أجل ديمقراطية حقوقية كاملة ، يوضع حجر الأساس لة بالإصلاح هذه الأيام ويجب ن يحضر احتفاليته جميع المصريين ، ليبنوا المستقبل معاً.

نشرت فى روز اليوسف

الجهاد ضد المسلمين !

عبارة "الجهاد في سبيل الله أسمى أمانينا" هي الشعار المرفوع اليوم رمزاً للمسلمين أمام العالم المتقدم الحر ، وتحت هذا الشعار يتخلى المسلمون عن واجب السعي لتحصيل العلم ومشاركة البشرية في إعمار حضارتها وإثرائها ويتركون هذا العمل لمن يسمونهم بالكفار.

كان مفهوماً أن يصاحب شعار الجهاد المسلمين الأوائل طوال عصر الفتوحات ، وكان مفهوماً وإن لم يكن مقبولاً قيام الفقه الإسلامي بتنظيم قواعد الجهاد وتقنينها من حيث نسب توزيع الغنائم والفيء والمملتكات الخاصة بالمهزوم المفتوح ، مع وضع قواعد لتنظيم الجباية وطرقها من زكاة إلى جزية إلى فدية لتوضع في بيت المال تحت سلطة الخليفة الذي يقوم بالتوزيع طبقاً للشريعة على العرب وحدهم ، لأن أبناء الأمم المغلوبة كانوا هم الغنيمة بشراً ومالاً ومتاعاً ، كانوا هم من يدفعون.

لقد فشل الجهاد اليوم عند استدعائه من قبل الصحوة الإسلامية ليضرب بني وطنه وملته سلباً ونهباً وقتلاً بعد أن لم تعد للجهاد أهداف واضحة تطلب التحقيق كما كان في الزمن الماضي في فتوح البلدان أو نشر إسلام بالقوة المسلحة ، وهو ما انحرف بهذا الجهاد بسرعة ليتحول إلى حروب مافيا عصابية وعمليات سطو مسلح.

يتساءلون عن الهجمة الأميركية ، أو بالأحرى الدولية على بلادنا ، دون أن يتبادلوا المواقع ليرونا وقد رفعنا راية الجهاد الذي يقتل بلا تمييز ويقطع الرقاب باسم الله ويذبح الأبرياء ويفجر المصلين الأتقياء ، ويدمر في أميركا وأسبانيا والهند وروسيا والسعودية ومصر والعراق.

قتال يقوم على كراهية المختلف عنا في العقيدة وقتله ، قتال موصوم بالنهب وهتك العرض وفرض الجزية واحتلال الأرض استيطانياً وتوطين العرب في البلاد المفتوحة وتبديل الدين واللغة..

ترى من سيسمح لنا أو للعالم بالعودة إلى ذلك الزمان؟

السؤال شديد البساطة والإجابة أبسط ، لأن العيب والمصيبة هي في القانون والتشريع الذي يشرع كل هذا ، لأن قوانين اليوم ليس فيها حر وعبد ، ولا مولى وسيد قرشي ، ولا رجل وامرأة ، ولا مسلم وذمي ، وهو وإن اعترفنا به كجزء من إسلامنا لا نستطيع إنكاره ، فإنه كان يليق بزمانه لا بزماننا ، لأن من يفعل ذلك اليوم لم يرتق بعد رتبة الإنسان ، ولا شك أن قانوننا هذا يفسر لنا سر حرصهم على التفوق العلمي والتسليحي حتى لا يكون مصيرهم كما كان مصير مصر أو فلسطين أو العراق بعد الفتوح.

إن سادتنا المشايخ بإصرارهم على التحالف مع الميليشيات العسكرية الإسلامية الدولية يصرون على إعادتنا إلى القرن السابع الميلادي ، إلى زمن القوة والبطولة العربية ، يمسحون وعي شبابنا عبر كل الوسائل المتاحة إعلاماً وتعليماً تحت نظر السلطات ، وبعد أن يكثر هؤلاء الشباب ليرفعوا السلاح في وجه وطنهم نحاربهم ونحاكمهم ونقلتهم!

ترى من القاتل الحقيقي؟

إن العالم المتحضر لن يمانع في عودتنا إلى أي قرن نشاء ، لكن شريطة ألا نتسبب بالضرر لحضارته وقيمه وتقدمه. وبإمكان هذا العالم مساعدتنا على العودة السريعة إلى زمننا المجيد لنعيش أيام السلف كما كانوا في القرن السابع. بإمكان هذا العالم المتحضر أن يمنع عنا علومه ومنتجاته ، أن يمنع المطابع لنعود للكتابة على سعف النخل ، وأن يمنع عنا التلفزيون لنتسلى بالحديث الحميم. إن ما لدينا من بنية أساسية ، من مواصلات ، مصانع ، محطات مياه ومصارف مجارٍ ، وجسور ، ومخابز ، ومحطات كهرباء ، وسكك حديدية ، يمكن للغرب القضاء عليها في أسابيع بكروز وأخواته وتوماهوك ورفاقه والقنبلة الذكية وبقية الأسرة الكريمة.

بإمكانه أن يحقق لنا الأمنية وأن يعيدنا إلى عصر الأجداد.. أو إلى زمن الكهوف ، وأن يحصرنا زماناً ومكاناً ليتقي شرنا ، وهو مع ما يتحقق اليوم من مستحيلات ، بإمكانه أيضاً أن يتحقق إن فشلت المساعي العالمية في تطوير شأننا ، وإن فشلنا نحن في مساعدة أنفسنا.

نشرت فى الاتحاد الاماراتية

الحكومة المدنية الإسلامية

أخيرا وبعد طول انتظار !!

أكد الدكتور عصام العريان في وفد 12/4/2005 أنه "ليس في منهاج الإخوان إقامة دولة دينية أو حكومة دينية ، بل منهجهم يقوم على إقامة حكومة ودولة مدنية ، يتساوون فيها الحقوق والواجبات التي يضمنها الدستور ومرجعيتها الإسلام الذي هو عقيدة الأغلبية وثقافة وتراث وحضارة الجميع.. يقولون بسلطة الأمة في تولية من تشاء وعزلة متى أرادات في انتخابات دورية نزيهة".

يقول أيضا في حوار على شبكة شفاف "ما نتفق عليه نحن الإخوان هو أن الشعب من حقه أن يولي الحاكم وأن يحاسبه وان يعزله لفترات محددة ، وفصل السلطات الثلاثة في الدولة : التشريعية والقضائية والتنفيذية ،.. وأن حقوق الأفراد مكفولة بحكم الدستور.. وأن البناء الديمقراطي الإسلامي في الدولة الإسلامية يخضع لثقافة هذه المجتمعات الإسلامية.. لأن هناك سقفا لهذا المجتمع ، وثقافتة وشريعية الإسلامية هي التي يتحكم إليها ويحترمها كل أفراد المجتمع بما فيهم المسيحيين لأنها شريعة محترمة.

أي لابد من وجود سقف لما هو الحلال والحرام في الدين وما هو الصواب والخطأ في القانون ، وهذا السقف.. يحدده الدستور ، وأن رئيس الدولة له صلاحيات محددة حسبما يتفق عليه الناس..".

هذا الحديث لشخص واحد وليس لأكثر من شخص ، وهو قيادي معلوم الشأن في جماعة الإخوان التي تهتز فرائض بعضهم له عندما تصيبة العصبية معلومة الشأن أيضا. ورغم أن الشخص واحد فإنه يحمل فيما قال من متناقضات ما يؤكد لنا أن الإخوان أبدا لا يقولون حقا ولا يعرفون صدقا وأن النوايا غير الطوايا وأن الطوايا غير الخفايا وأن المعلن غير المعلن ،وأن المعلن يحمل تناقضات تحملها النوايا والطوايا الخفايا ، وإذا كان المعلن كما سنثبت الآن يحمل شرا مستطيرا للدين وللوطن ، فما بالك وما هالك ، لو اطلعت على البواطن الخفية؟

يقول العريان ليس في منهاج الإخوان إقامة دولة دينية لا حكومة دينية ، ثم هو نفسه وليس أحدا غيره يقول "إن البناء الديمقراطي الإسلامي في الدولة الإسلامية يخضع لثقافة هذه المجتمعات الإسلامية" فهل يا ترى أن الدولة الدينية والتي لا يريدون إقامتها لأنها (وحشه) تختلف عن الدولة الإسلامية التي يريدون إقامتها ؟ ماذا يكمن في أوكار الإخوان إذن؟

يتحدث العريان عن منهجهم في إقامة دولة مدنية تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات مرجعيتها الإسلام الذي هو حضارة جميع المصريين؟ إن العريان بما يقول هنا قد خرج ليس فقط من جماعة الإخوان بل أعلن العصيان على الإسلام. لأن المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم أمر لا تعرفه الشريعة الإسلامية ، إنما تعرف المراتب والمنازل حفظا لقيم المجتمع ، ففيها السيد العربي وفيها المسلم المولي ، ولا يجوز شرعا المساواة بينهما ، وفيها السيد المسلم وفيها الذمي ، ولا يجوز شرعا المساواة بينهما ، وفيها السيد الرجل وتابعته محل متعته المرأة ، ولا يجوز شرعا المساواة بينهما ، وفيها السيد والعبد والسيد والأمة ولا يجوز شرعا المساواة بينهما ، ولكل من أطراف هذه المعادلة حقوق غير الآخر وواجبات غير الآخر ، بل أن السيد دوما كان هو صاحب الحقوق وغيره لا حقوق له. إن دولة الشريعة لا تساوي أبدا بين المواطنين ومن يقول بغير ذلك فقد أنكر معلوما من الدين بالضرورة ،... ها قد جاء الزمان وتقلبت بالإخوان انتهازيتهم لنقول لهم ما كانوا يقولونه لنا.

بل أن المسلم العادي الحر في دولة الشريعة ليس له أيه حقوق إزاء السادة ، هي دولة من له كل الحقوق وليس عليه أي واجبات ، ومن عليه كل الواجبات وليس له أي حقوق ، لأنها دولة جباية ريعية ، وهذا هو طبعها التاريخي في كل دول العالم القديم.

إن الفرد المسلم ليس له أن يطلب من الحكام سوى العدل حسب المنازل الاجتماعية وأن يطلب من المشايخ الفتوى ، أما عدا ذلك فهو ملزم بالأمر الواضح غير الملتبس "إذا استعنت فاستعن بالله ، وإذا سألت فاسأل الله" فالفرد المسلم عليه واجبات للسادة ، وعليه محظورات وعليه حدود إن تخطاها عوقب بالشريعة. لكنه ليس له أي حقوق لأن حقوقه عند الله أما حقوق الحاكم من جزيه وفيىء وصدقات فعلية أداؤها فهي مطلوبة منه وليس من الله. فكل حقوق المسلم وحاجاته يطلبها من الله لا من الحاكم ولا من الفقية ، نص الحديث يستطرد : "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواة الترمزي صحيح حسن.

إذن حقوق المسلم في دولة الشريعة الإخوانية وحاجاته لا يطلبها من الحكومة إنما من الله ، وإن ما يقع عليه من ظلم وجور واضطهاد وانعدام مساواة وانعدام عدالة وطغيان واستبداد كله من عند الله لأنهم ما استطاعوا ضرك إلا بإذنه ؟ فعلى المسلمين قبول الضرر والأذى لكن عليهم دفع الزكاة والخراج، وحقوقك إن شاء الله عند الله. فكيف ستتساوى الحقوق في الدولة الإسلامية المدنية غير الدينية عند الإخوان؟

أن التساوي عند العريان هو خضوع الجميع على قدم المساواة في الخضوع ، فهو يخضعنا سلفا وبافتراض غير قابل للنقاش أن الإسلام هو المرجعية للدولة لأنه عقيدة الأغلبية كذلك هو حضارة الجميع مسلم وغير مسلم؟! ولا يلتفت العريان إلى استخدامه لمفردات باطلة لا معنى لها مطلقا ، مفترضا لها معنى يفرضه علينا ، كقوله إن الإسلام حضارة الجميع" ، لأن الإسلام ليس بحضارة فالحضارة منجز الإنسان ، أم الإسلام فهو منجز سماوي ، و في مسألة الأقلية والأغلبية ، فهذا هو الظلم عينه وانعدام المساواة الكامل ، بل إن دول الغرب الحر اليوم تتحسس مسألة الأقلية بشده وتبالغ في تكريمها وإعطائها حقوقا تفوق حقوق الأكثرية.

المساواة إذن بخضوعنا مسلمين ومسيحيين وشيعه وملحدين لذات الشريعة ، الشريعة التي تفرق ليس بين المسلم وغير المسلم فقط ، إنما بين المسلم والمسلم حسب المراتب الاجتماعية التي قننها ونفذها عمر بن الخطاب في توزيع الخراج والفيئ والسبايا حسب منازل العرب.

المساواة ستتم تحت ما يقول أنه "سقف هذا المجتمع.. شريعة الإسلامية التي يحتكم إليها كل أفراد المجتمع بما فيهم المسيحيين لأنها شريعة محترمة".!!

المساواة الأخوانية تطلب خضوع المسيحيين للشريعة الإسلامية لأنها شريعة محترمة (؟!). وماذا عن الشريعة المسيحية ، وماذا عن غيرها من الشرائع ، هل كلها غير محترمة؟

وماذا عن شريعة القانون الوضعي؟

إنه يهين نصف الوطن ويترفع عليه بشريعته المحترمة التي تبرر له السيادة على الجميع ، فيتساوى الجميع في الدولة الإسلامية المدنية !!

ولا يعبر على المسلم هينا قول عريان "إن الشعب من حقه أن يولي الحاكم وأن يحاسبه وأن يعزله" ثم يتذكر أنه ليس في الإسلام عزل للحاكم فيستطرد موضحا أن هذا العزل "لفترات محددة" يعني عزل تأديبي لمدة محددة يعود بعدها الحاكم ليحكم ؟

أي نظام هذا؟

ومتى حدث في تاريخ الإسلام؟

ومتى حدث أن قام الشعب بتولية الحاكم؟

إن النموذج الراشدي نفسه يقول أن العرب لم يحضورا بيعة أبي بكر ولم يوافقوا عليها ، فشن عليهم أبو بكر حروب الردة ، ورفض الموافقة على هذه البيعة كبار الصحابة مثل علي والزبير العباسي وغيرهم الذين اجتمعوا في بيت فاطمة فأمر أبو بكر عمرا أن يأتي بهم ليبايعوا ويعلنوا موافقتهم وقال له "إن أبوا فقاتلهم وحتى يخرجهم أخذ نار ليشعل عليهم البيت. هكذا كان ترشيح أول خليفة وهكذا كانت بيعته؟ وهو من رشح عمر من بعده وليس الشعب ، ومن عارض تم قتله حتى لو كان صحابيا جليلا مثل سعد بن عبادة ، وعمر هو من رشح ستة من بعدة بشروط كانت لابد أن تفضي إلى خلافة عثمان ولم يكن الشعب حاضرا للمرة الثالثة.. ولم يحضر بعدها أبدا إلا لقتل الخليفة عثمان.

وفي دولة الشريعة تم قتل الخلفاء الراشدين الأربعة بما فيهم أبي بكر في معظم الروايات التي تؤكد موته بالسم شهيدا ، ولا تعلم كيف يقتل الراشدين العادلين؟ بعدلهم؟!

تعالوا نتذكر كيف حكم الراشدون وهم القدوة العليا للإخوان لنعلم كيف سيحكمنا الإخوان لا قدر الله.

قامت دولة الراشدين على سلطة ضميرهم كصحابة ، وكانت هذه السلطة هي العمود الرئيسي لخلافتهم وأيضا للدولة. فلم يكن عندهم أي خبرات إدارية ولا سياسية ولا تنظيمية ولا رقابية ولا تشريعية بعد انقطاع الوحي.

قامت الدولة على بركة الله وبركة المبشرين بالجنة لذلك لم تتمكن من حماية حكامها ، حتى تقاتل الصحابة صراعا على السلطان؟ دون أن يستطيع أحدنا لومهم وهم أهل الجنة بقرار سماوي.

فهل إخواننا الإخوان يصلحون لنا صلاحية الراشدين لزمانهم؟

هل يصونون لنا أرواحنا عندما يحكمون اعتمادا على سلطة الضمير؟

لأنهم حتى يحكموا إسلاميا سيحكموا بالشريعة كما أكد عريان من هنيهة ، وهو ما يحيل إلى سلطة الضمير التي انتهت بانتهاء الصحابة ، ولا يستطيع أحدنا اليوم أن يزعم امتلاكها.

فهل يرى عريان نفسه كفؤا لأبي بكر أو عمر أو حتى عثمان؟

وهلا يتذكر عريان أن دولة السلف الصالح التي يحلمون بها لم تستمر سوى ستة عقود فما أن ذهب الصحابة حتى ذهبت معهم دولتهم؟ لأنها كانت قائمة على ضمير مبرر بصحبة الرسول وتأدبهم بأدبه ، وبذهابهم ذهبت معهم سلطة الصحابة وسلطة الضمير.

إنهم يسمونها دولة وما كانت بدولة.

الدولة لها آليات كانت تعرفها شعوب الحضارات حول الجزيرة من حدود جغرافية إلى هوية تاريخية ومجتمعية إلى قانون ونظام حكم وموارد ثابتة واقتصاد متين لا يعتمد على منتجات الحرب من جزية أو بيع بشر.

كانت دولة المدينة اتحادا فيدرالي للقبائل حرفتها جميعا الكر والفر ومهاجمة القوافل والدول الغنية المجاورة بالفتوحات. ولغياب آليات الدولة لإدارة هذه الرقعة الشاسعة تفككت الدولة وانتهت بمقتل جميع من حكمها.

فإذا قال الإخوان إنهم يريدون هذا الشكل من الحكم فإننا نرفضهم فورا لأننا لسنا في حاجة إلى إعادة مرارة التجربة الأولى التي هي درس لنا للعظة ، وأن قالوا بالمساواة بين المواطنين وبالقانون وبالدستور وبهياكل إدارة الدولة ، فكله قول لا علاقة له بالإسلام ، وعليهم إعادة تسمية جماعتهم بما يوافق ما يطلقونه هذه الأيام من مفاهيم واصطلاحات محدثه مبتدعة إنسانية الصنع ، لا علاقة لها بأي دين من الأديان.

أما ثالثة الأثافى في قول العريان فهي إيمان الإخوان بفصل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية ، رغم أن المعلوم سنة عن رسول الله أنه قد جمع في يدية جميع السلطات فكان هو المشرع وهو القاضي وهو المنفذ وهو قائد الجيوش وهو من يوزع الأموال التي تأتي بها الغزوات ، بيده كل شأن تقريبا إلا في حالات شواذ نوادر قال فيها المسلم رأيا لخبرته فيه فتم الأخذ به.

وعلى سنة الرسول سار الهداة الراشدون المهديون النعل حذوا النعل ، فمن أين آتى العريان للدولة الإسلامية بهذا التقسيم الكفري لينسبه للإسلام زورا وبهتان.

وفي هذه الدولة المنتظر قيامها على يد الإخوان ضرورة تلازم وجود الفتوى إلى جوار القانون ، أو قل هي صائغة القانون وصانعته ، فهو يقول "لابد من وجود سقف لما هو الحلال وما هو الحرام في الدين ، وما هو الصواب وما هو الخطأ في القانون" ، ومادامت الدولة إسلامية فسيتم قياس القانون على النموذج الديني التشريعي ، وهو ما صرحت به مبادرتهم التي يعتبرونها برنامجهم ، وهو ما يعني في النهاية أن تكون السلطة بيد من يفتي ، أي بيد رجل دين ، أي دولة ثيوقراطية كاملة المواصفات بينما ينكر العريان أنهم يريدون ذلك حقا؟

إذن فماذا يريدون بالضبط؟

ما هو القول الواضح بين كل هذا؟

وأين غير المسلم هنا؟ وما هو مصيره؟

وهل تنازل الإخوان عن مشروعهم الطموح لإقامة دولة الخلافة العظمى باتحادهم العالمي واهدافه العلنية؟

ثم ترى ما هو مصير المعارضة ؟ أعتقد أنهم سيعملون بالحديث النبوي كمصدر تشريع ، النبي قال بفرقة واحدة ليس أكثر ، ليس هناك فرقتين ناجيتين ، يعني لا معارضة ؟! يعني عندما يكون الإخوان خارج الحكم يكون لهم حق المعارضة باسم الإسلام ، وعندما يحكمونا لا قدر الله لن يكون لنا حق المعارضة باسم الإسلام لأنهم وحدهم الفرقة الناجية في الحالتين. وحتى لا يبدوا الرجل كذوبا على طول الخط فقد نمق الكلام ليقدم اعترافا غامضا غير فصيح فهو لا يريد اعترافا صادقا محترما ، بما حدث في تاريخ المسلمين من أهوال ومظالم كارثية يقول "إن الفكر الإسلامي لم يعرف مفهوم الدولة الدينية رغم ما شاب التاريخ الإسلامي من مخالفات ، وهناك مخالفات لا يستطيع أحد أن ينكرها ، ولكن هذه المخالفات كان يتصدى لها علماء الدين الإسلامي".

إن موقف العريان هنا يعري كل الإخوان من المصداقية والضمير الحي الصاحي الذي من صفاته إن علم بالظلم والكوارث فإنه يعلن بوضوح علمه بها ولا يخفيها ولا يخفف منها ولا يزوقها ولا يبررها ، إن الضمير الحي للسياسي المحترم يجب أن يكون واضح مباشرا صادقا حتى الصدمة ، معترفا باخطأ كاملا محملا أياه أصحابه ونظرياتهم القديمة في الحكم ، أو محملا أياه للزمن القديم كله ولكل البشر في أزمان الاستبداد ، حتى نطمئن أنه قد غادر هذه المرحلة وهذا الفكر وذلك المكان إلى موقع جديد ، لكنه لا يطمئننا بل يزيد شكنا رسوخا وتأكيدا ، لأن التاريخ الإسلامي عندة لم تشبه مخالفات ، فما يشوب الشيء يحتمل معنى الاستثناء ، بينما كوارث واستبداد التاريخ الإسلامي لم تكن شائبة مؤقتة فيه ، إنما كانت هي القاعدة منذ فجره الأول.

وفي استثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة تجرأ بعض عمال الخلافة يطلب التخفيف في الجباية عن الناس ، وما سلموا عندها على الأقل من السب والترويع. لكنهم يجعلون هذه الاستثناءات هي القاعدة مما يشير إلى ضمير مخروم ومعطوب وغير حي ، وهو عدم ذكاء راهنت عليه كثيرا في افتضاح شأن المتاجرين بالإسلام.. بأيديهم.

أنظره يقول : "ولم يحكم أحد من الحكام المسلمين بمقتضى ما يسمى الحق الإلهي مطلقا". هكذا "مطلقا".

إذن كيف نصدقهم؟

ماذا عن قميص عثمان الذي ألبسه له الله؟

وماذا عن المنصور وأنا الله والله أنا

وماذا عن بيت المال الذي كان الخليفة عليه قفلا الهيا أن شاء فتحه وإن شاء قفلة

وماذا عن كثير يؤكد غير ما يقول العريان ، فهلا يعلم العريان؟ إن كان لا يعلم فلا يصح له أن يكون من الأخوان المسلمين ، وإن كان يعلم فهو يكذب علنا ويزور علنا لصالح دولته الإسلامية زيفا غير نظيف.

أما النكتة الحقيقية فهي أن رجال الدين كانوا يتصدون للحكام من أجل عيون الرعية وهو ما لم يعرفه ليس فقط تاريخ الإسلام ، بل ولا تاريخ أي دين من الأديان ، لأن رجال الدين كانوا الحليف الأسوأ للاستبداد عبر التاريخ.

وفي دولته المدنية الإسلامية المرتقبة يبشر العريان الأقباط بقوله : "إن ضمان حقوق الأقباط سيكون في ظل الإسلام أكثر من عدم الالتزام بالإسلام". لكنه أيضا يعترف أن سيادة المسلمين وشريعتهم ستحدث خلافات ، والحل عنده في "سيادة ثقافة التسامح"، يعني يتسامح المسيحيون مع المسلمين السادة ، ولهم الصبر والسلوان.

أما الدليل عنده على تسامح المسلمين الحكام طوال العصر الماضي مع الأقباط ، فهو أن "الأقباط يبلغون اليوم نحو 13 مليون نسمة ، فلو كان الإسلام يضطهد المسيحيين لكانت الآن مصر جميعها من المسلمين لإسلام المسيحيين أو لهجرتهم".

أنظر إلى البرهان الساطع : المسيحيين عددهم النهاردة 13 مليون ، يعني لم تتم إبادتهم فالاضطهاد هو الإبادة وغير ذلك ليس اضطهادا.

هذا بينما عندما يكون الحديث عن الحقوق فإن هذا العدد يهبط هبوطا حادا اضطراريا فيقول فهمي هويدي : "وأكثر نسبة من المسيحيين في مصر. التي اصدرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في أبريل 1987 وتشير إلى أن عددهم مليونان و 830 ألف / جدول 4 / ص 13" يعني لو مارسوا الجماع ليل نهار لوصلوا اليوم لأربعة ملايين على الأكثر؟ واحد سماوي (من السم) وواحد يرى عدم الاضطهاد هو عدم الإبادة الشاملة. ألا تصابون بالفجيعة إزاء هؤلاء؟

يقول العريان بالمساواة الثابتة لشريعته ودينه وتاريخيه ، ثم يقول بمسلم سيد على مسيحي بالضرورة ، رغم أن المساواة كمبدا لا تستقطها العنصرية الدينية والعرقية ولا اللون ولا الملة ولا أي صفة مميزة. بينما العريان لا يفترض ضمن مبدأ المساواة وقبوله بالتعددية إقامة حزب قبطي يمكنه أن ينجح وأن يحكم ، فهو يقول : "إن هذا افتراض خيالي في بلد مثل مصر ، لأنه في ظل الدستور والقانون سيكون ذلك ضربا من الخيال ، فإذا تولى حزب إسلامي السلطة في ظل دستور يحكم بمقتضى الشريعة الإسلامية ، فكيف يأتي بعده حزب قبطي سيلغي هذا الدستور ، فالدستور سيكون إسلاميا وبالتالي لن يستطيع الحزب القبطي تولي السلطة إلا إذا ترك الناس الإسلام". أومع تمديد المنطق لمنتهاه "إذا ترك المسيحيون دينهم إلى الإسلام؟"

العريان يفترض سلفا مسلمة مطلقة أن مواد الدستور الدينية لن تتغير وسيظل دستورا دينيا ، لأن ذلك هو المدخل للإخوان وأشباههم دوما إلى استخدام الدين في صراع السلطة ، لكن الإخوان مع تغيير مواد الدستور المتعلقة برئيس الجمهورية كي يستطيعوا المنافسة على الحكم ، وأما أين الدين الذي يزعمون أنهم رعاته وسندته من هذا كله ؟ إبحث واخبرني.

الدستور يجب أن يكون إسلاميا ويسمح لهم بإقامة حزب على أساس ديني ولا يسمح لفريق آخر من المواطنين بإقامة حزب ديني ، أرأيتم المساواة في دولة الإخوان المدنية الإسلامية ؟ هذا بينما أبسط مظاهر المساواة هي عدم تحيز الدستور إلى أي فئة من فئات المجتمع ولا لجماعة ولا لملة ولا لدين ولا لمذهب ولا لعرق حتى لا يخلق لأحدها ميزة تفضلها على باقي مكونات المجتمع.

هذا بعض ما قال العريان وهناك البعض مازال يستحق المناقشة لنعرف إلى أين يأخذنا الإخوان.

elqemany@yahoo.com

نشرت فى روز اليوسف

البحث عن الإصلاح

إن نظرة المسلمين لأنفسهم وللعالم وكيف يتخذون القرارات المصيرية وكيف يمارسون حياتهم وما هي فنونهم وطقوسهم وكرنفالاتهم ، كلها يتم تحديدها بتأثير الدعاية الإسلامية المسيطرة إعلاماً وتعليماً. وبتأثير الصوت الديني يصطدم المسلمون بمشكلات مستعصية على الحل.

فالمسلمون يعترفون شعوباً وحكومات بأن لديهم شيئاً ما خاطئاً وخطرا وفاسدا ، أدى إلى انحطاطهم وتخلفهم لحد الازدراء والتحقير. وقد شاهد المسلمون التفوق والتقدم والعلم والارتقاء والحريات وحقوق الإنسان في الغرب ، وعاينوها ولامسوها وعاشوا نعيمها في بلاد المسلمين باستيراد منتج تلك البلاد المتفوقة ، وأيضاً اكتووا بنار تلك البلاد العسكري. عرف المسلمون أن الحريات وحقوق الإنسان المواطن الفرد تنجز علماً نافعاً وتؤدي إلى رفعة الأمم وقوتها.

إذن عرفنا السبب وأصبح واضحاً, ولا يبقى سوى أن نفعل فعلهم كما فعلت ألمانيا وإيطاليا واليابان وتركيا وكوريا... إلخ ، ورغم دخول هذه الدول الحداثة الحقوقية متأخرة فإنها بلغت ما أرادت.

هنا يقف المسلم مع ثقافته وهي تتضارب حتماً مع الحداثة الحقوقية ، كحق النقد لأي شأن كان وحق الاعتقاد من عدمه وحق المرأة بالمساواة القانونية في الأهلية للإنسانية الكاملة وكلها ، متضاربة مع شريعتنا. ومع هذين المدركين لا يتم الربط العلمي بين الأسباب لكلا المنطلقين وما حققه من نتائج ، لأنه مع التناقض يتوقف العقل عن اتخاذ القرار ويفسح المجال للوجدان لاتخاذ هذا القرار ليعود للتفكير ، ولكن بشروط الوجدان ، وبشروط الإيمان ، فيبدأ البحث عن إنجاز خاص يرضي الحس الديني والذائقة العربية الإسلامية ، بالمزج بين ما لا يمتزج ، بين الإلهي والبشري ، بين القديم والمحدث.

ربما أيضاً بالإصرار على مواطنة مبادئ الحريات ، أي أنها إنتاج وطني عربي إسلامي ، أو يجب أن تكون كذلك ، وغير ذلك خيانة وطنية ودينية ، فأي إصلاح غير خائن يجب أن نتوافق نحن عليه من الداخل بأيدينا لا بأيدي العم سام ، حتى لا يأتينا مستورداً أو مفروضاً علينا ، وهو ما طالب به صاحب هذا القلم وحذر منذ سنوات في مؤلفاته المنشورة ، فكان نصيبه التكفير والتخوين والمحاكمة. وها هم يعودون لما قلنا ، لكنهم يختصرون الطريق عبر "حواري" فرعية أصبحت متاهة. وكله لا سبب له سوى فرض ثقافتنا العزيزة في عملية الإصلاح ، ولا تفهم كيف يُصلح ما كان السبب في التخلف والفساد؟

وبهذا الشأن تقدم دفاعيات عن ثقافتنا تثير الرثاء ، ويكررون الأقوال المأثورة التي لا يزيد عددها على عدد أصابع اليد الواحدة ، وهي التي اكتشفوا فيها الحريات وحقوق الإنسان في المأثور ، عندما قال العربي لأبي بكر لو أخطأت لقوّمناك بسيوفنا ، فقوّمهم بسيفه. أو ما قال عمر: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ثم استـُعبدتْ شعوب بكاملها, أو ما ورد عن مسؤوليته في يثرب لو عثرت دابة في العراق... فمات مقتولا ، دون واقع ما حدث بالفعل وليس بالقول حتى تنجح صياغة المشروع ، أو دون الالتفات للقوانين الحقوقية التمييزية بين البشر في كتب الفقه المعتمدة.

اليوم يقومون بعمل إنتاج مشترك ومشروع مدمج ، فيضيفون للدين من الحداثة ما لم يكن فيه ، فيحدثوننا عن صندوق الاقتراع وعن محاسبة ولي الأمر وعزله ، وعن المجلس التشريعي ، وكل شؤون لم يعرفها أي دين قبل أن يصنعها البشر بدمائهم وعظامهم عبر التاريخ ، لتتفتح اليوم وما كان لها أن تتفتح قبل ذلك. يضيفون للدين كلاماً لا يعرفه, كالمساواة ، بينما الفقه الإسلامي يقسم الناس منازل كما قسمهم الخليفة عمر في توزيع الفيء. يلبسون الدين مفاهيم معاصرة لم يكن لأي دين أن يعرفها ، فيخلطون خلطاً هجيناً لا يلتئم ، لأنه من المستحيل مزج المنتج البشري بالمنتج الإلهي. وتستغرقنا مهمة عبثية طوال الوقت لإثبات سبق الإسلام إلى معرفة هذه الحقوق الإنسانية الرفيعة ، حتى لا نقول إن ذلك غزواً أجنبياً وهو مشكلتنا مع الحداثة. فالغزو الأجنبي يدمر الأخلاق والقيم وخاصة الشرف. نحن نتصور أنه من لزوم ما يلزم الحداثة قبول قيم يفرزها مجتمعنا ، فنحتفظ من تراثنا بما لن يلتقي أبداً مع الحداثة عند محاولة الدمج ولا يشكل مجتمعاً حراً. نحن لا نريد أن نأخذ المبادئ الحقوقية الحداثية كما هي في بلادها ، كما لو كانت ستنتقل بعادات وتقاليد تلك الشعوب. لذلك لا نأخذ من الحقوق إلا ما اتفق مع الشرع ومنع غيرها من العبور ، رغم أن المقبول والمستبعد كلاهما من ضرورات الحداثة الحقوقية لتثمر إنجازها الحضاري.

نشرت فى الاتحاد الإماراتية

صاحب الزنج ودين الحرية؟!

عقد استاذنا (طه حسين) فصلاً في كتابه ألوان , وقارن فيه بين ثورة العبد الأبيض الاسبرطي (سبارتاكوس) ضد روما من أجل تحرير العبيد ونيل الحرية , في القرن الأول الميلادي . وبين العبد الأسود (عبد الله بن على بن محمد) الذي قاد ثورة للعبيد السود المعروفين بالزنج ضد الخلافه الاسلامية , من أجل ذات الهدف , تحرير العبيد ونيل الحرية , ولكن في بلاد العرب , وفي العراق تحديداً , حيث عاصمة الخلافة.

ومنذ طه حسين بالامس القريب تغير وجه الدنيا ، وجرت في النهر مياه كثيرة بمتغيرات عظيمة في العلم وفي الاخلاق وفي الانظمة الحقوقية وكافة الانظمة المجتمعين من اقتصاد الي سياسة , مما يتوجب معه اعادة قراءة حكاية صاحب الزنج مرة اخري , ولكن بعيون اليوم.

(الزنج) هو المصطلح العربي الدال علي عبيد الامبراطورية العربية السود , والذين كان يتم خطفهم من قبل النخاسين من ساحل افريقيا الشرقي الاقرب , وغالباً من منطقة زنجبار وتنجانيقا (تنزانيا حالياً) , وبيعهم في اسواق العرب , للقيام بالاعمال الدنيئة مثل كسح المجاري وتطهير الانهار , وغالباً ما كان للامبراطورية عبيدها بمئات الالوف للقيام بهذه الاعمال الضرورية. ومن ثم انتسب هؤلاء العبيد الي موطنهم بالاسم الذي أطلقه عليهم أسيادهم , فهم زنوج ـــ من زنجبار. وهي ذات الاحداث التي جرت مرة أخري في الولايات المتحدة الامريكية بعد قرون طويلة , لكن النخاسين كانوا يخطفون فرائسهم هذه المرة من الشاطئ الافريقي الغربي الاقرب ، من نيجيريا والنيجر , لذلك أطلقوا عليهم في امريكا الاسم الذي يشير الي أصلهم الوطني , فهم ---- (نجرو).

وكانت أفريقيا بتخلفها الفارق في ذلك الزمان وحياة شعوبها البدائية بلا دولة ولا قانون ولا حماية , هي المكان الامثل لخطف العبيد دون خشية أي عواقب. ورغم أن استعباد الانسان لأخيه الانسان جريمة كبري بحق الانسانية بعيون اليوم , فان ما حدث في تلك الحقب القديمة علي ارض الواقع في الزمن العبودي بعيداً عن منظومة القيم المعاصرة , هو أن العبودية كانت النظام الاقتصادي العالمي الامثل الذي ساهم في قيام حضارات عريقة ودفع تقدم البشرية. كان السيد المالك يقوم بتسخير عبده في العمل ويكون للعبد أدني حصة من عائد هذا العمل , بما يكفي لاستمرار الحياه وأداء المطلوب منه , والفائض هو اضافة تنموية لكنها من نصيب السيد , وليس للعبد علي السيد سوي حق الايواء والطعام والرعاية الصحية المطلوبة للشغل . ومعلوم أيضاً أن ظهور الآلة البخارية القادرة علي العمل بشكل أكفأ من العبد , قد أدي الي سقوط هذا النظام المشين بإعلان ابراهام لنكولن الامريكي ثم الحرب الاهلية التي أنهت نظام العبودية.

وكذلك من المعلوم أن نظام العبودية قد لازم الدولة العربية الاسلامية منذ ظهورها , فقوانين الجهاد الاسلامية نشطت عمليات الاستعباد , وأمدت أسواق الرقيق بالبضاعة طوال الوقت , بتحويل أبناء الشعوب الحرة المفتوحة الي سلع , بعد أن أباحت لهم قواعد الجهاد الشرعية استباحة شعوب بكاملها , والاستيلاء علي الارض بمن عليها ملكاً للعرب وورثتهم وقفا عليهم وعلي نسلهم من بعدهم , حسبما انتهي اليه الخليفة عمر بن الخطاب , بدلا من توزيع الاراضي بما عليها من بشر علي الفاتحين وتمزيقها فوقفها بمن عليها لصالح عرب الحجاز.

هذا بينما يقول لنا مشايخ اسلام اليوم , بعد استقرار مفاهيم الحرية الراقية عالمياً , ان الاسلام قد وضع في مقاصده تحرير الرقيق بتحريضه علي العتق. وانه لم يلجأ لتحريمه مرة واحدة انما لجأ للتدريج , رغم أنه لم يتدرج فيما هو أهم ، وقام بتكسير آلهة العرب أمام أعينهم دفعة واحدة. وقد مات النبي تاركاً خلفه عبيده ضمن ما ترك , كذلك كل الصحابة وكل المبشرين بالجنة ، كان عندهم عبيدهم وجواريهم , وكان الامام علي أزهدهم في الدنيا وأفقههم في الدين , ولم يترك وراءه سوي تسع عشر جارية من ملك يمينه ، وقد ذكر بن القيم في زاد الميعاد أنه كان للنبي بالاضافة الي زوجاته الثلاث عشر ، أربع سراري 10/114 . غير عبيده ومنهم من كان يقربه منه ويحبه مثل (أبي مويهبة ابن كثير 7/244 / السيوطي / الخلفاء/176).

فان كان تحرير العبيد مسألة ضمن أغراض الاسلام , لكان النبي والصحابة هم الاولي بتنفيذ هذه الاغراض بتحرير عبيدهم وجواريهم , لكن هذا التحرير لم يكن ضمن أهداف الاسلام , لانه لو كان كذلك لكان النبي والخلفاء الاربعة والمبشرين بالجنة هم أول العاملين به.

ولو كانت حرية عدم الاستعباد وهي أدني ألوان الحرية مطلباً اسلامياً ، لطالب بما طالب به سبارتاكوس قبله بما يزيد عن ست قرون , بالغاء العبودية نهائياً , وتحرير عبيد البلاد المفتوحة علي الاقل ، لقد فعلها سبارتاكوس الوثني قافزاً بالبشرية خطوة حقوقية عظمي في مستقبل لم يكن قد أتي بعد , و لم يفعلها المسلمون لسبب بسيط , انها لم تكن ضمن جدول اهتمامات المسلمين الاوائل ، كما يدعي اليوم السدنة والكهنة من تجار الاسلام السياسي.

بل وتقدس النظام العبودي في الاسلام بفقه كامل للرقيق كطبقة مختلفة عن بقية الطبقات حقوقياً واجتماعياً وانسانياً , لذلك اهتم الفقه الاسلامي بفقه الرقيق لاعطاء كل ذي حق حقه , كذلك ورد التسري بالجواري في ثلاث وعشرين آية بالقرآن , وظل هذا النظام معمولا به حتي اكتشف الامريكان جور النظام العبودي وسوئه , ومع الايام تحول الي جريمة في نظر كل الهيئات الحقوقية العالمية بلا استثناء , حتي تم ايقاف العمل به في السعودية عام 1966 بعد أن قبل الوهابيون بالقرار الدولي صاغرين.

أما مصر فقد سبقت هذا الزمن الي الغاء العبودية باتفاق مع بريطانيا ، تم بموجبه انشاء مصلحة للرقيق ، مهمتها تنفيذ الاتفاقية لقطع دابر الاتجار بالرقيق , الذي يأتيها من الحبشة والسودان والنوبة المصرية. وبهذه الاتفاقية المصحوبة بأمر عال من الخديوي في 14/8/1877 تم القضاء علي العبودية في مصر , وهو الامر الذي ينص علي " أن بيع الرقيق السوداني أو الحبشي من عائلة الي عائلة ، يمنع كلياً من القطر المصري. بعد مضي اثني عشر سنة من تاريخ المعاهدة المذكورة. وبعد مضي المدة المحكي عنها , اذا كان أحد رعايا الحكومة المحليين يخالف الامر ويتجرأ علي بيع رقيق سوداني أو حبشي , تصير مجازاته بالاشغال الشاقة لمدة أقلها خمسة أشهر وأكثرها خمس سنوات ".

إن أقصي ما يمكن قوله بشأن موقف الاسلام من النظام العبودي , هو أن الاسلام قد أدخل اصلاحات علي نظام الرق ، وحاول حصر مصادره في رق الحروب , كما حرم عبودية الوفاء بالدين , لكن ذلك لم يمنع عبودية البيع والشراء لانها لم تحرم نصاً , وما ترتب عليها من عبودية الخطف , بينما ظل الجهاد قروناً متطاولة يزود أسواق العبيد بمعين لا ينضب , فيروي ابن الاثير أن غنائم البطل المسلم موسي بن نصير , في سنة 591 هجرية بلغت ثلاثمائة ألف رأس مسيحي , وأن موسي استقدم معه الي دمشق ثلاثين ألف عذراء من الأسر القوطية النبيلة /4/295.

وان الدارس لتاريخ الدولة الاسلامية , يعلم ان طلاب العدل السياسي والاجتماعي لم يتوقفوا عن مطلبهم رغم ما تعرضوا له من تنكيل وتكفير وجور. ولم تكن ثورة الزنج سوي مظهر عملي يفعل تلك المطالب ويجسدها علي أرض الواقع , مطالب الحرية والعدل الاجتماعي والسياسي.

استمر صاحب الزنج يمهد لثورته ست سنين فتحدث لأصحابه في أن يؤمروه عليهم , وأن يغامر بهم كما غامر الناس , وارتحل داعياً لنفسه بين العبيد الي هجر ثم الاحساء ثم البادية ثم البصره كرة اخري , وفي رمضان سنة 255هـ كان قد اتخذ القرار للقيام بمهمته التاريخية. بعد ان كان قد رتب اتصالاته بالرقيق الذين يعملون حول البصره في كسح السباخ واصلاح الاراضي واستخراج الملح , وفي غير ذلك من الاعمال الدنيئة الشاقة والتي سخرت لها الخلافة عشرات الالوف من هذا الرقيق الافريقي الاسود.

ساعة الصفر اقتحم عبد الله بن محمد بعبيد ما حول البصرة , مدينة البصرة , وخربها وقتل أهلها واستصفي ما عندهم من أموال ، وأخذ الأسري من أحرار العرب كما كان العرب يفعلون بغيرهم , وأخذ النساء الحرائر فوزعهن علي اصحابه سبايا بعد أن كن ربات خدور سادات. ويوماً وراء يوم كان جيش صاحب الزنج يزداد عدداً بالعبيد المحررين. ويزداد سيطره علي مساحات جديدة من أرض الخلافة , أقاليم وكور أصبحت تدفع الخراج لعبد الله بن محمد , تماماً كما فعلت جيوش العرب زمن الغزو الفاتح. ودخلت الخلافة عدة حروب ضد الزنج وكان نصيبها المزيد من الخسارة والانكسار , وبلغ صاحب الزنج مبلغاً أتخذ معه لنفسه ولقواده مدنا جديدة للاقامة فأنشأ لنفسه (المدينة المختارة) , واقام لقائد من قواده (المدينة المنيعة) ولآخر (المدينة المنصورة) , مما أصاب الخلافة بجزع شديد , وتم تكليف الموفق شقيق الخليفة بادارة حرب صارمة للقضاء علي ثورة العبيد.

ابتدأ الموفق باللعب علي نفسية العبد , فأرسل لعبد الله بن محمد يفاوضه ويرهبه , ويعرض عليه كلون من الاغراء المادي خمسة دنانير مقابل كل عبد يسلمه (أنظر كم كانت قيمة الانسان؟) , فلم يحفل به ولا بعروضه ومضي في دعوته التحريرية , بل وبدأ منعطفاً آخر عندما قرر قبول الاحرار من الفقراء في جيوشه , مما أدي الي مزيد من هزيمة جيوش الخلافة.

وقررت الخلافة وضع كل امكانيات الامبراطورية للقضاء علي الزنج , وحشدت جيوشاً طارئة أمكنها السيطرة علي مجاري الانهار وحصار قنوات المياه المحيطة بمناطق الزنج المحررة. وأخذت سفن الموفق تجوب المياه تنادي الزنج للتخلي عن زعيمهم , ومن استسلم منهم أمنه الموفق وأكرمه واركبه معه سفينته ليعرض حاله علي زملائه المحاصرين , مع عرض آخر لرؤوس من قاوم من الزنج , فبدأ الجيش الثائر يستشعر الضعف والهوان والرهبه , وإزاء الحصار انتهي الامر باستسلام العبيد فرادي وجماعات لجيوش دولة الخلافة.

يري المؤرخون المسلمون أن عبد الله بن محمد لم يكن الا مغامراً شريراً تسبب في فتنة وخراب طمعاً في الرياسة , وتجدهم لا يسمونه الا الخبيث واللعين ، ولا يصفونه الا بعدو الله وعدو المسلمين , لكن تراهم بماذا كانوا يسمونه لو كان هو المنتصر؟

لذلك يري باحثون محدثون ومنهم أستاذنا طه حسين أنه كان رجلاً ذكي القلب بعيد الامل دقيق الحس ضابطاً لأمره مالكاً لارادته. كان يعيش في بغداد وعلي اتصال ببعض عبيد قصر الخلافه , فرأي الفساد عن قرب , ورأي عبادة اللذة والخلل الاخلاقي والاجتماعي فتكرهه نفسه , لكن هل كانت تكرهه لانها كانت نفس كريمة تحب الخير وتكره الشر وتطمع في العدل وتؤثر المعروف؟ أم كانت نفساً طموحا تريد أن تشارك في نعيم الاحرار؟

إن مطالعة ما حدث تطلعنا علي الاجابة.

الظاهرة الاولي الملفتة للنظر , هي ذلك الافتتان الشديد به بين الناس حتي حالفه فقراء الاحرار ، وخاضوا معه المعارك متحالفين رغم انه لم يكن قرشياً , ولا حتي عربياً , ولا نبياً , ولا رسولاً , ولا صاحب كتاب , ولا صحابي , ولا صاحب معجزات , ولا هو حتي أبيض اللون كالبشر الأسوياء انسانياً في زمنه. افتتن الناس به وأيدوه وهو العبد الاسود المفرد ضد الخليفة المؤيد من الله في اعتقاد زمانهم , والمؤيد من الشريعة ومن الاجماع ومن جيوش الامبراطورية بعد ذللك ظهيرا . لقد تصدوا مع عبد الله لجيوش الخليفة التي فتحت بلداناً وهزمت دولاً , وانتصروا في كل المواقع عدا الاخيرة , وفي زمنهم لم يعرفوا ما هي حقوق الانسان ولم يسمعوا عنها كما في أيامنا , ولم يعرفوا العقد الاجتماعي ولا مبادئ الثورة الفرنسية , ولم يعلموا ما هي الدساتير ولا البرلمانات. انها كانت روح الانسان الحرة التي ثارت علي السيد خليفة الله في أرضه , حتي لو كانت الثورة عليه كفراً كما يؤكده دوماً علماء السنة وفقه السنة علي اتفاق. لقد اختاروا الحرية ولو كانت مروقا من الشرعية , اختاروا الحربة علي العبودية في ظل الشرعية.

ولا يمكنا ان نزعم ان صاحب الزنج كان مدعوما من امريكا أو عميلاً لاسرائيل , أو انه تعرض لضغط أو تأييد من الرئيس بوش ، بينما في ايامنا عاد الماض الكريه بظله مع دعاة الاستعباد والخلافة والدولة الاسلامية ، التي رفضها عبيد البصرة من الزنج وفقراء الاحرار. لقد فهم عبد الله بن محمد أن نظام الخلافة المؤيد بالفقة المشيخي المقدس هو موطن الداء , فقام يضربه بعنف , ومعه كل المستضعفين. كان الخليفة قرشي عربي مقدس ورفض عبيده السجود له , واليوم يريدوننا أن نسجد للمشايخ من رموز الاسلام الذي لا يعرف رموزاً !!

العبيد رفضوا نظام الخلافة الاسلامية وطريقته في الحكم في القرن العاشر الميلادي , ويأتي من يطالب بعودته في القرن الحادي والعشرين !!

يلفت النظر بشدة قول عبد الله بن محمد لأصحابه " لنغامر كما غامر الناس" . كان التاريخ ماثلاً لم يمض بعد بتاريخ الفتوحات , عندما غامر العرب ففازوا بالارض ومن عليها. لكن هذا التاريخ الماثل يبدو أنه أيضاً كان هو المثل والقدوه , فقام عبد اللة بن محمد يختار لنفسه راية خضراء ، كتب عليها الآيات: " إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة , يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون" .

لقد جعل الحرب في سبيل الحرية , حرباً من المؤمنين ضد المشركين , كما هو موضوع الآيات , لقد جعل حربه حقاً يقف الله بجانبه ضد الخلافة ونظامها كله ،أصبحت هي الباطل.

يلفت النظر أيضاً وفاء صاحب الزنج لاتباعه بما كان يعد , كان يحلف لهم جهد ايمانه أن سيملكهم أرضهم ، ويجعلهم سادة يملكون الرقيق بعد أن كانوا رقيقاً , وانهم سيملكون ساداتهم , وبر لهم دوماً بما وعد ، بل قام يطبق علي السادة الذين اصبحوا عبيداً شريعة هؤلاء السادة العرب , فكان يجلدهم بالسياط ، ويوزع علي اتباعه أنصبة عادلة من غاراتهم علي السفن والقري ، بنفس نسبة التقسيم زمن غزوات النبي وغزوات الفتوحات , سواء كانت تلك الانصبة منافع مادية أو بشراً من أطفال ونساء السادة المترفين , فأنفذ في العرب شريعتهم , لكنه ارتقي عنهم خطوة عندما ساوي بين البيض الاحرار وبين الزنوج وآخي بينهم كمؤاخاة المهاجرين و الانصار.

كان تطبيق شريعة العرب علي العرب مأتماً عربياً عظيماً , آلم العرب واوجع اكبادهم في كل بقاع الامبراطورية التي اهتزت لاغتصاب النساء العربيات الماجدات من قبل العبيد السود وبيعهن في الاسواق. آلمتهم شريعتهم عندما طبقت عليهم ، فقاموا من كل أرجاء الامبراطورية يرسلون للخليفة بالدعم المادي والعسكري للقضاء علي ثورة الزنج , وكان هذا تحديداً هو السبب الحقيقي في كسر ثورة الزنج.

وكان للمشايخ والفقهاء أيضاً دورهم الكبير في كسر تلك الثورة فكفروا صاحب الزنج ومن معه ، رغم أنه كان يطبق شريعة الاسلام تماماً ولو راجعنا أفعاله لوجدناه رجلا مسلما 100% , فقد جلدهم بالشرع كما كانوا يجلدون الناس , وطبق شريعة العين بالعين والسن بالسن , وركب هو ورجاله نساء السادة العرب المهزومين , وأسروا أطفالهم ونهبوا أموالهم , فأين الكفر فيما فعل صاحب الزنج؟

ان الكفر الواضح أنه لم يفهم أن تلك قوانين مقدسة يطبقها العرب علي غير العرب فقط , هي قوانين تستثني واضعي القانون من القانون.

لقد أدرك عبد الله بن محمد خلل نظام الخلافة المقدسة وحلفها المشيخي , لكنه لم يستطع أن يجد أمامه بديلاً يعرفه ويفهمه لثقافته الاسلامية التي كان يتمسك بها بايمان عظيم , أبداً لم يتصور صاحب الزنج ولا الزنج المسلمون أن الظلم يمكن أن يأتي من النظام الديني للحياة , فالشريعة مقدسة لذلك هي سليمة بالتمام والخطأ إنما هو في التطبيق , في الاشخاص كالخليفة وحاشيته وفقهاؤه. لذلك عندما انتصر الزنج استخدموا نفس الآليات مع أسيادهم السابقين , العبيد حالياً , ولم يكن يري أن هناك نظاماً أفضل من النظام الاسلامي فطبق شريعته باخلاص , فأذاق العرب مرارة الكأس الذي أذاقوه لمختلف الشعوب. فاستمر الظلم رغم تبدل الشخوص , كل ما حدث هو أنه قد أصبح العبد سيداً والمظلوم ظالماً والمجلود جلاداً , لذلك عندما انتصر الزنج ظل الظلم هو صاحب السلطة , لذلك عاد الزنج مع هزيمتهم النهائية أمام جيوش الامبراطورية عبيداً مرة أخري , لانهم لم يكونوا مؤهلين لاستبدال تلك الثقافة بثقافة أكثر نضوجاً تقدس الحرية والكرامة والانسانية والعدل والمساواة لكل البشر. لقد كانت القاعدة ظالمة منذ سبارتاكوس وما بعد سبارتاكوس , ومنذ الفتوحات ومنذ الزنج وما بعد الزنج , حتي اجتمع الانسان عبر نضالات طويلة فى عالم الحريات , ليستكمل مسيرة سبارتاكوس وصاحب الزنج ، ليجبر العالم كله مسلمين وغير مسلمين للتخلص عن عار اتجار الانسان في أخيه الانسان.

ملحوظة خاتمة: أنه لم يصل أي زنجي في بلادنا حيث دين الحريات والمساواة الي ما وصل اليه السيد: (كولن باول) , ولا ما وصلت اليه .... ويا للهول ... سوداء... ونجرو ، و لمزيد من الهول امراة , هي (السيدة كوندوليزارايس) في بلاد الكفر والطاغوت. لقد كان حظ عبيد النيجر (النجرو) , أوفر من نكد حظ عبيد زنجبار , لقد أصبحوا مواطنيين حقيقيين كاملي الحقوق في دولة عظمي .. تري هل هي سخرية الأقدار؟

نشرت فى مجلة الكشكول - 2004 ديسمبر

مبروك لقطر .. واللهم لا شماتة

فلتهنأ قناة الجزيرة فقد بدأت تحصد زرعها وتسترد بعض بضاعتها التي كانت تصدرها لكل الدنيا ، وضرب الإرهاب الدموي قطر ، هنيئاً يا قطر فقد أحسنت الزرع وآن لك أن تجني بعد أن طاب زرعك واستوى.

أقول هذا رغم أني لا أتمنى أبداً لأهل قطر أي أذى ولا لغيرهم في كل الدنيا ، لكنه القول السديد الذي لا بديل له في الموضع الصحيح. هل أنت سعيد يا أحمد منصور؟ أليس هؤلاء رجالك ونماذجك من بين البشر؟ تراك هل قمت بواجب العزاء؟

هل من فجر المدرسة في قطر إرهابي أم انتحاري أم فدائي أم مقاوم؟ نحن أهل الحرية وحقوق الإنسان نعزي بقلوبنا ونألم بأكبادنا لكل الأبرياء الذين تحصدهم أفكارك يا أخي المسلم التقي على الطريقة الإخوانية. كنت وفريقك كله من أهل الجزيرة تروجون لهؤلاء وتكسبونهم ثوب الفدائية المدافعة عن الأمة ، وتسوقون لأفكارهم المتطرفة.

ترى هل الاستبداد السياسي في قطر هو ما خلق الإرهاب في قطر أم أن لك هنا نظرية مخالفة لنظريتك عن الاستبداد خالق الإرهاب؟ لم تقل يوماً يا منصور أن الاستبداد السياسي هو جزء من الحقيقة وليس كل الحقيقة ، فقد دخل الليبراليون المعتقلات ودخل الشيوعيون المعتقلات ، وكلاهما وطني مخلص لاشك فيه وأنت تعلم والكل يعلم ، والدليل أن أحدهما لم يخرج من حبسه ليرفع السلاح في وجه وطنه بحجة الاستبداد السياسي. فقط أنتم يا منصور قبل السجون وبعد السجون لطالما كنتم حلفاء هذا الاستبداد ، ليس اليوم أو الأمس القريب و لكن منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة ، وما دخلتم السجون إلا عندما اختلفتم في مساحة أطماع كل منكما في التسلط على رقاب العباد .. أما الحقيقة الكاملة فهي الاستبداد الديني الذي يستظل كل أعداء الناس في بلادنا بظله ، وفي المركز الظليل يجلس الاستبداد السياسي في رعايتكم. أم تتجاهل تاريخكم الأسود في مصر؟ مبروك عليك يا منصور فها قد أتاك نصر الله والفتح.

لقد عمدت ثقافة الحقد والكراهية في الجزيرة بشكل دائب على تشويه الآخرين وإعلاء شأن ثقافتها ، ولطالما هاجمت ضيوفها من رموز الحضارة والحريات والتقدم ، للتهوين في شأنهم والتقليل من حجمهم في نظر الناس ، والنيل من كرامتهم تصغيراً وتحقيراً بكل الأساليب الخبيثة الممكنة.

وقد استضافتني الجزيرة في اتجاهها المعاكس ولولا إني رجل بايع ليس عندي ما أخسره سوى وطني وهو كل شيء يملأ فضائي ، وأن يدي يمكن عند الحاجة أن تكون أطول من لساني ما حققت هزيمة الخصمين : مناظري في الحلقة الإرهابى كمال حبيب ، وقناة الجزيرة.

لطالما حاولت الجزيرة الإيعاز أن ثقافتنا هي الأندر بين كل الثقافات وأن رموزنا هم الأنبل بين كل الرموز ، تصغيراً وتنفيراً لمباديء الحريات العلمانية ، مع التشويش على أي ضيف في ديارها يحاول رد الاتهامات ، ودون أي إمكانية لخروج الضيف من الفخ اللئيم إلا بتهمة أشدها أنه يمس ديننا أو رموزنا المقدسة. ومن ثم يقف الضيف أمام حائط سد من المقدسات بينما كل مبادئه التي أرستها الإنسانية في الدنيا مباح مستباح.

ترى كم أصبح رصيد أحمد منصور في بنوك التقوى بعد لقائه بالوديع كالقديسين الدكتور بطرس غالي في برنامجه (شاهد على العصر)؟

تعالوا أهلي وناسي نحاول أن نقرأ فلسفة الفكر الذي وقف وراء حلقات منصور وغالي ، وفي خلفية الذاكرة مشهد منصور البوليسي الغليظ السميك المتجاوز لأبسط لياقات الأدب مع رمز حضاري مثل غالي ، وكيف وجه له إتهامات مباشرة بخيانة القضية الفلسطينية ، بل وإضاعة المصالح المصرية في كامب ديفيد ، ولا يترك للشاهد سوى موقف واحد من الخيانة المسيحية للوطن ، في وقت لا يحتمل في بلادنا مثل هذا التواطؤ العلني مع الفكر الإرهابي والترويج له في منحنى تاريخي لن نسمح إبانه بأي رذاذ يمس الوطن ، وهو ما سأضطر معه إلى كشف فلسفة هؤلاء وتاريخهم الأسود وتعرية فكرهم لنرى كم هي قبيحة وعفنة عوراتهم.

عادة ما يخلط المتأسلمون خلطاً معيباً يشيننا جميعاً ، بين الإسلام كدين وبين الحضارة التي هي فعل إنساني من الألف إلى الياء ، ليقارنوا بين حضارتنا وحضارة الغرب الحر اليوم ، بهدف التأكيد على أننا بحالنا الراهن في قاع تراتب الأمم الأفضل بين الأمم ، لأن عندنا (السورس-source) بلغة الكمبيوتر الذي يحتاج فقط إلى تشغيل كأيديولوجيا لننتقل في غمضة عين من حال إلى حال.

أقول لكم لماذا يشيننا هذا الخلط؟ لأنه إذا نقلت الإسلام من كونه ديناً إلى كونه حضارة أكون قد حولته من جلاله الرباني ليندمج بالفعل الإنساني ، وما أبعدهما !! ثم أليس الإسلام خاتم الرسالات ، فإذا كان حضارة فكان واجباً أن يحمل معه آخر تطورات العلوم والمعارف حتى آخر الزمان ، ولا يبقى لأحد بعده أي إضافات ، أي يصبح هو على مستوى الحضارة الكمال نفسه ، ولكن ما حدث فعلاً أنه بعد الإسلام قد حدثت تطورات هائلة في كل العلوم من الفلك إلى الطب إلى الهندسة إلى الكمبيوتر إلى غزو الفضاء إلى هندسة الجينات إلى العلوم الإنسانية الراقية ، وقد حدث ذلك كله بفعل إنساني أكثر بما لا يقارن بما جاءت به السماء؟ أترون كيف يضعون ديننا في موضع النقص وهو في موضع الكمال عندما نعامله كدين فقط ؟

لقد ظهرت مباديء جديدة في العالم يلهث الإسلاميون وراءها ليتمسحوا بها عن إيمان داخلي بسموها كحقوق الإنسان والديمقراطية التي تقر الآن كل بلادنا المتخلفة بأنها ضرورة لإجراء إصلاحات عاجلة ، علنا نلحق بآخر تطور للإنسانية على الأرض ، فإذا كان الإسلام سياسة ووضع أكمل المباديء للحكم فكيف يتفق لنا ن نقول بكماله وأمامنا فعلاً ، رؤية وشماً وسمعاً ، حضارة راقية تطرقنا بمطارقها كي نفيق؟

أليس احترام الدين بإبعاده عن السياسة يكون هنا هو الأكثر حكمة وكياسة وفطنة؟

الديمقراطية تقوم أولاً على حقوق الإنسان ، وحقوق الإنسان يقف بينها حقاً دونه الإنسانية هو حق المرأة الكامل كإنسان كامل ، ويقف حق المساواة بين المواطنين بغض النظر عن اللون أو الجنس أو العقيدة أساساً خراسانياً ، هذه هي الحضارة التي تحط الجزيرة طوال الوقت من شأنها لصالح ثقافتنا وتاريخنا الإسلامي باعتباره الحضارة الأرقى ، بينما كان العشرة المبشرون بالجنة كلهم رجال وليس بينهم حتى ولو أماً واحدة من أمهات المؤمنين ، كان المجتمع مجتمع زمانه بطرائق زمانه وقواعد زمانه ، كان مجتمعاً ككل الدنيا أيامها ، عنصريا متعصب لذاته طبقيا ، لكن المجتمع الإسلامي كان عنصري الطبقات وهي أسوأ أنواع الطبقية والعنصرية:

مجتمع الأشراف من قريش ،

ثم بقية العرب ،

ثم الحرائر من العرب ،

ثم العبيد من العرب ،

ثم الموالي المسلمين من أهل البلاد المفتوحة وهم العامة والعلوج ،

ثم الزنج الأحرار ،

ثم العبيد من الرجال المسلمين ،

ثم العبيد من النساء المسلمات ،

ثم أهل الذمة من أصحاب البلاد المفتوحة من غير المسلمين.

وتم تفقيه هذا التراتب قانونياً وشرعياً فأبداً لم يستو الحر مع العبد فكل له عقوبة مختلفة عن الآخر ، أبدا لم يستو الذمي مع المولي ، وأبداً لم يستو المولي مع الشريف القرشي ، وأبداً لم تستو المرأة مع الرجل.

كل هذه الطبقات ليس من بينها من له حق تجاه الدولة سوى الأشراف القرشيين ، بينما عليهم جميعاً واجب الطاعة المطلقة ودفع المطلوب لراحة السادة ورفاهيتهم.

فكيف سنواجه بهذا القانون ديمقراطية اليوم؟

وعلام سيقيم دعاة الأحزاب الإسلامية أحزابهم؟

على قوانين كتلتك؟

هل تمزحون؟

أم تراكم تهرفون؟

هل ستواجهون بهذا النظام عالمنا اليوم كما واجه منصور كل قيم الأمم المتحدة وأدانها ، ليترسخ لدى المشاهد بشكل لا واع أن هذه القيم الوضعية بهذا السوء ، ولا يبقى بالطبع سوى قيمنا نحن لتحل محل قيم اليوم الوضعية الظالمة؟ حاول ذلك منصور بخبث معهود فيه لإسقاط المباديء الأخلاقية عن نظام الأمم المتحدة وإظهاره كنظام بربري لأنه من صنع البشر ، وأنه قد فشل في إدارة عالمنا الحديث مما يلزم عنه البحث عما هو أصلح. لقد حاصر غالي وأهانه كرمز لهذا النظام الديمقراطي في العالم بإضعاف موقفه وحجته هو ومؤسسته ذات الأسس النبيلة من حريات ومساواة وحقوق وإنقاذ وسعي في أطراف الأرض لمساعدة الناس دون تفرقة. هي محاولة ضمنية لتأكيد فشل البشر حتى يلجأوا لمندوبي السماء لإدارة الشأن بما يرضي الله.

سيدي الدكتور بطرس غالي ، مثل هؤلاء لا تصلح معهم وداعتك ، فعذراً سيدي ، فأنا بهم أدرى ، وبخطابهم أعلم ، وبهتك خبثهم أنتشي وأسعد ، لأنهم أعداء وطني ومستقبله وأعداء الإنسانية.

ولنبدأ معاً سادتي من جرائم البوسنة والهرسك ، التي تم تأنيب غالي والأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد أشد التأنيب عليها لتأخرهم في التدخل لإيقاف تلك الجرائم.

وهنا أجد نفسي مضطراً لشرح بداهات وبسائط للتذكير بأمور تفوت الكثيرين ، فالقاعدة الأخلاقية هي ما يحدد لنا ما هو الخير وما هو الشر ، وهي عامة لا يختلف عليها من البشر سوى المختلين فقط ، فالقتل شر وهتك العرض شر والسرقة والنهب شر. أما إن وقع اختلاف لعقول صاحية حول ذلك فلابد أن هناك خللاً خلقياً عند المختلف الذى لا يدرك القواعد القانونية التي تشرع وسائل التقويم والردع تصدياً للشر. ويترتب على هذا أن الإنسان الطبيعي هو من يتمكن من التمييز بين الخير والشر بوضوح ، ومن يفشل في هذا التمييز فإنه يكون بالضرورة بربرياً لم يصل بعد إلى رتبة الإنسان.

والمعلوم أن جرائم الإبادة وهتك العرض التي وقعت في البوسنة والهرسك لم تكن بأمر أو تشريع قانوني ، كما لم تكن قواعد أخلاقية معمول بها ، إنما كانت جرائم ضد القاعدة الأخلاقية وضد القانون ، ومن ارتكبوها فعلوها وهم يعلمون أنهم ضد الأخلاق وضد القانون.

نعم تأخر المجتمع الدولي في التصدي لما يحدث هناك ، لحساسية منطقة البلقان التي أشعلت من قبل الحروب العالمية. لكن المجتمع الدولي لم يسكت عنها بل تدخل ووضع حداً لها وقدم المنفذين للمحاكمة ، ولم يؤيد أحد تلك الجرائم ولم يغطي عليها أحد بأي فلسفات ، وتم اقتياد رئيس الدولة إلى السجن ، وقد تم فعل ذلك في عهد بطرس غالي ، ومع ذلك اتهمه منصور بالتستر على الجناه لأنه مسيحي.

أكرر بسائط المعلومات : أن جرائم البوسنة والهرسك قوبلت بالرفض والتنديد والحرب والمحاكمات وأقر المجتمع الدولي كله بأنها جريمة ، ولم تصل إلى حد بيع النساء في أسواق النخاسة ، ولم تلق أي استحسان لكن أحمد منصور وإخوانه لديهم البديل لهذا النظام ، لديهم نظاماً تقوم قواعده الأخلاقية على أن فعل مثلما حدث بالبوسنة والهرسك هو خير وليس شراً ، ولا تتم عقوبته ، ولا يقابل بالاستهجان أو الإستنكار بل بالفخر والاستحسان ، والأدهى أن هذه القواعد الأخلاقية يحميها القانون وبأمره وتتم تحت إشرافه وحمايته ، إن لديهم نظاماً بديلاً هو الأرقى لأنه يشرع خطف الفتيات أطفالاً أو صبايا من أحضان أمهاتهن ، وأخذ الزوجات بعد قتل أزواجهن وتحويلهن من حرائر سادة في وطنهن إلى جواري باسم القانون ، وهم من يريدون تعليم العالم مباديء التحضر والإنسانية.

كانت قوانينهم نظاماً يليق بزمانها ومجتمعها وظروفها ، لقد كان الفاتحون بشراً لا ملائكة ولم يكونوا هم الإسلام. الشهادات على ذلك أكثر من أن تحصى ، لكني سأختار عشوائياً بعض شهادات تراثنا فيما يخص مصرنا الغالية الأمس واليوم وغداً وأبداً:

عن زياد بن جزء الزبيدى قال : " لما فتحنا باب إليون – بابليون – تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين الإسكندرية ، قرية ، قرية ، حتى وصلنا إلى بلهيب قرية من قرى الريف يقال لها الريش ، وقد بلغت سبايانا المدينة ومكة واليمن ، أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بن العاص : إني كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم معشر العرب ، لفارس والروم ، فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد عليّ ما أصبتم من سبايا أرضي ، فعلت.

فكتب عمرو بن العاص بذلك إلى عمر بن الخطاب فأجابه : " أما بعد ، فإني جاءني كتابك تذكر إن صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصبت من سبايا أراضيه ، ولعمري لجزية قائمة لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلي .. على أن تخيروا من بين أيديكم من سبيلهم بين الإسلام وبين دين قومه " ؟!! لاحظ المسبي المهتوك العرض مطلوب تخييره قبل رده لأهله بين الإسلام وبين قومه؟ وما الفعل المفروض أن يكون مقدماً هتك العرض أم الإسلام؟

ولاحظ أيضاً أن المقصود هنا السبي الموجود بمصر في عهده بن العاص وليس ما وصل إلى الجزيرة وتم توزيعه على المؤمنين في مكة والمدينة وخارجها حتى وصلت نساؤنا اليمن !!! "

نستكمل الرواية ، يتابع الصحابي زياد رد الخليفة على بن العاص قائلاً : " أما من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردهم ؟!! ولا نحب أن نصالحه على أمر لا نفي له به ". ولنلحظ بشدة هنا التأكيد على قاعدة (الوفاء بالعهد) الأخلاقية ، فهي فضيلة يتم التمسك بها ، و تفريق نساء مصر في البوادي ليركبهن العرب هو بدوره فضيلة انتصار ليس فيها ما يثير مجرد السؤال الأخلاقي ، هكذا كان منطق عرب ذلك الزمان ، وربط التدين بهذا بإعتباره حضارة نستدعيها ضد حضارة اليوم هو على كل المستويات مصيبة أخلاقية وفضيحة مالها من ستر ، فأسكتوا أسكت الله لكم حساً ، لقد جعلتمونا مسخرة العالمين.

تعتبون على المجتمع الدولي والأمم المتحدة لتأخرها في التدخل؟ لماذا لم تحاسبوهم أنتم؟ هل كنتم قادرين؟ هل كنتم بالأصل تعلمون ما يجري حتى فضحته تلك الحضارة المدانة التي تكيل بمكيالين؟

أليس قتل العراقيين وذبحهم أمام الكاميرات والذي لا يخجلون من إعلانه شراً مستطيراً؟ ومع ذلك تقولون إنه جهاد لتشينوا كل المسلمين في الأرض وتحملونهم ما لا ذنب لهم فيه ولا جريرة سوى أنهم ولدوا مسلمين .

ألا تخجلون من عتاب النظام الدولي الديمقراطي؟

ألم تفكرون يوماً في الإعتذار عن جرائمكم في حق الأمم في عصور الظلام التي تصفونها بأنها كانت عصور النور؟

وترى هل تم هتك أعراض جداتنا أنا وأنت يا منصور وهن سافرات أم تم تحجيبهن قبل هتك عرضهن؟

وهل يقبل سادتنا هؤلاء أن يطبق بوش علينا فقه الجهاد؟

هل هذا ما تقدمونه للإنسانية هدى ونور بدلاً مما هي فيه من ظلام؟

ترى كم سينقل بوش من سبايانا إلى نيويورك وواشنطن؟

و كم من عبيد سيسوق إلى لويزيانا وكاليفورنيا؟

و بالطبع سيكون له الخمس مما ستغنم جيوشه؟

أم ليس من حقه أن يطبق علينا قانوننا نحن؟

و هل لو فعل يكون بربرياً متوحشاً؟

أم هناك خلاف حول القاعدة الأخلاقية؟ ..........

هناك خلل في الضمير !! .........هناك خلل في الضمير !!

صحابي آخر يروي لنا عن بطولات أهل النوبة ضد الغزو العربي عن يزيد بن حبيب : " إن المسلمين لما فتحوا مصر غزوا نوبة مصر فقفل المسلمون بالجراحات وذهاب الحدق من جودة الرمي ، فسموا رماة الحدق ، فلما ولي عبد الله بن أبي سرح مصر ، ولاه إياها عثمان بن عفان ، صالحهم على هدية عدة رؤوس منهم يقودونهم للمسلمين كل سنة ، ويهدي إليهم المسلمين كل سنة طعاماً مسمى وكسوة ونحوه ".

تروى مثل هذه الروايات في تراثنا كمصدر عز وفخر ، وبالمناسبة لا أكتب المصدر هنا لأنه لا يخلو مصدر تراثي تأريخي منها من الطبري إلى ابن كثير إلى ابن الأثير .. كما شئت ، لتأكيد العز والمجد ، لتأكيد أن العرب عندما يهزمون شعباً يأخذون أبناءه الأحرار عبيداً لهم ، يتابع يزيد فيقول : "و أفضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده الولاة والأمراء ، وأقره بن عبد العزيز نظراً منه للمسلمين وإبقاء عليهم".

وهذا هو ما يسميه سادتنا أصحاب النظرية البديلة للديمقراطية الغربية " إتفاق إذعان " يرفضه الشرع الإسلامي لأنه مفروض من الغالب على المغلوب تحت وطأة السلاح والاحتلال ، إنهم لن يدعوننا إلى الحرية كما هي الأمم المتحدة ، إنما إلى العبودية والذل. هل هذا هو ما ستنافسون به حريات اليوم الليبرالية في نظامها الديمقراطي؟

أتدعون لسبي النساء وركوبهن إغتصاباً (هناك فتوى لخطيب مسجد البصرة بهذا الشأن للإرهابيين العرب بالعراق) ، وتدعون في الوقت نفسه للحجاب والنقاب تعففاً ؟!

ما هو الفجور : هتك العرض أم السفور؟

ما هو الشرف وما هي العفة : النقاب أم الاتجار في النساء وركوب أي عدد من الإماء؟

ابحث يا منصور في حضارتك وعرفنا بخليفة واحد ، فقط واحد ، أمر قواد جيوشه الفاتحة في سبيل الله ، أن يعرفوا أهل البلاد المفتوحة بالإسلام ومبادئه ليلتحقوا به عن قناعة وإيمان. ابحث يا منصور عن عدد المناظرات التي أقيمت بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى حتى يبهت الذي كفر. ابحث عن أي خطب تم توجيهها قبل الفتح أو بعد الفتح تجلو للشعوب المفتوحة شأن الإسلام.

ابحث لن تجد سوى الثروات المنهوبة والنساء المهتوكة والجباية بلا حساب. اقرأ معي ما قال أسامة بن زيد كاتب خراج مصر للخليفة سليمان بن عبد الملك عندما طالبه بزيادة حصيلة خراج مصر ، قال : " يا أمير المؤمنين ما جئتك حتى نـُهكت الرعية وجهدت ، فإني أرى أن ترفق بها وترفه عنها وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمار بلادها ، وصلاح معايشها فإنه يستدرك ذلك في العام المقبل ، فقال له سليمان : هبلتك أمك ، احلب الدر ، فإن انقطع فاحلب الدم والنجا " (و النجا هي الأمعاء).

هذا هو بديلنا الأصولي الذي نقدمه لعالم اليوم ، أما عن الحريات حتى داخل المجتمع المسلم فدونك ودونها خرق القتاد ، فقرضاوي يطل عليك من الجزيرة (20/2/2005) ليقول : " إن الإنسان يشرع للإنسان منذ أن يولد إلى أن يموت .. كل شيء لابد أن تتدخل فيه الشريعة وتصدر فيه حكماً .. الإسلام له دوره في توجيه الحياة كلها .. والثوابت التي لا يمكن التنازل عنها شمول الإسلام الزماني فهو دين الماضي والحاضر والمستقبل ، والشمول المكاني فهو ليس مختصاً بالشرق الأوسط فقط ولا ببلاد العرب فقط .. والشمول الموضوعي أنه يستوعب شئون الحياة كلها .. إن الحركة الإسلامية قد نجحت في إقامة فرد مسلم فأصبحنا نرى المساجد تمتليء بالشباب بعد ما كان لا يردها إلا الشيوخ .. وما كنت ترى إمرأة محجبة والمحجبات الآن بالملايين .. ولو لم تقم الحركة الإسلامية لانتهى أمر الإسلام من الحياة السياسية ، أما ما حققته الصحوة من انتصارات فهو استقطاب الشباب وتعميم الحجاب " ،

ولا بأس أن يتابع الشاب شعائر دينه فهو الأمر المطلوب لترده صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لكن البأس كل البأس أن يكون الإنسان في نظريتنا البديلة مسلوب الرأي والإرادة والاختيار بالتمام والكمال كما أوضح فضيلته.

سيدي الدكتور غالي لا بأس عليك منهم ، فهاهم يجنون زرعهم ، ومبروك لقطر واللهم لا شماتة.

نشرت فى روز اليوسف

فتاوى تغييب العقل وعلماء "الضياع"!

بين تجارب المشايخ ومواعظ الدكاترة

يفترض رجال الدين أن الإنسان كائن عاجز ليس في مستطاعه بمفرده أن يفكر أو يكتسب المعارف بجهده ، ولا يعترفون أن هناك أصلا معارف يصنعها الإنسان بالكشف والبحث والفهم ، لذلك فالإنسان عندهم غير مدرك لمصالحه ، لذلك وضعوا لأنفسهم قوانين فقهية تمنع هذا الإنسان من التفكير ، لأنه ربما صادم بذلك معلوما من الدين بالضرورة فاستحق الموت ، أو لأنه اجتهد في شأن يخالف نصا قطعيا قال قراره مسبقا في هذا الشأن ، لذلك فالإنسان يملك عقلا قاصرا تابعا لا يمكنه الاستقلال بصنع قوانين تناسب ظروف الحياة المتغيرة ، ولا يمكنه أن يتخذ قرارا بدون الرجوع إلى أهل الدين للتفسير وللفتوى ، لأنه عاجز وفاقد للأهلية بالمرة.

المشكلة هنا أن رجال الدين لا ينسون وهم يصوغون لأنفسهم هذه السيادة والسيطرة والوصاية على الناس ، أنهم أيضا ناس ، وأنهم أيضا بشر ، ومن هنا اصطنعوا لأنفسهم أزياء مهيبة وألقابا فخيمة ولغة خاصة تشمل في معظمها نصوصا دينية كلما تحدثوا ، ومؤسسات طائفية خاصة أضفوا عليها القداسة ، لإلقاء هذه القدسية في روع العامة فيصبحون هم الدين ، ويتحولون إلى نوع خاص من البشر يقف بين الله والإنسان في ترتيب الدرجات ، ليتحولوا إلى وسائط بين الله وعباده وشفعاء للعباد يمنحون الغفران أو اللعنات ، ويطلبون استسلام الإنسان العاجز لهم لأنهم العارف بمصالح الناس عبر معرفتهم بقرارات وعلم رب الناس ، بتفويض خفي من الله لهم دونا عن بقية عباده دون أن يبرزوا للناس مرة واحدة نسخة واضحة من هذا التفويض ولا مبررات حصولهم عليه.

والمعلوم تاريخيا أن هذه الرؤية التي روجها رجال الدين لصالح سلطانهم ليصبحوا الطبقة المميزة تاريخيا عن جميع البشر ، قد أدت إلى تخلف البشرية طويلا تحت سيطرة حلف رجال الدين مع أية سلطة كانت ، واحيانا كانوا يحكمون بأنفسهم مباشرة في دول ثيوقراطية كاملة المعنى والمبنى ، حتى أمكن للبشر وهم يصوغون فكرا إنسانيا جديداً ، ويرزحون تحت أحكام القتل والصلب وجز الأعناق والاعتقالات للتراجع عما يكشفون بعقولهم ، أن يراكموا الفكر الإنساني الجديد لبنة بعد أخرى ليتركوا للبشرية بعد عذاباتهم وموتهم من أجلها ، تأسيسات فكرية ومناهج عقلية أدت لبزوغ عصر الأنوار الذي استحق اسمه التاريخي عن جدارة واستحقاق ، لتبداً النهضة العقلية الإنسانية بالمنهج العلمى ، لتتالي كشوف العقل القاصر لتؤكد أنه لم يعد قاصرا ولا بحاجة لوصاية من أحد ، بل لتتالي الكشوف التي تؤكد مدى غباء النظريات السابقة ، ومدى فاشيتها وتحالفاتها المشينة ضد إنسانية الإنسان ، بأدلة تؤيد الجديد بالإثبات المحسوس والملموس وبالتجربة المخبرية التي أدت في النهاية إلى نتائج وإنجازات اختارها الناس بعد تأكدهم من فعاليتها ، لتتطور البشرية وترتقي بأدوات إنسانية لا علاقة لها بالأديان ، ولتصنع لنفسها الجنة على الأرض بغض النظر عن جنة السماء المؤجلة ، حتى دخلنا عصر الاتصالات العظيم والتحكم بالجينات سعيا نحو خلق أفضل مما هو كائن ومما كان. هذا بينما لم يكن بيد رجال الدين وهم يفقدون أوراق سلطانهم على الناس ما يقدمونه للناس سوى كلام لا دليل عليه لأنه ظل غبيا مجهولا لا مصداقيه له ولا دليل إلا كلامه في نصوصه القدسية.

وكان طبيعياً أن ينحاز الناس إلى العلم ورجاله ، ليسحب التطور معنى العالم ولفظه عن رجل الدين إلى علماء العلم الإنساني الجليل ، بعدما حقق لهم هؤلاء العلماء الرفاه والسعادة والمكاسب العظيمة على كل المستويات والأنواع ، من التداوي وتشخيص الأمراض واختراع علاجاتها. بعد الحجامة وبول الجمل والعسل والحبة السوداء والسحر والجان والرقية والمعوذات إلى تشخيص المرض بأدق الأجهزة للوصول إلى أفضل النتائج الممكنة للعلاج ، إلى تطور كل مناهج وفنون المعرفة في التاريخ الذي أصبحت له مناهجه وأدواته إلى الاقتصاد بنظرياته واسسه ، إلى علوم السياسة والحقوق التي تقوم على الحريات الإنسانية الكاملة ، إلى السعي في الفضاء بحثا وكشفا وتنقيبا.

هذا بينما مازال الإنسان في بلادنا يعيش مرحلة ما قبل العلم.

بل ما قبل النهضة ، بل ما قبل زمن الانوار.

يحاول إثبات أهليته فيصادرونه أو يحاكمونه أو ببساطة يقتلونه، حتى يبقى دون سن الرشد فيكبر الجسم دون العقل ليتحول إلى كائن أبله كالقرد الذي يمكنه عزف الموسيقى أو مطالعة التلفاز دون أن يعرف شيئاً عنهما!

لقد تجاوزتنا الإنسانية بتطورها المعرفي ومنهجها العلمي إلى مرحلة الإنسان الراقي ونحن عند المرحلة القردية لأنهم يوقفون نمو الإنسان في بلادنا نحو الرشد ، ويحرمون عليه إدارة شئونه بنفسه ، ووضع تشريعاته بما يناسبه ، لأن هناك من هو أدرى بمصالحه من رجال الدين المحترفين الذين مازالوا في بلادنا يؤكدون أن نظريتهم هي الأزلية الأبدية الصالحة لكل زمان ومكان ، التي خلقت يوم خلق الإنسان ولن تسقط حتى قيام الساعة.

لقد كان حلف رجال الدين والسلطة هو أبشع حلف عرفته الإنسانية من فجرها ، و سجل مظالم وسحق لكرامة الإنسان عبر تاريخ مقيت ، حتى تمكن الإنسان في الشمال من استعادة كرامته وإعادة رجل الدين إلى حظيرته ، وحكم نفسه بنفسه بتشريعات تناسب زمنه ومصالحه وكرامته. لكن الأمر في جنوبنا ليس كذلك ، رغم أننا على تواصل اضطراري مع إنجازات الإنسان الراقي للاستفادة من منجزاته ، لكن دون أية مشاركة في هذه المنجزات فانتكسنا من المرحلة القردية إلى مرحلة الطفيليات التي تتغذى على الآخرين ، ولا تكتفي بذلك بل تسبب لهم أفدح الإضرار ، وهو الواضح في أهم صادراتنا للعالم "الكراهية والإرهاب".

عبر ثلاثة وثلاثين عاماً أو أكثر ساد خطاب حلف السلطان والكاهن في بلادنا بعد صحوة مؤقتة حدثت في مصر في عشرينات القرن الماضي ، تم القضاء عليها بقفز عسكر يوليو على السلطة عام 1952 ، ولم نعد بعدها حتى اليوم إلى ما حققناه في القرن الماضي ، عندما كان الناس يجدون في الدين دعوة لطلب العلم ولو في الصين ، و من المهد إلى اللحد لتكريم بني آدم الذي كرمه ربه بآيات واضحات ، عرف منها أن عصر النبوات قد انتهى وبدأ عصر العقل بالنبي الخاتم ، وأن القرار بختم النبوات يعني قرارا بعدم تدخل السماء في الإرض بقرار إلهي حتى يتمكن الإنسان من بلوغ رشده لإدراة الكون الذي خلقة له الله ، لكن الأنتهازيين ، من فجر تاريخ دولتنا الإسلامية قرروا استلام الوصاية من الله على عبادة بقرار شخصي مصلحي ليركبوا اعناقنا ومازالوا راكبين ينتهزون موجات المد والجذر السياسي ليركبوا الموجة في كل مرة باسم الله والدين.

مشكلتنا الآن أنه لم يعد مسموحاً ان نعيش الزمن القردي في مجتمع دولي يسعى للتكامل والتكافل والعيش المتبادل الأمن ، وانتهاء عصر عبودية الإنسان لأي من كان. وأن برامج الاصلاح والمبادرات تتتالى لإثبات وجودنا كطرف صاحب مصلحة فى هذة الإصلاحات المطلوبة ، ورغم ذلك فإن صحافتنا القومية حتى اليوم لم تعلم فيما يبدو بما حدث ويحدث ، ومازالت عند قديمها ثابته لا تريم حراكاً ، في حالة موت سريري تعاني فيها من الهلوسات!

هنا سأختار اختيارات عشوائية مما تنشره صحافتنا في زمن الإصلاح لنرى كيف يراد للناس أن يفكروا.

في علاج داء خطير قتال كالسرطان تكتشف صحيفة الأهرام في "1/4/2004" أن العسل علاج أكيد للسرطان والفيروسات والجهاز الهضمي ، كل هذا معاً. ويستند الدكتور(لاحظ أنة دكتور) رمضان مصرى هلال فى ذلك ، ليس إلى تجارب علمية ناجحة مؤيدة بالبراهين المخبرية والإحصاءات الدقيقة ، مع تقنين الأسباب الفاعلة فى العسل ، وعلاقة تلك الفعالية بمرض السرطان ، إنما هو يستند إلى حديث أبى هريرة : " من لعق من العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبة عظيم البلاء" ، و رغم أن السرطان مرض موجود مع البشرية من فجرها ، فإن البشرية لم تعرفة ولم تشخصة ولم يعرفة الزمن النبوى ، لكنة عند الكتور مصرى هو "عظيم البلاء" ، ومن ثم يشرح لنا كشفة المعجز بقولة إن العسل " يحتوى على مواد تمنع انقسام الخلايا ، وبذلك يستخدم العسل كمادة مضادة للسرطان "..واللة يحب المحسنين.. !! فالسيد الدكتور يعلم بشكل غامض معلومة عن السرطان هى أنة انقسام للخلايا ، فقام يدلى بدلوة الإسلامى ليلقى فى روع العامة أنة قد عثر لهم على المضاد الفعال لهذا الانقسام ، ليقول لهم كلاما زى العسل ليس أكثر ، لتأكيد إمساك الإسلام بعنان أعصى الأمراض فى سبق علمى لم تصل إلية الإنسانية بعد ، ودون حاجة لبلاد الكفرة وعلومهم.

لكن صحيفة المساء القاهرية لاترى ذلك الرأى ، لأن الدكتور محمد وهدان (لاحظ ان كلهم دكاترة والحمد للة الذى لايحمد على مكروة سواة) يقول فى 31-3-2003 : " إن ماء زمزم هو قاهر السرطان !! أى واللة العظيم تلاتة قال كدة !! ، بل أن ذلك تم إبرازة كعنوان بالبنط العريض ، لكن كى يتم الشفاء بزمزم فهناك شروط ، يعنى مش أى كلام !! وأهم الشروط شرطا لايمكن قياسة بأى أدوات ممكنة ولا حتى التعرف علية ، إنة (حسن النية) !! وقد اسند الدكتور وهدان فى كشفة هذا إلى خبر فى صحيفة لم يذكر لنا اسمها عن امرأة مغربية ابتليت بالسرطان ، وحار الطب فى علاجها (لاحظ العمد فى تبخيس العلم مقابل زمزم؟) لكن هذة السيدة " داومت على شرب ماء زمزم فقهر زمزم الرطان وكل الأورام الخبيثة بإذن اللة الواحد القهار " !! ودمتم.

ومن جانبها تفرد صحيفة الأهرام صفحة كاملة أسبوعيا للشيخ الدكتور بدورة زغلول النجار في خطاب لا يليق إلا بزمن القرود ، ومن إبداعات الشيخ زغلول أن بعض المسلمين الباحثين في العلم تأكدوا بالتجربة المعملية المخبرية أن الذباب يحمل في إحدى جناحيه سما ناقعا وفي الجناح الآخر دواء شافيا. كلا لم ينشغل زغلول بالمرض في حد ذاته ولا بالعلاج الشافي في أجنحة الذباب. وكيف نستخرج المصل الواقي من الامراض من جناج الذبابة لنكتفي به عن أدوية بلاد الكفر التي تكيد لنا بعلاجات لا تنفع ، ولا حتى الإشادة بهؤلاء العلماء المسلمين وتعريفنا بهم ومن هم وأين أجروا أبحاثهم الباهرة ، كل ما شغل الدكتور هو أن تلك التجربة "من أعظم الشهادات على صدق نبوة ورسالة وهذا النبي الخاتم".

و تفسح ذات الصحيفة مساحات لذات الطروحات كما للدكتور أحمد شوقي إبراهيم رئيس المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة، و لا تفهم كيف يلتقيان "المجمع العلمي" و "القرآن والسنة" ، فللعلم شروط لا تلتقي بحال مع النصوص ، والنصوص ثابته والعلم متغير ، والنصوص إلهية والعلم إنساني ، ولا تدرك لأي غرض تقوم هذه المجامع التي لم تحقق حتى اليوم أي إنجاز علمي واحد تتقدم به للعالم كحصوة في عين اللي ما يصلي على النبي. اللهم إلا ابعاد شبابنا عن الكد والبحث العلمي الصارم إلى القول البسيط السهل في نصوصنا ، نكتفي به ونظل عالة على الغرب يكتشف لنا ونستهلك نحن على الجاهز!

ومن منجزات تلك المجامع البواهر ما يقوله الدكتور شوقي عن كيفية سجود الشمس للإله ، يقول سيادته : "فنحن في جوف السماوات السبع ، والسماوات السبع في جوف الكرسي ، والكرسي في جوفه العرش ، فأي مخلوق في السماء الأولى تحت العرش ، وإذا تخيلنا هذا النظام الهندسي للكون "لاحظ هذا كله من هندسة الدكتور ولا علاقة له بنظام الكون فالعلم لم يعرف الكرسي ولا العرش ولا السماوات السبع" المهم يتابع قائلاً : "إذن لعلمنا أن الشمس وهي تجري في السماء الأولى هي تحت السماء السابعة وتحت الكرسي وتحت العرش ، فالشمس أينما ذهبت إنما تسجد تحت العرش 12 / 11 / 2004.

هل فهمتهم شيئاً؟ صاحبنا الدكتور مهتم بتسبيح وسجود الجمادات وحديثها ولغتها ، فهو يقول مرددا عن علي بن أبي طالب : كنت مع النبي في مكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر ولا مدر إلا قال له : السلام عليك يا رسول الله 6/11/2004.

أليست هذه مأساة حقيقية ؟ و إذا كان الله قد منح النبي قدرة فهم لغة الجبال التي لا شك تختلف عن لغة الشجر ، ولغة المدر لغة أخرى بالطبع ، فكيف سمعها علي وفهمها ورواها لنا ؟ يتطوع المفسرون هنا ليؤكدوا أن اللة قد منح عليا بدورة علوم اللغات تلك ، و ما سر الاهتمام اليوم بهذه الشئون الأسطورية ، وماعلاقة المجمع العلمي بالموضوع ؟! وهلا سجل لنا أحد رجال العلم فيه هذه اللغة لنقدمها للعالم بحسبانها كشفاً يليق بنا؟

ومع اشتداد موجات الحر أحياناً تتقدم الصحيفة القومية الأولى بتفسيرها ليس بشرح حركة الرياح والمنخفضات والمرتفعات الجوية ومواسمها ولماذا هذه الحركة دون تلك ولماذا هي حارة أو باردة وكيف تهب ، فإنها تقدم لنا ما وصل إليه الدكتور عزت عطية في حوار خطير أجرته معه علا عامر ، إذ يقول سيادته : "قال رسول الله اشتكت النار إلى ربها وفقالت : رب أكل بعضي بعضاً ، فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر فى الصيف وأشد ما تجدون من الزمهريرفى الشتاء". الدكتور عزت استاذ الحديث بكلية أصول الدين بأزهرنا المبارك يشرح قائلاً لا فض فوه : "فجهنم بشدة نيرانها يمكن أن يتسرب حرها إلى الأجواء التي نعيش فيها ، كما يمكن أيضاً أن يتسرب منها البرد الشديد أو الزمهرير". أما كيف ذلك علمياً ؟ فيقول سيادته : حرارتها العالية "أي جهنم" تنجم عن النيران المتمركزة فتنطلق هذه الحرارة إلى الفضاء فيصل بعضها إلى الأرض ، أما الزمهرير فهو لتعذيب الجن لأنهم خلقوا من نار ، أما البشر مخلوقون من طين فهم يعذبون بالنار".

وتحضر ذات الصحيفة ندوة علمية لهيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة حول الحجامة بين الضوابط الشرعية والأساليب العلمية لتتحفنا بأقوال علمائها لتؤكد لنا أن الدكتورة فاطمة النقلي أستاذة الكيمياء الحيوية بكلية طب بنات الأزهر : "إن الحجامة تسهم في شفاء من معظم الأمراض "لاحظ : معظمها ، لاحظ أيضا أن الدكتورة متخصصة في الكيمياء الحيوية". و "ذلك مثل الصدفية وارتفاع ضغط الدم والروماتويد والسكر وسيلان الدم وتقليل نسبة الدهون". وأشارت إلى أهتمام الأوساط العلمية بجامعة الأزهر بهذا الموضوع وتسجيل أول رسالة ما جستير عن الحجامة 15/6/2003 ، هذا ناهيك عن حوار العقل "هكذا العنوان" بصحيفة الأحرار ، وما نشأ من جدل حول حديث التفلية ، وأن ابن حجر قد أباح للزوجة أن تستضيف صديق زوجها في غيبته لتقوم بتفلية رأسه "31/5/93".

ويشرح ابن حجر معنى التفلية "أي تتبع القمل فيه / رد ا لدكتور محمد السعيد مشتهري".

أليس الزمن القردي تسمية تليق بنا ؟!

وفي 12/4/2004 يكتشف زغلول النجار بالأهرام اكتشافنا لسرعة الضوء قبل اكتشافه في بلاد الغرب الكافر في الإتيان بعرش ملكة سبأ من أرض سبأ إلى بيت المقدس في أقل من طرفة عين ، مما يشير إلى سرعات فائقة تقترب من سرعة الضوء ومثل هذه السرعات الفائقة لم تكن معروفة إلى في القرن العشرين.. وهو ما يعتبر سبقا علميا معجزاً.. لاحظ السبق العلمي هنا لله صاحب تلك القدرة على البشر ؟!

هذا ناهيك عما ينشر باسم الدين ليصادم قوانين الدولة ، بل يخرج عليها بسفور مدهش وتكرار أكثر إدهاشا ويستحق العقوبة القانونية للخروج على النظام العام للدولة ، مثل تكفير القوانين الوضعية لصالح الشريعة الإسلامية ، ولا تعرف ماذا يطلب بن لادن أكثر من ذلك ، ونموذجا عشوائيا لهذا الحشد الدائم ضد نظام الدولة العام وتكراره باعتداء واضح على القانون ، وما جاء في أهرام 24/7/2004 ، وكيف أثبتت الباحثة خديجة النبراوي أن الشريعة الإسلامية كانت ومازالت أفضل السبل للنهوض وتطوير المجتمعات.. خلافاً للقانون الوضعي.. لأنها تمتاز بالدقة والمثالية التي تتفق والفطرة البشرية وتناسب مختلف المجتمعات.

ثم تذكرنا الأهرام بفضيحة اشجار غابة ألمانيا التي تشكلت بشكل عبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله ، والتي ظلت تباع صورها بوسترات في بلادنا في استثمار كاذب ملفق حتى اكتشف الناس أنها لوحة لرسام من المنصورة. و الفضيحة الجديدة شارك فيها تليفزيون مصر تحت عنوان الصورة التي أذهلت العالم والتي قدمها برنامج "صباح الخير يا مصر" وكيف أن الأرض تبدو مظلمة من الفضاء ما عدا نقطتين مضيئتين هما مكة والمدينة، وأن الأقمار الصناعية صورتها فأذهلت وكالة الأنباء الأمريكية ناسا ، هنا تشارك الأهرام باحتجاج طويل عريض للدكتورة أميرة الشنواني التي سجلت تحتا اسمها "دكتوراه في العلوم السياسية" لكن يبدو أنها تعمل في الدعوة والإرشاد والهداية لأنها احتجت أشد الإحتاج على أن نشرات الأخبار في بلادنا لم تذع هذا الخبر ، وكيف شعرت بغضب شديد كيف أننا في بلد إسلامي به الأزهر الشريف ولا يهتم بخبر كهذا ، و رأت أن المسجد الأقصى لم يكن مضيئاً بدوره لأنه تحت الإحتلال 2/2/2004.

مع إشادتها بالإعلامي تامر أمين الذي سرب الخبر لصباح الخير يا مصر ومن تلفازنا لتامر أمين لصباح الخير يا مصر لصحفنا لدكتوراه العلوم السياسية يا قلبي لا تحزن !

هذه يا سادة عينات عشوائية كلها دكاترة تمكنت من عقولهم ألة الكهانة الدينية حتى لا تدري كيف مارس أصحابها البحث العلمي للحصول على تلك الدرجات ، وهو ما يستدعي السؤال إعمالاً لهذا : هل في بلادنا بحث علمي حقاً ؟

وفي ظل هذا اللون من الفكر الذي نعيشه وتظلله تلك المفاهيم يطرح السؤال الأهم نفسه :

هل يمكننا أن نتوقغ خيراً بإعطاء هذا الفكر الحق في سماع شهادته الديمقراطية في صندوق الاقتراع؟!

هذا هو الأهم في كل ما سبق ، إن الجماهير لا تسمع إلا صوتاً واحداً ، وكلهم في انتظار إشارة ساعة الصفر ، فماذا تتوقع من رد فعل سبعين مليون مصري استمر شحنهم طوال ثلاثة عقود بمثل هذا الفكر انتظاراً لعودة صلاح الدين؟!

يبقى أن يبدأ الإصلاح بإصلاح لغتنا ومفاهيمنا قبل أن نفكر في الإصلاح ، أن يعود الوعي إلى بلادنا أولاً ، أن تخرج هذه اللغة وتلك المفاهيم من بلادنا لتعيش مع بن لادن في مفازات الجبال والصحاري ، لتعود مصر إلى مصر ، ويعود شعب مصر إلى مجده الحقيقي الذي سجله للعالم بإرادة وتحد مازال مفخرة كوكب الأرض.

أن يعرف الناس أن في الدنيا شئوناً أخرى غير الدين تقدم بها البشر علماً وسياسة ولغة وفناً وأخلاقاً ، لكن هل توجد رغبة حقيقية في أن يعرفوا ؟!

هذا هو السؤال !!!

نشرت فى روز اليوسف 9/10/2004 العدد 3983

مدينة قرضاوي الفاضلة

قرضاوي تمكن من تأسيس مكان متميز له في الفكر الإسلامي المعاصر بمجموعة ضخمة من الأعمال المكتوبة ، إضافة إلى نشاطه الكثيف في الفضائيات العربية ، ووجوده في جميع المؤتمرات المحلية والدولية مرجعا أعلى ، ومستشارا لبعض حكام الخليج ، وأثار القرضاوي أكثر من مرة جدلا وصخبا بسبب ما يطرح من فتاوي ، كما في فتاواه بشأن زواح المسيار ، وموقفه من مسألة الحجاب في فرنسا ، واستمرار الزوجة المسلمة تحت زواجها المسيحي ، إلى ما كان أكثر إثارة للصخب وهو إعلانه بعد 11 سبتمبر وحضور القوة الأمريكية في منطقتنا بأهداف علنية ، إعلانه الإيمان بالديمقراطية على التزامن والترافق مع مبادرة الإخوان بذات الخصوص في مصر ، إلى فتواه بقتل أي غربي عسكري في العراق – دون قطر بالطبع. حيث أكبر قاعدة أمريكية.

ثم فتواه بجواز جز رؤوس المدنيين عراقيين أو غير عراقيين أو تفجيرهم بغض النظر عمن يقتله التفجير امرأة أو رجلا أو طفلا ، مسلما أو شيعيا أو سنيا ، مسيحيا أو بوذيا أو آشوريا أو كلدانيا ، إنجيليزيا أو طليانيا أو إسبانيا ، أسودا أو أبيضا أو أصفرا ، لا فرق ماداموا من المتعاونين مع الاحتلال الأمريكي للعراق ، كالسباك وكسائق الشاحنة أو الكهربائي أو الحمال الذين يطلبون لقمة العيش بالعمل والعرق ، ويرى أن ذبحهم حلال زلال.. ثقة في إيمان القصاب وقدرته على إصدار الأحكام العادلة بشأنهم ، لذلك لا شك في إثم الضحية التي استحقت الذبح.. ألا يفزع مرة من دم الضحايا الأبرياء على مائدته وهو يتناول طعامه السمين مرة؟ ألم يذكر مرة شبابنا الذين غرر بهم ليذهبوا في عمليات انتحارية ، بينما هو مستمر على شاشات التلفزة يفتي.

ثم مؤخرا في حلقة الأسبوع الماضي على كرسيه المعتاد في قناة الجزيرة قال فضيلته كلاما كثيرا يستحق المناقشة ، ومما قال ان الأمريكان قد بدأوا حشدهم ضد الإسلام قبل أحداث 11 سبتمبر ، "وأنهم رشحوا الإسلام بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عدوا بديلا يجب أن تتوجه إليه مشاعر التعبئة بالكره".

والعارف بمنظومة الحياة الغربية في المجتمعات الحرة لابد أن يجد الشيخ بعيدا بعدا سحيقا عن فهم هذه المنظومة التي لا تعمل وفق عواطف الحب والكراهية ، ولا تدفع جيوشها لقتل مواطنيها بدوافع الكراهية ، ولا تدفع بهم أيضا حبا في أحد ، بل هي فلسفة المنفعة البحتة ، المصلحة وحدها وفي المطلق.

نحن يا شيخ من يفكر بعواطفه ، نحن اليوم وحدنا من لازال يستخدم شيئا غامضا متقلبا اسمه العواطف ، مازلنا نعيش الزمن الكلاسيكي زمن حرب داحس والغبراء دفاعا عن قيمة الضيافة ، زمن تضحية حاتم الطائي بحبه لفرسه فذبحه لضيفه إعلاء لقيمة الكرم. زمن حرب قبائل بكر بن وائل ضد الفرس أنفة وكبرياء لإهانة كسرى لابن النعمان ملك الحيرة ، ذلك كان زمان واليوم زمن آخر ، ذلك كان منهجا واليوم منهج آخر لا نعرفه ولا نفهمه ، فنحن نريد من زمن اليوم أن يتعامل معنا بقواعد زمن مضى فتنعدم لدينا الرؤية ونفقد لغة الكلام المفهومة فنتحدث ونحن بلا أي غطاء من أية قوة عن حقوقنا التي لن نتنازل عنها لأنها حقوق دينية وتاريخية دون أن نفهم أن الحق بدون قوة تسنده هو الباطل نفسه ، وأن قواعد اليوم ليست بما تملك من حق ، لكن بقدر ما تستحق ، أصبحت القاعدة هي الاستحقاق لا الحقوق. وفي مركز التخلف نقبع بثقلنا بين العالمين ثم نعلن إصرارنا على الولاء والبراء ، بموالاة ومحبة المسلم وحده حتى لو كان فلان العبيط أو علان الأكتع ، وكراهية غير المسلم والتبرؤ منه حتى لو كان آينشتين أو إديسون.

إن أمريكا يا مولانا لم تقم قبل 11 سبتمتبر 2001 بحملة تعبئة لكراهية الإسلام والمسلمين ، بل نحن من نكرهها منذ الزمن الناصري المأسوف عليه إلى الزمن الإسلامي الذي يجود بآخر أنفاسه هذه الأيام ، و طوال ذلك الزمن وصلت الكراهية حدا جعلت من كراهية أمريكا دليلا على وطنية المواطن ، دون أن نفهم كيف نمارس كل هذه الكراهية بينما أيدينا تمتد بأخذ المعونة من الأمريكان مليارات؟ أليس ذلك على المستوى الأخلاقي لونا من تدني القيم ، وعلى المستوى الديني دناءة في السلوك؟

مولانا يصرف المسلمين عن مواجهة الحقيقة المؤلمة وهي أنه هو أمثاله متهمون بأنهم أساتذة مدرسة الإرهاب ضد الإنسانية. ومولانا يصرفنا عما ارتكبت أيدي السفهاء منا في 11 سبتمبر إلى فكرة كراهية أمريكا لنا قبل هذا التاريخ ، لذلك استحقت الفعل الكارثة عقوبة لها على كراهيتنا. مولانا يصرفنا عن ضرورة البدء بالتعامل العلمي مع نتائج 11 سبتمبر ، أن العمل العلمي لا يجيده مشايخنا ولا يعرفونه ، والمعنى هو خروجهم من الفعل المترتب على 11 سبتمبر في عالمنا ، أولا لأنهم كانوا مدرسة تفريخ الإرهاب ، وثانيا لأن نتائج ما حدث بدأت بالحدوث ومستمرة بالحدوث وستحدث ، وأنه لا مفر لنا كمواطنين صالحين من البدء بالتعامل مع هذه النتائج برؤية علمية صارمة لا علاقة لها بالمشايخ ، وأن مخاطر عدم التعامل العلمي المدروس مع ما سيحدث ستكون مخاطرة هي الزوال من خريطة التاريخ أو التحول لكائنات أدنى في سلم التطور يمكن استخدامها في العمل البدني الرخيص.

إن صرف النظر إلى الدين ورجاله يخرج بنا من سكة الندامة إلى سكة اللي يروح ما يرجعش ، ويجعل مساحة الفعل في منطقتنا لأمريكا وإسرائيل وحدهما ، ليفعلا في واقعنا ونحن حسبما يطلب منا قرضاوي في دعاء قنوت يسمى " قنوت النوازل.. يعني حينما تنزل بالمسلمين نازلة نقنت في الصوات وندعو على أعداء الإسلام ، وأن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وأن ينصر الإخوة المجاهدين وأن يفك أسر المأسورين " ، ومن ثم لن يبقى في واقع الفعل سوى أمريكا وإسرائيل ، بينما نحن في دعاء القنوت. وفوق هذا ، وبينما هو قانت ، يرفض أي تحرك إيجابي محلي للجدل مع نتائج سبتمبر محليا ودوليا لاحتواء نتائجه الإيجابية ،ويهبط على الديمقراطية التي لم نعرفها إلا من الغرب هبوطا خاطفا ينتقي صندوق الاقتراع وحده دون أسس الديقراطية التأسيسية في الليبرالية العلمانية ، ليتخذ من الديمقراطية ستارا واقيا لتاريخه وتاريخ رفاقه أساتذة مدرسة الإرهاب الدولي ومرجعية هذا الإرهاب الدينية والتي على فتاواها يتحرك الإرهاب ويذبح ويفجر ويقتل ، يأخذ الديمقراطية ويرفض أهلها وأصحابها أن يكون لهم أي وجود ، ومن ثم يشن حملة على الليبرالين أو العلمانيين والحداثيين الجدد كما سارالإصطلاح فيتهمهم بأنهم عملاء للأمريكان "أنظر يا مسلم شيخك في جوار وحمى أكبر قاعدة أمريكية في الشرق ، لم يشر يوما إليها بكلمة ويتهم مفكري الوطن بالعمالة لأمريكا.. تأمل يا مسلم" !!

ثم يقول إن الأمريكان "يريدون أن يعتمدوا على هؤلاء الحداثيين والعلمانيين وأن يولوهم قيادة الأمة ، وأن يضخموهم وأن يفتحوا لهم المجالات في الإعلام والتعليم.. يريدون أن يصنعوا منهم شيئا".

ثم يوجه الخطاب لأمريكا شامتا: "ولن تستطيعوا أن تفعلوا شيئا بهؤلاء لأن هؤلاء مرفوضون من المجتمعات الإسلامية ". تعالوا نفهم ، دعاة الديمقراطية الليبرالية الكاملة هم عملاء لأمريكا لأن قرضاوي لا يريد الديمقراطية الكلية الليبرالية العلمانية أي بحقوقها وقوانينها ، يريد فقط صندوق الاقتراع وحده لهذا لا مانع لديه من تشويه شرفاء الوطن وتلويثهم الذين يؤكدون على الحقوق قبل الصندوق ، ويتهمهم بالعمالة بينما قرضاوي وبطانته هم عملاء تاريخيون للسلاطين ، وعملاء تاريخيون لمصالحهم ، حتى لو كانت ضد مصالح الشعوب ، وعملاء تاريخيون لتاريخ مضى وانقبر ، وعملاء لكل ما هو ضد حقوق والحريات.. قرضاوي بتعامل مع الليبرالية كما لو كانت جماعة أو فرقة دينية ، بينما هم فرادي لا يعرفون بعضهم البعضا ، لأن هكذا الليبرالية ، هي الحرية في المطلق ، لا تعرف الفريق والجماعة ، هي مجموعة قيم ومبادئ يمكنك أنت أن تعتنقها أو غيرك والليبراليون لا يطلبون التسلط على الناس في حماية أمريكا ، إنما هم يريدون أسلم الطرق لمنع الصراع والوصول إلى صيغة يتفق حولها الجميع لشكل الدولة والحكم ، تراعي كل تفاصيل المجتمع بأديانه ومذاهبه ومعتقداته دون تمييز ، هم يطلبونها للناس لا لأنفسهم ، يطلبون أن يتمكن الشعب من الاختيار الحر عن وعي حقيقي وغير مزيف وغير وطني بل قبلي مضحوك عليه من شيوخنا الذين لن يتخلوا عن حق السلطان أو عن تولي الحكم بأنفسهم وولاؤة الناس ، بينما الليبرالية تضع كل هذا بيد الناس ولا تريد حكمهم لا باسم الله ولا باسم الشيطان ولا باسم اي شعارات وادعاءات كانت.

مشايخنا جلسوا فوق أكتافنا ألفا وأربعمائة وخمسة وعشرين عاما ولا يريدون أن يتركوا لغيرهم المشاركة الحقيقية.

أنظر معي تعبيره أن الأمريكان يريدون أن يفتحوا لهم المجالات في الإعلام والتعليم ، تعبير فصيح فضيحة يحمل اعترافا طالما أنكروة ، بأن الليبراليين وأنصار الحريات ممنوعون من الوصول إلى أجهزة الإعلام ، لأنه مادام الأمركيان سيفتحونها لهم فإنها كانت قبل ذلك مغلقة بحلف الفقيه مع السلطان.

ثم يمضي فضيلته مطمئنا نفسه أن هذا الحلف الخائن ما بين الليبراليين العرب وبين الأمريكان لن ينجح ، "لأن هؤلاء مرفوضون من المجتمعات الإسلامية ، وليست لهم شعبية وليس لهم جماهير".

لاحظوا قرضاوي لا يرى في نهاية الطريق سوى كرسي الحكم ، ويتصور أن العلمانيين يصارعون الإسلاميين عليه ، لا يريد أن يفهم أن العلمانية هي فتح باب المنافسة العادلة للجميع مسلم أو مسيحي أو ملحد ، أو رجل أو امرأة ، أو أسود أو أبيض على التساوي الحقوقي الكامل كمواطنين في الدولة الديمقراطية. المنافسة بما يملك كل منهم من مشاريع وبرامج علمية مدروسة من أجل كل مواطن ، وهي منافسة سيخرج منها رجال الدين لأنهم حتى اليوم حتى في احزابهم الدينية لم يقدموا برنامجا واضحا لأنهم لا يعرفون شيئا اسمه المنهج العلمي في التفكير ، لذلك يحارب قرضاوي هذه المنافسة ويعتبرها كفرا. أما قول مولانا أن هؤلاء ليست لهم شعبية فهو إهانة لكل مواطن بشكل فج ومتعال ، لأن معنى قوله أن كل المواطنين يرفضون الحريات ويرفضون حقوق الإنسان ويرفضون إخوانهم في الوطن، معنى ذلك أننا شعب عنصري طائفي ، بل وشعب من العبيد بالفطرة.

أما عن لغته شديدة التعالي مع الاستصغار لشأن المفكرين الليبراليين العرب بقوله : "يريدون أن يصنعوا منهم شيئاً" ، فبحسباني من هؤلاء الليبراليين العلمانيين ولا فخر ، فليسمح لي قارئي بتقديم شهادتي هنا:

فأنا لم يصنعني أحد إنما صنعت نفسي بنفسي يا مولانا ، ولم أتقاض يوما من أحد من الداخل أو الخارج مسلما أو غير مسلم دولة أو أفرادا أو هيئات ومن ثم عشت هم هذا الوطن وكربه مع كرب الحياة والمعيشة واخترت الطريق إلى الحريات خلاصا لأبنائي من بعدي ، وما كان أيسره تحصيل المال والسؤدد والجاه بتخديم ذات المادة العلمية وذات التحليلات للحصول على سعادة الدارين دنيا وآخرة.

رفضت يا مولانا أن أخون وطني وقضيتي ، رفضت أن أكون مرتزقا مقدسا ، ويطيب لي هنا أن أشعر بالزهو بما حققت في أسوأ ظروف ممكنة ، وأن اراهن بشرفي وحدي كعلماني محترم أمام شرفكم كل سادتي القرضاويين.

لماذا لا ترد سيدي قرضاوي على ما نسوق بوجهك من حجج وتحليل لعلك تستمتع به؟

لماذا لا تقبل لقائي على أية فضائية في مبارزة تجمعنا معا فقط دون تدخل ودون فخاخ الجزيرة المعروفة ، لنطرح الأمر على مائدة النقاش ، والباب مفتوح لك يا سيدي والكرة في ملعبك ، لعلك تهديني لمدرستك فأعود عما أنا فيه من غي وبغي وخيانة للوطن في حضن أمريكا؟ أو لعلك تأخذ الخطوة الأخيرة نحو العلمانية.

ثم العلمانيون ليسوا فقط عملاء لأمريكا ، بل إنهم ضد الإسلام رغم أعترافهم بأنهم مسلمون ، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا بمسلمين لأنه "فيه فرق بين مسلم وإسلامي.. هناك تيار قومي وتيار إسلامي وتيار شيوعي".. مولانا يدقق هنا المصطلحات لأن هناك فرقا بين المسلم والإسلامي ، وحسبما نفهم من عرضه للتيارين الأيديولوجية فالمعنى أن المسلم إن لم ينخرط في تيار إسلامي سياسي فهو ليس بمسلم ؟! باختصار كلنا غير مسلمين لأننا غير أعضاء في تيار الإخوان.

ثم يتساءل : "كيف سيقود الأمة الإسلامية من لا يؤمن بالإسلام مرجعا؟ " قرضاوي يحدثنا عن أمة إسلامية وهمية وشايل هم القائد الذي سيقودها. إنه حديث زمن البعير والخيل والليل والسيف هو هو ، إنه لا يلتفت إلى أن الأمة مناط الحديث اليوم هي الأمة المصرية ، وأن هذه الأمة تتشكل من ضفائر مختلفة الأديان والمذاهب والعناصر وأن أي حديث يجب أن يراعى قوة هذه الضفائر ولا يحدثنا عن الأمة الإسلامية المأسوف على شبابها لأنها تكاد تكون أقصر الإمبراطوريات عمراً في التاريخ.

قرضاوي يفصح عن أحلامه الأسطورية ، فيتحدث هنا عن صراع على قيادة أمة المسلمين "أمة كده وكده!!" وأن العلمانيين طرف في هذا الصراع ، بينما العلمانيون لا تشغلهم الأمة الموهومة في شيء ، إلا كما تشغلهم مصالح وطنهم الخارجية مع أي دولة أخرى ، لا يملكون عواطف جياشة تجاة حسناوات البوسنة ، ولا صبايا الشيشان ، نحن مشغولون فقط بمصر يا مولانا على الأقل في المرحلة الحالية ، وفي ظل المناخ العالمي المعلوم ، فإن أحلامنا متواضعة وبسيطة تتمثل في مجموعة مبادئ وحقوق وحريات لا يرفضها سوى المستفيد من تخلف الوطن وكل من هو ضد المواطنين ، أحلامنا حقوق إنسان كاملة ، حق الحياة الآمنة الحرة الكريمة ، حق الاعتقاد والإعلان عنه وحمايته وصيانته مطلقا ،حقوق كاملة متساوية للمرأة والأقباط والمسلمين وكل الملل والنحل والأعراق. باختصار الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية وطبقتها الدولة المتقدمة فتقدمت ، نحن لا تشغلنا القيادة والزعامة يا مولانا لأنه في حال تطبيق مبادئنا السامية الرفيعة النبيلة الشريفة الوطنية المخلصة ، سنكون كأفراد قد خرجنا إلى مساحة المواطن الفرد كأي مواطن آخر ، يشكل وجوده في ساحة الفعل بما يمكنه إثباته للجماهير كي يتأهل للقيادة فهو فكر لكل الناس بمن فيهم أنت يا مولانا ، وساحة منافسة لكل مواطن حتى لو كان هذا المواطن هو أنت يا مولانا.

مشكلتنا كليبراليين عند سيدنا هي أن مجتمعنا يرفضا ، لأننا ضد تطبيق العقوبات الجسدية باعتبرا أن الزمن قد تجاوزها ، وأنها ضد حقوق الإنسان التي نؤمن بها ، لأن المجتمع قد أصبح أشد تعقيدا من زمن تلك العقوبات وأصبح إثبات الجرم من عدمه مسألة أكثر تعقيدا ، مما يمكن أن تقطع معه يد أحدهم لنكتشف براءته من بعد. يقول سيدنا : إنهم ضد الجلد والبتر والرجم والحجاب ومع الأقليات وحقوق الإنسان و" ده اللي بيجعلنا نقول أن المجتمع الإسلامي يرفض هؤلاء، لأن هؤلاء يرفضون حدود الله ". وهي تهمة أصبحت ماسخة ولا طعم لها لأن هذه الحدود لم تطبق عبر تاريخ الإمبراطورية الإسلامية إلا في حالات فرادي نادرة ، لأنها لم تجد السبيل المؤسسي للتنفيذ السليم ، فلماذا ينزعج قرضاوي من رفضها اليوم؟

قرضاوي يقول إنهم عندما يركبون الكراسي "لا سمح الله" سيقيمون دولة الإسلام الديمقراطي ، أما كيف ذلك فهو ما جاء في قوله : "عندنا في الإسلام أهل الحل والعقد، ولم يفصلوا لنا كيف نصل إلى أهل الحل والعقد ، الآن الديمقراطية وصلت.. بطريقة الانتخابات نحن لا نقول بأن أول شئ نعمله هو إقامة الحدود على الناس ونقطع يد السارق فقبل أن نقطع يد السارق نطعم الجائع ، ونكسو العاري ، ونشغل العاطل ، ونعلم الجاهل ، ونداوي المريض ، ونكفل المحتاج ونؤوي المشرد ، ونكفل اليتيم ، والزنى لا يمكن أن يثبت بالبينة لأنه كيف يرى أربعة من الناس العملية الجنسية ، هذا عمره ما ثبت في التراث الإسلامي الأول عن طريق الشهود".

ها قد خلق قرضاوي قناع مستر هايد ولبس قناع مستر جيكل ، ففي دولتهم عبر ألف وأربعمائة سنة لم تعثر الأمة كلها على طريق يعرفون به من هم أهل الحل والعقد ولا كيفية العثور عليهم ولا من هم؟

هل هم الجند أم المشايخ أم الأعيان أم العائلة المالكة؟ حتى وصلت الديمقراطية الغربية بطريقتها في الاقتراع بالانتخاب لتشكيل برلمان الدولة الإسلامية الديمقراطية ، ولا تعرف ما أضاف هنا سوى تسمية المنتخبين ديمقراطيا بأهل الحل والعقد ؟!
اللهم إلا إذا كانت دولة الإسلام الديمقراطية المرتقبة ستكون إسلامية ، بمعنى أنها تحت سيطرة التيار الإسلامي باعتبار أعضائه هم فقط المسلمون. وفي هذه الحال سيتم انتخاب 400 مفتي وكل مفتي وظروفه ، وكل مفتى وما يريد من الفتوى ، والفتوى كما تعلم تشريع ، يعني سيكون عندنا مولد فتاوي ، هذا إضافة لفتاوي الفضائيات والصحف والجماعات المسلحة وخريجي الأزهر ، فيزدهر التشريع ، وتتضارب القوانين ونعيش سمك لبن تمر هندي في أمة الفتوى العظمى.

ثم لماذا كل هذا الجهد والترشيح والانتخابات والبرلمان لوضع تشريعات ، فمادامت الفتوى تشريعا يكفينا قرضاوي مفردا يفتي ويشرع وحده ، لكنه في هذا الحال لابد أن يثبت أنه ديمقراطي ، بأن يفسر لنا لماذا يفتي دون أن ننتخبه ؟

والغريب مع سيدنا وهو ينعى علينا رفض العقوبات البدنية أنه يفعل فعلنا ويسير على دربنا ويأخذ ما قلنا على صفحات هذه المجلة منذ ست سنوات قبل سبتمبر 2001 حلا لمشاكلنا بأيدينا قبل أن يأتينا عمرو ، وها قد أتى عمرو ، أو بوش ، فيأخذ قرضاوي ما سبق وقلناه كسبيل لتطوير فهمنا عن الإسلام بما يسمح بقبول الحداثة والتغيير في بلادنا. وهذه آفة مشايخنا إنهم يحتاجون لمن يفكر لهم !!

وكان ملخص ما طرحت هو الاقتداء بفعل بعض الصحابة الكبار في التجرؤ على الحدود حسب مصلحة الزمن والمكان ، وبرأي بعض الفقهاء بهذا الشأن من باب تعطيل بعض الحدود للحريات ، وبأخذ حق تغيير بعض الحدود كما هي ، نصيب المرأة من الميراث أو شهادتها أو ما إلى ذلك ، لإيقاف هذه الأحكام نهائيا بما لا يسئ لقناعات المسلمين. فيأتي مولانا سائرا على درب الليبرالي المتواضع شخصي الضعيف ليحل مشاكل دولته الإسلامية الديمقراطية ، بأن الخليفة عمر أوقف الحد وأنه يمكننا قياسا عليه إيقاف الحد وأنه يمكننا قياسا عليه إيقاف الحد حتى نطعم الجائع ونكسو العاري إلى آخر تفاصيل مدينته الفاضلة الكاملة ، وهكذا يعطل مولانا الحد إلى الأبد وأكون الفائز بالسبق لأن مدينة خيالية كهذه لن يكون فيها سارق نقيم عليه الحد. ويكون قرضاوي قد وقف في خندقنا لإنقاذ دولته الديمقراطية الإسلامية بينما هو يكفرنا لهذه الأسباب تحديدا.

ومعنى كلام مولانا هو تعطيل الحدود التي نصل إلى زمن الوفرة رغم أنه يعلم أنه زمن الخلفاء الراشدين وغير الراشدين بعد أن عادت الفتوحات على الصحابة بثروات عظيمة وتحولت حياتهم من ضنك وشدة إلى وفرة وثراء ، ومع ذلك سرق الصحابة بيت مال المسلمين أكثر من مرة "حبر الأمة كبير المحدثين عبد الله بن عباس مثلا" ولم يقم عليه الحد زمن الوفرة والرخاء كما يطلب مولانا.

ومنذ فتح بدو الجزيرة بلادنا ونحن ننتظر هذا الحلم الذي لم يتحقق تحت تاريخ دولة الخلافة الطويل ، وتحت سلطان مشايخنا حتى اليوم. المقصود أن من سرق من كبار الصحابة لم يطبق عليه الحد المراد تطبيقه زمن الوفرة المقبل ، كما لم يطبق الحد على من سرقوا منا الوطن كله.

السؤال الهام هنا حتى متى ننتظر هذا الحلم الجميل عندما يعم الرخاء لنبدأ في تقطيع أوصال المسلمين كلون من ترف التسلية زمن الوفرة لتعمنا السعادة ونعيش في حبور؟

السؤال الأهم هو : خلال فترة انتظار مدينة القرضاوي الفاضلة الكاملة ماذا ستكون عقوبة السارق؟ هنا لا مفر أمام قرضاوي من قانوننا الوضعي لضبط المجتمع المسلم حتى يتحقق حلم المجتمع المثالي.

ألا ترون أن قرضاوي يدعونا هنا بدعوى الجاهليين للنبي أن يعبد ربهم عاما ويعبدوا ربه عاما؟ أن نطبق القانون الوضعي سنوات القحط ونطبق الشريعة سنوات الوفرة؟ وهنا هل ستقوم دار الإفتاء باستطلاع هلال السنوات المقبلة هل هي "فقر دكر" نعطل فيها الحدود أم هي سنوات وفرة وخير حتى نتهيأ لتوفير النكد للناس في حياتهم السعيدة بالجلد والقطع.

وفي تأكيد الشيخ على استحالة إثبات الزنى ، وأن ذلك لم يحدث في تاريخ الدولة الإسلام ما يمكن أن يؤدي إلى تصريح لجماعات محبي الزنى وجماعات الفسق والفجور للإنطلاق والعمل بإخلاص لأن تشريعات ديننا تعجز عن مواجهة جرائمهم لأنها لا تملك آليات إثبات الجريمة ، بينما لدينا في القوانين الوضعية التي يرفضها قرضاوي ما هو رادع وعادل.

لم يبق أمام قرضاوي سوى خطوة أخيرة بعدما قدم من تنازلات وأخذه بحلولنا رغم أنه ألقاها مبتورة من سياقها البحثي الذي تعبنا عليه ، على أية حال سامحه الله ، لم يبق سوى خطوة تضعه بين الليبرالين. الحق أقول لكم أنه أبدا لن يأخذ هذه الخطوة ، لا هو ولا أي متكسب من الإسلام ولا كل أصحاب المصلحة في تخلفنا المزري ، لأنه هكذا الإنسان ، سواء كان داعية أو كان ملحداً.

إن قرضاوي في النهاية ليس شخصا مثلنا يمكن أن يكون ليبراليا أو يكون شيوعيا ، لأنه صاحب مهمة مقدسة. أفصح القرضاوي أخيرا عن سره المقدس الباتع ، عندما قال بكل اجتراء أنه مبعوث العناية الربانية ، أو بنص ما قال : "ربنا كلفني أن أدافع عن هذه الأمة" أليست هذه العبارة تفصح عن لون من البارانويا وأن هناك ذاتا مقدسة تسكن نفس قرضاوي دون أن يدري؟ إن قرضاوي لن يجد أمامه سبيلا لإثبات صدق هذا التكليف القدسي سوى شهادة رب العزة بنفسه وهي ما لا سبيل إليه ، ولو تركنا مثل هذا الشأن لضمير كل من يرى نفسه مبعوثا لسوق الناس إلى الجنة بالسياط ، لامتلآت الأرض بالأنبياء الكذبة ، لا يبقى إلا أن يبرز لنا قرضاوي لإثبات صدقه هذا التكليف مكتوبا وممهورا أو أن يسحب ما قال ، فقد انتهى زمنه كما انتهى زمن الأنبياء.

نشرت فى روز اليوسف 18/12/2004 العدد 3993

هل الإسلام هو الحل؟

عندما خرج العرب من جزيرتهم يحتلون دول الحضارات المحيطة بهم في القرن السابع الميلادي تحت راية الاسلام , كان قد تم وضع تعريف اسلامي للون جديد من الحرب , فالحرب المعتادة عبر التاريخ في مجموعها تندرج في نوعين : فهي اما حرب دفاعية أو حرب هجومية , أما الجديد الاسلامي فهو مفهوم يخلط كلا اللونين تحت اصطلاح الجهاد الذي يعني حربا دائمة في المطلق , لا تتوقف ما دام في الارض شخصا واحدا لم يعلن اسلامه بعد. أو لم يدفع الجزية للمسلمين اعلانا عن الخضوع واثباتا لسيادة المسلمين. لان المبدأ الاسلامي الجهادي يقوم علي عرض ثلاث خيارات علي غير المسلمين وهي: الاسلام أو الجزية أو الحرب.

وجهاد الفتوح يعد فقهيا من الفروض الاسلامية الاساسية مثله مثل الصلاة والصيام ويسمي فرض كفاية , أي يكفي أن يقوم به القادرون علي القتال من المسلمين ليسقط التكليف عن بقية المسلمين , ولكن بشرط اعانة المسلمين غير المقاتلين للمسلمين المقاتلين بالمال والدعم والسلاح وكل ما هو ممكن , واذا توقف هذا الجهاد فقد أثم كل المسلمين واستحققوا عقوبة ربانية بالذل والمسكنة والهوان , لذلك رأي المسلمون المعاصرون ان تخلفهم الحالي ، وضعفهم وهوانهم ، كان نتيجة تخليهم المؤقت عن فريضة الجهاد.

ولان خروج أي جيش بحروبه خارج حدود أرضه الوطنية هو عدوان علي بلاد الآخرين , ولأن الاسلام دين يفترض فيه أن يكون ضد العدوان علي الآمنين كأي دين أخر ، فقد تم تبرير هذا العدوان الغازي لاحتلال البلاد المحيطة بالجزيرة , بدمج الحرب الدفاعية بالحرب الهجومية تحت مسمي اصطلاحى واحد هو (الجهاد) الوارد في القرآن , وانه أمر الهي وليس بشريا لا يملك المسلم معه الا الطاعة والامتثال للقرار الالهي , فتصبح جريمة العدوان علي الآمنين ليست بجريمة لان من أمر بها هو الله , والله لا يأمر الا بالخير , حتي لو ظهرت عدوانا ، لانها في النهاية تمكينا لدين الله في الارض ، ويكون المدافع عن عرضة ووطنة وممتلكاتة هو المجرم ، لأنة يقف فى طريق نشر دعوة السماء.

لذلك كان العدوان علي غير المسلمين وحتي اليوم من وجهة النظر الاسلامية هو شرع مشروع ، وهو الخير نفسه ، بل انه أفضل عبادة يتقرب بها المسلم الى ربه , لانها تصل الي قتل المسلم نفسه في حروب ذلك الزمان بالسلاح الابيض ، الذي كان لابد فيه من افتراض موت المحارب , وفي حال موته فان موته يسمي استشهادا في سبيل الله يدخل بموجبه جنات الله السماوية عريسا تزفه الملائكة للحور العين , ومع تحولات الزمن وتطور أدوات الحرب التي يمكن بها القتال دون موت المقاتل أو تقليل نسبة الموت , فان المسلم يحنط التاريخ من بابين : الاول هو تقديس الفعل الأرهابى الحالى ، والثانى من باب اعتقاد سحرى قديم وهو ان الشبية ينتج الشبية فيذهب ليس بغرض القتال بل بغرض الموت شهيدا ، أى الاستشهاد بقتل نفسه قربانا للرب حتي يحوز الرضي الالهي ومكانا أفضل في جناته. وحتى ينتج الشبية شبيهة فينصر الرب المسلمين اليوم وهم فى ضعف وهوان كما سبق ونصر المسلمين الاوائل وهم أذلة على امبراطوريات زمانهم عندما جاهدوا طلبا للشهادة ..........او هكذا يعتقدون.

ومع مفهوم الجهاد الاسلامي هذا لن تجد في علوم الفقه الاسلامي فقها للدفاع عن الوطن لان الوطنية في الاسلام كفر , لان وطن المسلم هو الاسلام ذاته , ومساحته الجغرافية هي العالم كله.

لذلك يقول الشيخ ( يوسف القرضاوى ) ملخصا موقف الأسلام من الوطنية بقولة : " ليس بمجتمع مسلم ذلك الذى ننقدم فية العصبية الوطنية على الأخوة الأسلامية حتى يقول المسلم وطنى قبل دينى" ثم يجعل الوطنية كفراوعبادة اوثان ، وان " دار الأسلام ليس لها رقعة محددة " ويترتب على ذلك ان تكون " مشاعر الولاء للأسلام واهلة هى التى تقود المجتمع وكذلك مشاعر البغض لأعداء الأسلام" من كتابة : ملامح المجتمع المسلم الذى ننشدة - مكتبة وهبة - القاهرة -2001 - ص : 86، 24 80 ،57 أو قولة فى كتاب أخر : ان الوطنية هى من صناعة الدول الأستعمارية بغرض تفكيك وحدة المسلمين او بنص كلامة " فى واقع مصر والوطن العربى والأسلامى .. شجع المستعمرون النعرة الوطنية هادفين الى ان يحل الوطن محل الدين ، وأن يكون الولاء للوطن لا للة وان يقسم الناس بالوطن لا باللة وان يموتوا فى سبيل الوطن لا فى سبيل اللة - كتابة الأخوان المسلمون - مكتبة وهبة - 1999 ص 18 ،19. لكنك ستجد بدلا من مفهوم الوطنية أبوابا طوال لفقه الجهاد ، الذي كان عبر التاريخ هو الاعتداء الدائم علي غير المسلمين واحتلال بلادهم وتحويلها الي بلاد مسلمة كلما كان ذلك ممكنا. وقد أسمي القرآن وأحاديث النبي محمد هذا الفعل باسمه الصريح دون مواربة أو تحرج , كان (غزوا) ولا زال حتي غزوتى نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001 المباركتين!. وهو فعل راق مقدس لا يشين صاحبه بل يشرفه و يرفعه درجات عليا من السمو. مثلما كانت أفعال القتل الجماعي في سيناء بأمر موسي النبي , أو مجازر يشوع , او حروب داود ، وكلها بذوق اليوم جرائم قتل جماعي ، لكنها زمانهم كانت افعالا مقدسة لانهم كانوا انبياء يتلقون اوامرهم من السماء , وسجل العهد القديم من الكتاب المقدس ذلك بوضوح شفاف ودون تزويق ، ودون أن يشعر المحرر بأي حرج فيما دونه. الفرق هنا أن ما جاء بالعهد القديم وغبرة من كتب الأديان الأخرى ، قد أصبح قديما وانتهي بنهاية زمنه وأصبح مجرد فولكلور للمؤمن به , بينما هو في الاسلام حي قائم فاعل مستمر حتي اليوم.

كذلك كانت مهنة الحرب في تلك الازمنة الخوالي مهنة نبيلة شريفة عند مختلف الامم , لانها كانت تعود علي المحارب بالجاه والمال والمكانة الاجتماعية , و كانت كذلك في الاسلام , لكن الاسلام أعطاها زخما جديدا فأصبحت اضافة لشرفها ونبلها حرفة مقدسة , وأباح الاسلام للمحارب المسلم الاستيلاء علي كل ممتلكات غريمه بعد أن أباح له دمه , سواء كانت تلك الممتلكات مال أو عقار , أو حتي نساء وأطفال أو رجال أسري , يتم بيعهم في أسواق النخاسة , فكانت مهنة الجهاد مصدر ربح عظيم للمسلم المجاهد فحاز المكانة الاجتماعية الرفيعة وصار ينظر اليه حتي اليوم بحسبانه بطلا مقدسا اسطوريا يتماهي في شخصه كل المسلمين. ونموذجا لذلك سفاح تاريخي لا مثيل له هو خالد بن الوليد الفاتح الدموي لبلاد العراق ؛ الذى كان يتسلى ويتلذذ بلذة القتل للقتل ، ومع ذلك هو في نظر المسلمين نموذجا مقدسا وصفه الخليفة أبو بكر بأنه " سيف الله المسلول" ، ووصفه مرة اخرى بقوله : " عجزت الولائد أن يلدن مثل خالد" ، و من ثم شكل خالد نموذجا يحلم المسلمون اليوم برجل مثله يقودهم لفنح بلاد العالم مرة أخري.

في تلك الازمان كان شعار الجيوش الاسلامية الفاتحة لبلاد الآخرين هو : "الاسلام أو الجزية أو الحرب".

كان هذا ما يعرضه خالد بن الوليد ، أو عمرو بن العاص ، أو القعقاع أو غيرهم من قواد الجيوش الاسلامية علي الشعوب الاخري. ويبدو الشعار دعوة لدين جديد لكن الحقيقة لم تكن ابدا كذلك , لانهم لو كانوا يقصدون الدعوة لدينهم الجديد حقا , لأعطوا الناس فرصة للتفكير في هذا الدين الجديد , ولاصطحب الجيوش معها فقهاء الدين لشرحه للناس قبل القتال , وعقد المناظرات مع أصحاب الديانات السابقة لاثبات تفوق الاسلام علي غيره من أديان ، لكن ذلك كله لم يكن واردا ، ولم يحدث ولا مرة واحدة في تاريخ الجهاد الاسلامي.

هذا رغم أن خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما من أبطال الجهاد قد ظلوا على دين قومهم بل وقادوا جيوش مكة ضد المسلمين فى أكثر من موقعة ، ومن ثم استغرقوا سنوات طوال منذ بدء الدعوة الاسلامية حتي قرروا اعلان اسلامهم ، وانضمامهم للقوة الجديدة المنتصرة في جزيرة العرب.

بينما الجيوش الاسلامية الفاتحة بقيادة هؤلاء انفسهم ، عندما كانت تصل في سيرها الفاتح أبواب أي مدينة كانت تطلب اجابة فورية واضحة علي العرض : الاسلام أو الجزية أو الحرب. رغم أن قواد الجيوش المسلمة أنفسهم لو سألناهم عما هو الاسلام ما أجابونا اجابة واضحة , لأن القرآن الكتاب المقدس الاول لم يكن قد تم جمعه بعد , وكان المسلم يكتفي بحفظ بضع آيات يستخدمها في صلاته , ولم يكن بين هذه الجيوش أحد من حفاظ القرآن ، بعد أن تم التحفظ عليهم في يثرب عاصمة المسلمين حفاظا علي حياتهم ، بعد موت اكثرهم في حروب المنشقين علي الدولة في الجزيرة (حروب الردة). كذلك لم تكن احاديث النبي قد تم جمعها وتدوينها بدورها ، ولم يتم ذلك الا بعد مرور قرن ونصف من الزمان , ولا كانت علوم الفقه قد ظهرت بعد , بل ولم تكن لغة العرب نفسها قد تم وضعها في شكل قواعد واضحة متفق عليها.

ان شعار الاسلام أو الجزية أو الحرب ، لم يكن هدفه الحقيقى هو دين الاسلام أو أسلمة البلاد المفتوحة. بقدر ما كان اخضاعا لهذه البلاد لسيادة العرب , وتبرير جرائم القتل والابادة الجماعية والنهب والسبي ، بكون الجيوش العربية مسيرة بأمر الرب لنشر دينه , لأن سلب الممتلكات أو سبي النساء أو أسر الاطفال وبيعهم في أسواق العبيد ، كان حق الرب الذي شرحه في القرآن وأوضحه بلا لبس , وكان العرب ينفذون ارادته القدسية , لذلك كانوا يسقطون الجزية والاسر والقنل عمن يخضع للرب ويعلن اسلامه.

ولأن المثل العربي يقول: "كل عربي تاجر" وهي حقيقة تاريخية معلومة , فقد كانوا تجار العالم القديم بعد أن انقطعت طرق التجارة العالمية ، خلال زمن طويل قبل الاسلام بسبب حرب الفرس والروم ، ولم يبق أمنا لها سوي صحراء الجزيرة التي لم يرغب فيها لا الفرس ولا الروم , ومن ثم أصبح العرب تجار العالم القديم بلا منازع. اصبح الجهاد صفقة علي طريقة التجار , صفقة بين الله وبين العرب , يقوم بموجبها العرب باخضاع العالم للعبودية لله , مقابل أخذ نصيبهم من الصفقة أموال ونساء واطفال وارض المهزوم. وبموجب هذه الصفقة تنازل الله لهم عن حقه في الغنائم ، والتي كان يأمر في العهد القديم بحرقها جميعا للرب ( انظر سفر الخروج والعدد ويشوع ) , لكنه قرر تركها للمسلمين في حديث النبي محمد " أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد من قبلنا" ، وأكد القرآن تنازل الرب عن عن حقه في الغنائم للمسلمين بدلا من حرقها ، وأنها حلال مشروع بقول القرآن للمسلمين " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا". والوصف طيبا هنا يضيف الي شرعية الغنائم صفة الخيرية أيضا والشرف وطهارة المصدر. هذا باختصار ما كان عن مفهوم الجهاد منذ ظهوره , ويزعم كاتب هذه السطور أن هذا الشعار لا زال قائما وتمت استعادته بعد تحوير طفيف , هو شعار الاخوان المسلمين " الاسلام هو الحل" ومعني ان يكون الاسلام هو الحل , ان العلم الحديث الذي ادي لتقدم العالم كله ليس هو الحل لتخلف بلاد المسلمين , وهو ما يعني ضمنا تنشيط الخرافة وروح التواكل والاعتماد علي الله وليس علي العقل ، وهو ما يعني ايضا أن الديمقراطية ليست هي الحل , الاسلام هو الحل وليس عقلي ولا علمي ولا يدي ولا ديمقراطيتي ولا حقوقي الانسانية هى الحل.

شعار يرفض أي طريق للحل سوي ذاته , شعار يعني عدم اللجوء للحلول البشرية ما دامت لدينا الحلول الالهية , والحلول الالهية تقوم أساسا علي تعبد المسلم لربه , بالصلاة والصيام والحج والدعاء وغيرة ، وهو كفيل بانقاذه وانقاذ امة المسلمين. وأعلي درجات هذا التعبد هي الجهاد لاحتلال بلاد الآخرين ، ونزح خيراتها الي بلاد المسلمين فيتم حل كل مشاكل المسلمين.

لذلك حصد الاخوان في الانتخابات التشريعية ما حصدوا من أصوات لأن شعار الاسلام هو الحل ، هو شعار كل مسلم وليس شعار الاخوان وحدهم , ولو كانت في مصر انتخابات نزيهة حقيقية لاكتسح "الاسلام هو الحل" كل الاحزاب الاخري , ليس لأن الاخوان جماعة منظمة تنظيما دقيقا كما يبرر المتفلسفون ، وليس لانها حقيقة واقعة في المجتمع وفي الشارع المصري اثبتت نشاطها التنظيمي القوي حسبما يري المنظرون السياسيون , فليس مثل تلك الاسباب وراء تصويت المسلم المصري للجماعة , لانه ليس هكذا يفكر رجل الشارع المصري , المصري يستشعر الهوان والتخلف والفقر والهزيمة , ويعتبر ان ذلك بسبب آثامه وبعده عن طريق الله حسبما يقرعه مشايخ القنوات التليفزيونية صباحا ومساء , ومن ثم يري في الجماعة نموذجا للتقوي والالتزام , وانها هي الاقرب الي الله , وانها لو حكمت مصر فان الله سينصرها لانها الاكثر طهرا وقربا من رب الاسلام , فهم ملتحون مصلون صائمون حريصون علي اداء الصلوات الجامعة , نساءهم منقبات قانتات , هم نموذج الصحابة الاوائل للنبي الذين تدخل الله بنفسه من أجلهم ، ورفعهم من الذل والفقر الي التمكين والعز والقوة وفتح بهم بلاد العالم.

ان الشارع المصري عندما يعطيهم صوته فهو يعطيه لما يتصور انه الاسلام الذي يرضي عنه الرب , لذلك لم يجد الاخوان أي بأس في استثمار هذه المشاعر الفطرية البسيطة فكان اعلانهم عن أنفسهم في الانتخابات للمواطن (اعطي صوتك لله) , (لا ميثاق ولا دستور. قال الله وقال الرسول).

المصري يري الفارق الهائل بين العالم المتقدم وبين بلاد المسلمين فلا يري أي امكان للحاق بالمتفوقين بجهودهم البشرية , ومن ثم فلا حل سوي ان يتدخل الله بنفسه لينقذ امته المختارة بنفسه , فيعطيه صوته , يعطيه للاخوان.

يعطيهم صوته ليتدخل الله وينتقم من اليهود والنصاري (وعادة ما يتم تركيز الكراهية هنا على اسرائيل وامريكا) الذين اهانوا المسلمين بتفوقهم ، ويرفع شأن المسلمين الي مقام السيادة الموعودة ربانيا. لذلك يقدم الاخوان أنفسهم للناس بوصف أنفسهم بأنهم المسلمون , لتعميق شعور بقية المسلمين بأنهم غير مسلمين حقا بل آثمون خطائون. لذلك يلتزم الاخوان المظاهر الدينية التي تجعلهم في نظر البسطاء من مسلمي اليوم كالصحابة الاوائل , ومع هذا الاسلام المخلص النقي يصبح شعار (الاسلام هو الحل) هو الحامل للشعار القديم , هو الحل لعرض الشعار القديم علي العالم القوي الكافر: الاسلام أو الجزية أو الحرب. ويحمل الشعار الجديد حماية الرب الذي كان يحمي الشعار القديم ، فاحتل المسلمون به نصف العالم القديم المعروف زمانهم. الشعار يعني ان الرب سيكون راضيا عن الاخوان ورضاه يعني تسليمهم حقهم في الصفقة التجارية ، ليكونوا أصحاب الحق في الحكم والادارة , وان هذه ارادته ورغبته ، لان الحكم بالاسلام فرض شرعي يعلنه الاخوان دوما ، بتأكيدهم أنهم سيحكمون بالشريعة الاسلامية , وهو الحكم الكفيل بتأكيد الصلح مع الله , ليعود رضاه علي المسلمين فيقوي شأنهم ، ويعودوا سادة العالم من جديد.

الشعار يتضمن أيضا معني أن الاسلام كما هو الحل فهو الغرض والهدف , وان الاخوان انما ينفذون مشيئة الله ولا يبغون من وراء ذلك مكسبا ولا مغنما ، فهم لا يريدون من الوصول الى السلطة وحكم البلاد الا خير الاسلام والمسلمين ، مثلهم مثل الصحابة الاوائل الاطهار , هو ذات ما كان يقوله هؤلاء الصحابة القدامي بشعار الاسلام أو الجزية أو الحرب , لكنهم عندما تمكنوا قتلوا وذبحوا وسلخوا ونهبوا واغتصبوا.

وقد كتب صاحب هذا القلم منذ حوالي عام بمجلة روزاليوسف القاهرية ان ما يفعله الاخوان في مصر بمبادئهم الوهابية هو اعادة فتح عربى- هذة المرة سعودي - لمصر كرة أخري ، في موضوع بعنوان (ثأر الدرعية واعادة فتح مصر) , وبعد اشهر , ولأن النبوءة صحيحة , فقد أعلن الاخوان ذلك وبنفس التعبير والمعني ، في وثيقة خيرت الشاطر بعنوان (فتح مصر) ، ليثبت صدق صاحب هذا القلم. انهم يعيدون فتحها ليس بالشعار القادم من الخارج: الاسلام أو الجزية أو الحرب , انما بشعار جديد يتناسب واعادة احتلال مصر من الداخل ، والتسلط عليها بشعار الاسلام هو الحل. وهذا الحكم أو التسلط يسمونه اليوم (التمكين) ، وعندما تمكن اسلافهم من قبل فعلوا ببلادنا وشعوبنا الاهوال ، فماذا عن تمكين الاخوان واعادة فتح مصر من الداخل؟

وكما ردد الصحابة الاوائل الفاتحون شعارات جميلة من قبيل ان الناس يتساوون كأسنان المشط ، وأنه لا فضل لعربي علي أعجمي , وانه متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا , وانه لو عثرت دابة بالعراق لسأل الله عنها الخليفة بالحجاز , وان الدعوة للاسلام تكون بالحكمة والموعظة الحسنة.. لم يطبق أي من هذه الشعارات في حروب الفتوح يوما بل كان ما يطبق هو الذبح والسلخ والنهب والاسر والسبي.. باختصار الاسلام أو الجزية أو القتل.. فان الاخوان المسلمين يرددون نفس الكلام اللطيف ولكن مأخوذا من مونتسكيو ، وجان جاك روسو ، وفولتير , فيحدثوننا عن الحريات وحقوق الانسان والشوري التي سبقت الديمقراطية، لكن شعارهم (الاسلام هو الحل) يستبعد فورا كل هذه الكلام الجميل ، لان واقع الاسلام الاول الذي يريدون استعادته ، لا يعرف شيئا عن المساواة ولا الحريات ولا حقوق الانسان فكلها مفاهيم معاصرة بنت زماننا اليوم , ناهيك عن كون تطبيقات المسلمين الاوائل لم تعرف لا المساواة ولا الحرية ولا الحقوق ، حتي بمفاهيم زمانها و ماقبل زمانها كما في دساتير روما أو كمافى ديمقراطية أثينا مثلا. وعليه لا يبقي من الشعار سوي انه ليس العقل ولا التفكير العلمي الذي انتج مفاهيم زماننا عن الحريات والحقوق والتقدم , ولا الديمقراطية ، هي أحد الحلول الناجعة لمجتمعاتنا التي يزعمون أن لها خصوصية دون كل البشرية لا يصلح معها الا الاسلام وحده حلا’ ، هي خصوصية الطاعة المطلقة لأولي الامر من الاخوان عندما يصلون الي الحكم.

لا شك ان الاستبداد الذي مارسته الحكومات المتعاقبة منذ يوليو 1952 وحتي اليوم , كان التهيئة والتمهيد للشارع المصري لقبول الاستبداد الالهي ، كتعويض أكرم من الاستبداد الحكومي ، ممثلا في التصويت للاخوان , بعد ان تركت الحكومة خاصة منذ زمن السادات كل وسائل التعليم والاعلام للفكر الدينى المتطرف، ليستعيد الاسلام الجهادي نفوذه في الشارع المصري , من باب استخدام المواطنين المتعصبين للأسلام فزاعة للمجتمعات الحرة في الغرب. ليكون الشارع الارهابي هو البديل الاوحد للحكومة ازاء غرب بات يعاني من فوبيا الاسلام , ويصبح الخيار مابين الحكومة المستبدة وبينا الشارع الهمجي المتخلف الذي يقفز الي القتال والاستشهاد طوال الوقت , حتي تحول الشارع المصري الي أشد انواع التعصب كراهة وبشاعة , وهو ما تمثل في احداث متتالية ضد الاقباط المفترض انهم اهل الوطن ، وامتدادة فى عمق التاريخ وهم اصالتنا الحقيقية , ناهيك عن الارهاب الدموي وهو ما يشير الي عودة الاسلام الجهادي وعقيدة الولاء البراء ، للتمكن من عقل المسلم المصري الذي تم مسح وعيه بالكامل لصالح الجهاد.

وخلال هذه الحقبة لم تنشغل السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية بما حدث في بلادنا , ولم تتساءل عن حقوق الانسان فى بلادنا بشكل جدي , طالما كان جنود الجهاد يقومون بما تريده منهم في افغانستان او فى غيرها , الكارثة انه حتي بعد تحول هذا الجهاد ضد امريكا والغرب تقول وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس للواشنطن بوست : " اننا لا نخشي وصول الاسلاميين او المتطرفيين الي الحكم , لان التطرف يكمن في غياب قنوات النشاط السياسي والاجتماعي". ومصيبة اخرى قالها دبلوماسي امريكي آخر انه :" لا ضرر من وصول الاسلاميين الي الحكم اذا مارسوا تداول السلطة عبر الديمقراطية" , كما لو ان الديمقراطية هي فقط تداول السلطة بصندوق الاقتراع. دون النظر الي شروط الديمقراطية وقيمها التأسيسية قبل هذا الصندوق من تعددية جزبية، واحترام لحقوق الانسان ، ونسبية الحقيقة ، ورفض المطلقات والفكر المقدس كحاكم او معيار سياسي. وهي كلها كفر صريح من وجهة نظر اسلامية , واجلي من يمثل وجهة النظر الاسلامية هم الاخوان واخوانهم فى العراق او فى قندهار. اما اكثر اللطافات الامريكية في التعامل مع المشكلة فهي موافقة الكونجرس علي تخصيص 1.3 مليار دولار لمشاريع الغرض منها تطبيع وترويض الاسلاميين المعتدلين؟!

ومثل هذه الفهم الامريكي عن اسلام وسطي معتدل يشير الي عدم معرفة علمية دقيقة بتاريخ الأسلام وبالفرق الاسلامية اليوم وأمس ، فهذا التيار المعتدل أو الوسطي والذي يعد أبرز من يمثله الآن الشيخ يوسف قرضاوي ، وفهمى هويدى وسليم العوا وغيرهم ، هو ضد الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، وضد الحريات المدنية ، وضد الحقوق السياسية والمدنية للمرأة. وضد حقوق الاقباط , نتيجة الاصرار علي تفعيل آيات القرآن والاحاديث ، والاصرار علي صلاحيتها لكل مكان في الارض ولكل زمان حتي نهاية الازمان , وبين تلك النصوص المقدسة حواجز قاطعة بين المؤمن اي المسلم وغير المؤمن اي صاحب اي دين غير الاسلام باطلاق وخاصة اليهودي والمسيحي , والموقف من هؤلاء قتالهم حتي يسلموا او يخضعوا للمسلمين بدفع الجزية وهم (صاغرون) ، أي وهم أذلاء مهانون ، فالحدود قاطعة بين الاثنين , اضافة الي عقيدة الولاء والبراء التي يستحيل معها قيام أي لون من الاعتدال أو الوسطية.

وفي الاسلام مبدأ اسمه (التقية) أي اظهار المسلم غير ما يبطن ، حتي يحقق غرضه بالنصر علي عدوه , و هو ما تستخدمه الفرق الاسلامية اليوم , فيقولون كلاما جميلا ومواعظ لطيفة ويعلنون ايمانهم بالديمقراطية ، لكن مع الاصرار علي تطبيق الشريعة الاسلامية التي لا تلتقي ابدا مع الديمقراطية. فهم يريدون اقامة دولة علي نسق دولة الخلافة الراشدة , دولة السلف والفقه الاسلامي الذي لم يتغير مطلقا عبر القرون واذا كانوا يزعمون انهم سيطورون الشريعة والفقه فما لهم لم يطوروا شيئا حتي الآن؟ أم تراهم سيطورون بعد ان يحكمونا!! هذا موقف لا يمكن الثقة به مطلقا.

حتي اليوم ترفض كل الفرق الاسلامية علي تنوعها اعلان الغاء الرق والعبودية لان بالقرآن ثلاث وعشرين آية تؤكد العبودية ، ناهيك عن الاحاديث النبوية ، وفقه كامل للرقيق ، و حتي اليوم ترفض كل الفرق الاسلامية الغاء العقوبات البدنية ، لانها تقوم علي نصوص قرآنية وحديث نبوي ، حتي الان يرفضون مجرد الاعتراف بالمجازر الهائلة التي اقامها المسلمون لأهالي البلاد المفتوحة ، ناهيك عن الاعتذار عنها اعتذارا لائقا يشير الي تغيرهم. وحتي اليوم يرفضون ان تكون للمرأة حقوقا كالرجال. فهي نصف ذكر في ميراثها ، ونصف ذكر في شهادتها امام القضاء ، وهي ناقصة عقل ودين بنص الحديث الصحيح , هم يقولون انهم مع حقوق المرأة , لكنهم ابدا وحتي الان لم يناقشوا هذه المسائل الحقوقية الاساسية ، باعتبارها قرارات الهية لا تقبل النقاش ولا التعديل , بل هم حتي اليوم ضد قيام مجلس تشريعي يشرع فيه البشر لانفسهم ما يناسبهم من قوانين ، لان المشرع هو الله. تعالوا نستمع الي الاخوان وكيف يمارسون (التقية) بالاعلان عن ايمانهم بالديمقراطية ، دون أن يتنازلوا مليمتر واحد عن الشريعة التي هي نقيض الديمقراطية بالكلية , يقول المرشد العام للاخوان الاستاذ مهدي عاكف لمجلة آخر ساعة المصرية بتاريخ 20-7-2005 " ، اننا نؤمن بالديمقراطية ايمانا كاملا , لانها هي التي تأتي بانتخابات حرة نزيهة , اما بالنسبة للديمقراطية التي لا حدود لها (أي قيم الديمقراطية الحقوقية الليبرالية العلمانية) والتي تقول أن الشعب هو كل شئ , نقول لها: لا , ان رأي الشعب مقنن بالشريعة ، وهذا هو الفرق بيننا وبين غيرنا , انما نحن ديمقراطيون الي اقصي حدود الديمقراطية ، فلا ننسي ان الدستور المصري يقول ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" ..... الاخوان مع ديمقراطية صندوق الانتخابات ، لكنهم ليسوا مع تشريع المجلس أو الشعب , هم يريدون ديمقراطية تصل بهم الي الحكم , وبعدها يحكمون باسم الله. اذن لقد دخلوا المجلس لالغاء دورة فى التشريع ، وربما احياء مشروع تطبيق الشريعة المقبور.... وهذة نبوءة اخرى اطرحها عليكم والايام بيننا

وعندما طالب صاحب هذا القلم ومن بعده الاقباط بالغاء المادة الثانية بالدستور رد المرشد العام في حديث لصحيفة المصري اليوم في سبتمبر 2005 بقوله :" ان هذه المطالبة تمس خطوطا حمراء لا يجب الاقتراب منها" ، واستكمل نائبه يقول :" ان هذه المطالب بمثابه خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه , لان ذلك سيفجر حربا اهلية داخل مصر" ، وزاد عليهما محامي الجماعات ممدوح اسماعيل قوله:" ان هذه المطالب لن تكون الا علي جثث الجميع , وأصحاب هذا الرأي يطالبون بحمامات دم في مصر". .... أما المرجع الديني للجميع الشيخ قرضاوي فقد اعلن في برنامج الشريعة والحياه بقناة الجزيرة قوله:" اذا كان المراد بكلمة مدني.. العلمانية فهذا مرفوض عندنا , لان الاسلام عندنا هو دين الحياه للفرد وللأسرة وللمجتمع وللأمة وللدولة.. ونحن نرفض النقص من الاسلام أو أن نحذف شيئا منه فهذا ليس من حقنا , لان الله أنزله كاملا والكامل لا يقبل الزيادة والنقص 20-2-2005"

والذي لا يلتفت اليه السياسيون في الغرب ، هو أننا عندما نطالب الاخوان بالالتزام بالديمقراطية الحقوقية العلمانية ، ومبدأ تداول السلطة بين أحزاب متعددة ، وحرية السوق والحريات الاساسية : كحرية العقيدة وحرية الفكر وحقوق المرأة والعمليات المصرفية والاتمان وحقوق الاقليات ، عندما نطلب هذا من اى فريق اسلامى فانما نطلب المستحيل !!.. لان هذه المطالب تقع تحت طائلة قانون فقهي لا يتنازلون عنه ابدا هو " انكار معلوم من الدين بالضرورة". بحيث ان المطالبة فقط بهذه الحقوق تجعل صاحبها مرتدا عن الاسلام وعقابه القتل بجز الرقبة ، لان الاسلام لا يعرف أحزابا فهناك فرقة واحدة ناجية هي التي يجب أن تحكم ، وتعد الفرق ألأخرى كلها كافرة، ولا حرية في العقيدة لانها ارتداد جزاؤه القتل , وليس هناك حرية تفكير ازاء النصوص المقدسة , والعمليات المصرفية ربا , ولا حق للاقليات الا بموجب عقد الذمة الكرية البغيض , ولا حقوق للمرأة مساوية للرجل في الميراث أو الشهادة فذلك نقض لحدود الله المنصوص عليها في الشريعة ...كما قال قرضاوى المعتدل الوسطى من هنيهة .

لذلك يري قرضاوي في الحلقة المشار اليها ان العلمانيين العرب " يسعون الي تفكيك الاسلام ويريدون أن يحذفوا من الاسلام الكثير من تعاليمه ، فيريدونه اسلاما بلا جهاد، وزواجا بلا طلاق ، وعقيدة بلا شريعة.. وحقا بلا قوة ، ومصحفا بلا سيف ، بينما هو رسالة تشمل كل جوانب الحياة من ادب الاستنجاد الي بناء الدولة ، ويشرع للانسان منذ أن يولد حتي يموت". !!!

وهكذا سنجد ان الفرق المتطرفة غير الوسطية أو غير المعتدلة والتي ترفض الديمقراطية علنا , هي الاكثر صدقا مع نفسها ومعنا ومع العالم , فمن أعلن رفضها ، أراح واستراح ، ويمكن التعامل معه بأسلوب ورد يناسب موقفه المعلن , اما المشكلة الحقيقة في بلادنا والمعوق الاساسي الذي يخدعنا ويخدع الغرب ، فهو النصاب الاخواني أو النصاب الحكومي القائم. بما يدعيه من تبني للديمقراطية والحقوق ، بمسميات حقوقية معاصرة مع طرح البديل الاسلامى الذى يناسبنا ......... ويحمل فى طياتة توحش زمن مضى منذ 1425 عاما، ، بدلالات ومعاني لا تصلح لزماننا لانها وضعت لزمن مضي منذ 1425 عاما ، يغطيها ويزيفها بألفاظ زماننا , فقط ألفاظ ومجرد كلام من باب (التقية).

وتأسيسا علي كل هذا , فان صاحب هذا القلم يرن كل أجراس الخطر في حال استيلاء أي تيار اسلامي علي الحكم في مصر أو في أي بلد مسلم آخر ،ا جراس خطر علي حضارة الغرب نفسها , ان الامر عندما يكون واضحا بشدة لا نراه لوضوحه , فلدي كل الفرق الاسلامية علي الارض مبدأين لا يتنازل عنهما ابدا: الاول ان الاسلام دين عالمي , والثاني ان الاسلام دين ودولة , والنتيجة شديدة البساطة التي تترتب علي هاتين المقدمتين هي: ان العالم كله لابد ان يكون دولة المسلمين. وهي النتيجة المدونة بابواب الشريعة الطويلة ، ومعلوم اساسي من الدين بالضرورة من ينكره فقد كفر. فالمقدمتان والنتيجة هم من صلب الشرع الاسلامي , لكن رجال الاسلام السياسي يعلنون للعالم المقدمتين دون النتيجة الواضحة , ولان العالم المعاصر في الغرب لا يفكر بطريقة اسلامية فانه لا يري النتيجة المحتومة. وهي ان العالم كله هو دولة الاسلام الدين العالمي. لذلك تري الجماعات الاسلامية المعارضة علنية وسرية , ان كل حكومات العالم غير المسلم هي حكومات غير شرعية , لانها تقوم علي ارض هي ارض الاسلام اصلا ، وتحكم شعوبا هي شرعا امتداد للامة الاسلامية , لكنهم يعيشون في ظلام الكفر تحت حكم القانون البشري الذي يسمونه (الطاغوت) ، وانه بالجهاد سوف يتم تصحيح الاوضاع العالمية , وتمكين دولة الاسلام من أرضها ومن شعوبها المارقة.

ان الحكم باسم الاسلام اخواني أو طالباني (لا فرق) لو أقر أن لدولته حدودا فسوف تنتهي عندها سلطاته وشرع دولته , لانه يكون قد تنازل عن ركن اساسي من اركان الاسلام وهو عالميته دينا ودولة , لذلك لم تقر الخلافة الاسلامية عبر امتداد تاريخها الطويل بحدود لدولتها ، ولم تقر بوجود دول أخري تقيم معها علاقات دبلوماسية تعترف بها بموجبها ، وظل الحال كذلك حتي زمن السلطان العثماني عبد الحميد أخر سلاطين الخلافة ، الذي اضطر مكرها ازاء المتغير العالمي الذي فرض نفسه علي الخلافة ، للاعتراف بحدود لدولته وبوجود دول أخري. لكن هذا المتغير العالمي لم يفرض نفسه علي المفاهيم والقواعد الشرعية الاسلامية , والتي تقوم عليها جماعات كالاخوان المسلمين , وليس الاعتراف بوجود دول اخري الا كذب شرعي مسموح به عند الضرورة بمبدأ (التقية) ، ولانه من صحة اسلام المسلم عدم الاعتراف بالدول الاخري , فهو ما يعني ان ما تم عقده من اتفاقات ومعاهدات مع تلك الدول ، وهو أمر يتنافي مع الشريعة وباطل ولا يصح الالتزام به ، الا لضرورة ضعف المسلم المؤقت وقوة غيره , وهي شئون مؤقتة لان الايام دول يداولها الله بين الناس قوة وضعفا. وضمن تلك العهود اتفاقية السلام مع اسرائيل ، والتي هي الكفر بعينه لذلك قتلوا السادات بسببها , وفي حال قيام حكومة اسلامية فستكون مكلفة شرعا بتصويب أوضاع العالم، بازالة الدول الكافرة لتوسيع حدود دولة الاسلام لتتطابق مع خريطة دولة الاسلام كما أرادها اللة.. خريطة العالم .

واعمالا لذلك تصف اللائحة التنظيمية لجماعة الاخوان المصرية الجماعة بانها:" هيئة اسلامية جامعة تعمل علي اقامة دين الله (الاسلام) في الارض واقامة الدولة الاسلامية التي تنفذ أحكام الاسلام وتعاليمه , واعداد الأمة إعدادا جهاديا ".

بينما صك مصطفى مشهور مرشدالاخوان الأسبق المنافيستو الواضح دون اى التباسات : يقول مشهور : "ان الجهاد والأعداد لة يخدم مهمتنا العظيمة ، ليس لمجرد دفع العدوان ..ولكن الجهاد لأتمام المهمة العظيمة وهى اقامة دولة الأسلام والتمكين لهذا الدين .. ونشر الأسلام فى ربوع العالمين - السبيبل الى الجهاد -

نشرت فى مجلة المكتبة العربية ( لايدن - هولندا ) يوليو 2004

الذئاب يعظون ..

إذن الإرهابيون يصلحون!

قراءة في مبادرة الجماعة المحظورة

هل نتركهم يسرقون الوطن بعد أن سرقوا الإسلام؟

يبقى من مبادرة الإخوان أن نفهم بنية العقل المعرفي الواقف في خلفيتها ، عبر آراء الإخوان ومواقفهم ، وبخاصة ما قدموه في مبادرتهم التاريخية وكيف أقروا بمبدأ الاختلاف والتعددية الديمقراطي . ثم في ذات المبادرة نسخوا هذا الإقرار بقرار لابد أن ينتهي إليه الوطن يعترف بريادة الإخوان نحو بناء المواطن المسلم والدولة المسلمة والحكومة المسلمة.

يعتبر الإمام أبو حامد الغزالي مرجعية كبرى بهذا الصدد ، لأنه في "فضائح الباطنية /2" ينادي المسلمين بقبول حقيقة الإختلاف ، ليس لأن الله قد جعل هذا الخلاف بين الناس والأمم تقديرا إلهيا وضعه في صنعته وفي خلقه ، وحكما قضى به من الأزل بنصوص قرآنية وأن هذا الإختلاف بين البشر لم يستطع حتى الأنبياء رفعه ، ويذهب الغزالي إلى أن الاختلاف في الأمة رحمة بها كما قال كثير من الفقهاء . لكن الغزالي يصر رغم ذلك على أن يقيم نفسه مقام الله مفضلا نصه – الغزالي – على النص الإلهي ، فيؤكد أن حق الإختلاف هذا غير جائز على الإطلاق في الأمور الاعتقادية؟ و هو ذات ما عبرت عنه مبادرة الإخوان في بنود تؤكد حق الاختلاف حسب المبدأ الديمقراطي الرفيع ، وتسحبه في الوقت نفسه من المواطنين لأن الهدف النهائي للإخوان هو إقامة الدولة الواحدية المصمته التي لا تعترف بالتعدد إنما هي تلغيه بفرض وجهة نظر على وجهات نظر الأخرى بحسبان وجهة النظر المفروضة وجهة نظر ربنا لا وجهة نظر الإخوان. ولا تفهم كيف يحيلون هذا التناقض إلى أللة ببساطة عجيبة ، خاصة أن فرض طرف على بقية أطراف المجتمع كفيل بتفكيك اجتماعي بالضرورة ، بينما التعدد والاختلاف على التعادل بحقوق وواجبات مقننة يرضي بها الجميع ، هو باب التنافس المبدع الخلاق وتعدد الطرق إلى المعرفة دينا أو سياسة أو اقتصادا أو علما ، وهو في الوقت ذاته قرار إلهي بالاختلاف بشري؟!

وهكذا يصيبك الإخوان بالاضطراب إزاء ما يريدون بالضبط ، رجلهم الكبير سيد قطب الموصوف بالشهيد في أدبياتهم قد أكد لهم في المانافيستو المعروف بمعالم على الطريق "162":

"إن من قال إن التشريع من حق البشر فهو ليس بمسلم . والديمقراطية أولا وأساسا هي حق البشر في التشريع لأنفسهم ، فأيهما نصدق شهيدهم أم مبادرتهم؟ أم بعض مبادرتهم دون بعضها؟

و في حال كوننا من أهل الديمقراطية كحل خلاصي ، فلابد هنا أن نضع تشاريعنا حسب ظروف حياتنا ومستجداتها وهو حق المواطن الطبيعي في النظام الديمقراطي لأنه العارف بمصالحه . وأن نعترف أن الشريعة الإسلامية كان لها ظرفها التاريخي المرتبط بزمان الدعوة ومكانها وشكل المجتمع والسياسة حينذاك ، وألا ننسى أن الإسلام كان يقيم لشراذم قبائل بدو الجزيرة دولة مركزية احتاجت لشرائع تناسب قبائلها وجغرافيتها ومطالبها وأهدافها ومنطق زمانها ، وألا ننسى أن وطننا مصر قد سبق الدعوة حضاريا بألوف السنين وله ظروف تختلف بالكلية عن ظروف الجزيرة وتختلف حاليا عن القديم في مجمله. ومع هذه المعاني اللازمة للقائل بالديمقراطية "كما قالت المبادرة" فإن حكيمهم القانوني عبد القادر عودة كان يعلن تكفير "كل من قال إن الشريعة كلها أو بعضها ليست احكاما دائمة وأن بعضها أو كلها كان موقوتا بزمنه ، أو قال إن أحكام الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر ، وأن غيرها من أحكام وقوانين وضعية خير منها / التشريع الجنائي في الإسلام /2/708" .

وإذا كانت مبادرة الإخوان تقصد الدخول في حوار وطني خلاق من أجل إصلاح نحتاجه نحن بغض النظر عما تحتاجه أمريكا أو أي آخر ، فإن الحوار يعني الانفتاح على كل وجهات النظر الأخرى ، وأن الرأي في الحوار يكون دوما نسبيا لا يعترف بمطلقات ولا ينسب أحد المتحاورين لنفسه الصدق الكلي مستبعدا صدق بقية الأطراف لأن بقية الأطراف عنده غير صادقين بالضرورة لأنهم لا يملكون ما يملك هو من صدق مطلق رباني ، ومن ثم ينفي الآخرين سلفا وينفيهم مقدما رفضا لأي يقين غير يقينه ، علما أن الحوار لا يعترف بأي يقين تام كامل بالاعتقاد بامتلاك مفاتيح كل الحلول وكل اليقينيات ، لأن مثل هذا الاعتقاد هو انغلاق على ذات تشعر بكملها وعدم حاجتها للآخرين من بني الوطن للتكامل معا من أجل الكل .. من أجل الوطن .

الحوار يفترض عدم اليقين بمطلق لا يقبل النقص عند جميع الأطراف ، وأن يقين طرف بذلك يدفعه إلى فرضه على الجميع أو نفيهم بحسبانهم كفارا ، وعندما يبدأ الحوار بالمبادرات فإن على هذه المبادرات أن تعي أنها قد قبلت بمبدأ نسبية الرأي وأنها لا تتحاور معنا لتثبت لنا يقينها الشامل إزاء منطقنا النسبي ، أو لتثبيت لنا صدقها وكذبنا لأن ذلك يعني اللا حوار فيما يطرحون علينا في مبادرة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب .

وعندما يزعم الإخوان أنهم طرف قي حوار ومبادرات إصلاحية ، فعليهم بداية التخلي عن تصنيف الناس إلى مسلمين وإلى غير مسلمين أو شبه مسلمين أو مسلمين ضالين يحتاجون ريادة تهديهم لأن تعريف الجماعة بأنها "الإخوان المسلمون" يعني تصنيفاً وفرزاً يميز جماعتهم بالإسلام عن غيرها من بقية أبناء الوطن وبأنهم الأكثر إسلاما من غيرهم . فيمارسون وصايتهم ونخبويتهم واستبعادهم لغيرهم مسلمين كانوا أم غير مسلمين ، ليطرحوا علينا مبادرة كلها هواجس أيديولوجية يكمن الداعية القاسي في كل سطر فيها ، باعتقاد عجيب بمهمتهم الرسولية لجعل حياة المسلمين كلها مكرسة من أجل النص ، بينما الصواب هو تكريس النص من أجل أنفسهم وأن النص قد وجد من أجلهم لتيسير معاشهم لا تعقيد هذا المعاش وتفريغه من حوار النص من الإنسان والواقع المتغير ومع الزمان والمكان ليكون نصا حيا في خدمة الإنسان ، وليس العكس ، غير واعين أو واعين أن اختيار أنفسهم حماة للنص وأهدافه هو لون من الاغتصاب العلني لحق كل المسلمين في دينهم .

وأنهم يقيمون من تفسيراتهم وطريقتهم في فهم الإسلام نصا بديلا عن النص الإصلي ، يغتصبون فيه المعاني لصالح أهدافهم وأغراضهم بعدوان سافر على الله وكلامه ، للعدوان بهما على حقوق الناس ، وطريقتهم المعلومة هي جعل الدين أيديولوجية كاملة لجماعة طائفية يتحول فيها الانتماء عن الوطن إلى الانتماء لجماعة المسلمين لتكريس الوطن لجماعة المسلمين لتكريس الوطن الجماعة لا الوطن الأرض ، وهو ما سمح عبر التاريخ بخيانات كبرى للناس والأوطان مادام الحاكم القادم من خارج البلاد مسلما سواء كان شركسيا أم البانيا أم هو من الديلم أم من العثمانلية .

ولا يفهم أي عاقل كيف يطلبون الديمقراطية لتطبيق الشريعة الإسلامية فهل سيؤسلمون غير المسلمين أو يطردونهم من البلاد .. هم مع بقية المسلمين غير الموافقين أم سيفرضونها فرضا عندما يصلون إلى الكرسي؟

وبفرض أن هذا الكابوس أمكن وقوعه ألا يرون أن فرض الشريعة قهرا يحول الناس جميعا إلى منافقين؟

ثم ألا يعلمون وهم يتبنون الديمقراطية منهاجا أن الشريعة تختلف جذريا عن الحقوق في المبدأ الديمقراطي؟

لأن الشريعة تعبر عن مشيئة الله أما الحقوق في المبدأ الديمقراطي فهي تعبر عن مشيئة الناس ، وأن الناس هم من يصوغونها وفقا لحاجتهم ومطالب زمانهم ومصالحهم .

إن أي تشريع أيها السادة في أي برنامج إصلاحي لابد أن ينبع من مشيئتنا نحن ويعبر عن أحلامنا نحن في زمن لم تعد فيه كثير من بنود الشريعة مقبولة لاختلاف طبائع وعوائد الآزمان ، فلم يعد ممكنا اليوم وضع قواعد تشريعية تحدد حقوق الأسياد وواجبات العبيد ولا حق المسلم التقي في ركوب أي عدد من الجواري برضاهن أم بعدم رضاهن لأن ذلك في قواعد زماننا وفي الحقوق الديمقراطية وأدبياتها له اسم واحد هو "الاغتصاب" وما أبشعه !

وهي القواعد التشريعية التي تصر عليها أبواب الفقه المقرر على تلاميذ ثانوي أزهرى في بلادنا ، كما في كتاب "روض المربع" الذي يشرح في باب الرهن "ولو رهن اثنان عبدا لهما عند اثنين بألف" فهذه أربعة عقود /238" كذلك "لا يحق للعبد أن يكون وليا في نكاح وللحر نكاح أمة ابيه /335 ، 340" وفي كتاب الإقناع في حل الفاظ أبي شجاع قرار "بجواز الجمع بين الإماء بملك اليمين من غير حصر / ص 16 شرح ج3"

لقد تغيرت أذواق البشر ومعاييرهم الأخلاقية فما كان أخلاقا اعتيادية معمولا بها في تلك الأزمان لظروف عصره لم يعد ممكنا الآن ، فمثلا لم يعد ممكنا للشيخ عاكف أن يتزوج بطفلة عمرها تسع سنوات احتراما لتشريع فقهنا في باب عشرة النساء إذ يقول : "وإذا تم العقد لزم تسليم الزوجة الحرة التي يوطأ مثلها وهي بنت تسع سنين" وإن اشتكت هذه الطفلة من ألم الفعل الجنسي وأنكر الزوج أنه يؤلمها "وإن أنكر أن وطأه يؤذيها فعليها البينة / روض المربع 353" . أي أن عليها أن تثبت للجمهور أن نكاحه لها يؤلمها "؟!!!"

كذلك لا نعتقد أن أي إخوانجي اليوم سيرضى بتزويج طفلته ذات السنوات التسع إرضاء للشرع ، لأنه قد تغير ذوقه الأخلاقي بمعيشته في زماننا عن ومن زواج بنت تسع ، فإن لم يقبل من الشريعة حسب ذوق أيامنا فيكون قد اعترف بحاجة التشريع الإسلامي إلى كثير من التعطيل واحيانا الحذف ، وإذا قبل بالتغيير ليتوافق مع قواعد أيامنا فاستبعد الرق بكل ألوان أبواب فقه الرقيق

وإذا رفض زواج بنت تسع فلماذا إذن العودة إلى القديم لتوفيقه مع حقوقيات اليوم؟ لماذا لا نلجأ لحقوقيات زماننا مباشرة إذن؟ لماذا لا نضع نحن تشريعنا بأيدينا كما تفعل كل الأمم؟

ألا ترون أن إخواننا الإخوان يعودون بنا إلى مناقشة موضوع تجاوزه الزمن بالمرة ولم يعد مطروحا للمناقشة أصلا .

أما الحكم السياسي بالشريعة فكيف سيكون؟

إنك مهما بحثت ونقبت فلن تجد في الشريعة أيه قواعد واضحة مقننة منضبطة للحكم ، ولا أي لون من ألوان التخطيط

ومن فجرها لم تجب الشريعة عن أسئلة هامة مثل :

· من يكون خليفة النبي؟

· أو كيفية تنصيبه؟

· وما هي صلاحياته؟

· ولا كيفية مشاركة المسلمين في إدارة شئون الدولة؟

· و ما هي الحريات التي يتمتعون بها؟

· و كيف يحمونها من السلطان إن جار؟

· و من يخلف السلطان القائم؟

إن هذه أساسيات قيام أي دولة وقد تجاهلتها الشريعة .. يردون علينا هنا بكل ما أنتجوه هم ومحترفو التلفيق بالتوافق العظيم بين ما جاء في الشريعة وما وصلت إليه الإنسانية من سمو ورقي اليوم ، و هو اعتراف بقياس الشريعة على المنجز الإنساني بعمليات تقريب وتأويل وإعادة التفسير . وهو ما يعني أن الأصل هو حقوقيات اليوم التي وصلت إليها البشرية بعد طول صراع ضد الظلم حتى قننتها ، أما التقليد فهو الشريعة المؤولة والمفسرة بمنطق الحاضر فلماذا كل هذه المشقة وأمامنا المنجز الإنساني الحاضر؟ أمامنا الأصل دون التقليد المبتسر والمتكلف؟

لقد كان النظام الإسلامي السياسي "الخلافة" حكما عربيا قرشيا أضفى عليه رجال الدين في حلفهم مع الخلفاء الصفة الدينية للاحتماء بمظلة الشرعية الدينية للدفاع عن نظام سياسي بشري لا علاقة له بما يريد الله ولا بالشريعة وأن الدولة الإسلامية عبر تاريخ الخلافة لم تعرف تطبيق الشريعة إلا بما يخدم السلطان وسيطرة رجال الدين ، ومع ذلك يقدم لنا شهيدهم كشفه لحل كل مشاكلنا بأنه "لا حاكمية إلا لله ولا شريعة إلا منه"؟!

وأنه للوصول إلى هذا الهدف العظيم يخبرنا محمود الصباغ "إن أعضاء التنظيم الخاص يمتلكون الحق دون إذن من أحد في اغتيال من يشاءون من خصومهم السياسيين ، فكلهم قارئ لسنة رسول الله في إباحة اغتيال أعداء الله / حقيقة التنظيم الخاص / 229" .

إن هذا الإرهاب الفصيح يخاطبنا اليوم بلباس المصلحين كما خرج الذئب يوما في ثياب الواعظين .. لماذا يا ترى؟ لأن الوصول إلى السلطة عن طريق العنف قد أثبت فشله .. ولأنها اليوم وفي ظروف العالم اليوم تشكل فرصة سانحة تاريخية ، فاالأمريكان أحباب الأمس واليوم وغدا قد تواجدوا قربنا والأمريكان تشغلهم مصالحهم في المقام الأول ، لذلك كان فضلهم عن الجماعات الإسلامية بكل أصنافها وعلى مشاريع الصحوة الإسلامية و كم صرفت المخابرات الأمريكية ببذخ على مؤتمرات الصحوة الإسلامية ، وفي الوقت نفسه يشكل الأمريكان تهديدا لأنظمة كبيرة في المنطقة ، ومع هذه الصورة للواقع القلق ركب الإخوان مركبهم الصعب في انتهازية فاضحة لكل الأطراف ، فبينما لم تشر المبادرة إلى موقف واضح من أمريكا بشكل محدد بصياغة شفافة لترك الباب مواربا للعم سام إن شاء حوارا أو حلفا وفي الوقت نفسه عرض الدكتور عصام العريان في برنامج "الحقيقة / دريم 8/5/2004" على الحكومات العربية ضرورة إدماج الحركات الإسلامية في نظمها السياسية "بغض النظر عن الديمقراطية هنا" وذلك كما قال لتقوية ظهر الحكومات في هذه المرحلة الخطيرة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية وهنا يمد الإخوان يدهم للحكومات لتسند ظهورها ، وتمد يدها الأخرى للأمريكان ولا نعلم في أي يد سيكون الخنجر ، متصورين سامحهم الله أن أحدا لا يعلم بتاريخهم الذي هو تاريخ الانقضاض على الحليف في أول فرصة ، ولا توجد حالة تحالف واحدة لم ينقض فيها الإخوان على الشريك عبر تاريخ تحالفاتهم.

وإذا كانت هذه أخلاقيات أخوان الإسلام في العمل السياسي فإنه سيكون صعبا على البلع تنغيمهم وألحانهم حول دورهم في إعادة الحياة الفاضلة والخلق الكريم لمجتمعنا بطول مبادرتهم في بند التعليم والبحث العلمي لابد من القيم الدينية والمبادئ الأخلاقية ، وفي بند بناء الإنسان المصري لابد من تعميق إيمانه بالأخلاق الفاضلة ومكارمها ومحاسنها بعد أن رانت علينا الشهوات الدنيوية ، وفي المجال الثقافي يجب العودة بثقافتنا إلى مصادرها الإسلامية وإصلاح مفردات الصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون بحيث تنطق بالقيم الإسلامية بما ينأى بها عن مواطن العبث بالمبادئ الأخلاقية والسقوط في هاوية الفحش والبذاءات ببرامج ومسلسلات وتمثيليات هابطة تخدش الحياء وتشيع الرذيلة وفي بند الأزهر ترى المبادرة ضرورة غرس الأخلاق الفاضلة بشرح أخلاق الإسلام ومفردات تلك الأخلاق.

ويلاحظ في هذه البنود سوء فهم الإخوان لمعنى الثقافة لأن ثقافتنا لا تقوم على مصادر إسلامية فقط ، بل بها روافد كبرى عميقة منها المصرية القديمة ومنها القبطية ومنها الأفريقية ومنها الأوروبية منها العالمية ..إلخ.

ويلاحظ أيضا اهتمام المبادرة الشديد بالإعلام وضرورة إصلاح الفجور فيه والرذيلة بالعودة إلى مفردات الأخلاق الإسلامية كما هي في مناهج الأزهر مثلا . و هي المناهج التي تقدم مفرداتها وفق منطق أنه لا حياء في الدين ، و في ضوء هذا المنطلق يدرس صبايانا شبابنا المراهق بالأزهري الثانوي أبواب فقه يحدثهم بعضها عن مفسدات الصوم والكفارة : "من جامع في نهار رمضان فغيب حشفة ذكره الأصلي في قبل أصلي أو في دبره ولو ناسيا أو مكرها فعليه الكفارة والقضاء سواء أنزل "أي مني" أم لم ينزل .. وكذا إذا انزلت امرأتان بمساحقة فلا قضاء ولا كفارة" أما متى يجب الغسل فهو لو ادخل حشفته فى قبلها أو دبرها كان الحكم بالغسل لأنه جماع في فرج ، ولو أولج حيوان قرد أو غيره في آدمي ولا حشفة له فهذا يعتبر إيلاج الذكر "كل ذكره" أو إيلاج قدر حشفة معتدلة / أنظر الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع / ص 90 / ج1".

ومن ثم يطالب الإخوان بهذه المفردات لتكريس الخلق الرفيع في إعلامنا؟ !!! هل تذكرون عندما طالب المفكرون في بلادنا بتدريس الثقافة الجنسية في مدارسنا كي يتعلم المراهقون الصواب والخطأ وقيمة هذه الأعضاء وأهميتها وخطورتها في نفس الوقت وكي يعلم الصبي كيف يقي نفسه وكيف أن الفعل الجنسي ليس مشينا ولا معيبا لأن هدفه الحياة وإيجاد حياة جديدة ، وأن تعرف الفتاة أسرار أعضائها ووظائفها وكيف تحميها بحسبانها مصدرا للحياة لكنها قد تكون مصدرا لكل الأمراض إذا أسيء استخدامها.

عندما طرح هذا الأمر قام جميع إخواننا قومة رجل واحد على مختلف أطيافهم رافضة منددة بهذا الأنهيار الأخلاقي ، وعندما شاهدوا عجرم وروبي بالتلفاز طار صوابهم ولم يشعروا سوى بذئاب الجنس تعوي بداخلهم بدلا من أن يروا أمامهم إبداعا ربانيا خلق فأبدع وبنى فأحسن البناء ، ومن ثم قرروا أن يستبدولو هذا الفحش بمفردات كالحشفة والإيلاج في قرد أو نحوه وبالمساحقات عندما ينزلن "يبلغن أورجازم" أو إدخال الحشفة في فرج بهيمة أو دبرها ، خاصة لو فكرنا في باب تعميق المفردات والمفاهيم أن نخرجها فيديو كليب ، أنا شخصيا في هذه الحال سأفضل روبي قطعا.

ونكتشف أن أي إصلاح ينشغل به الإخوان يدور ما بين الحشفة والفرج ولو بدا بعيدا في النظرة الأولى كما فعلوا في إصدار بيان تأييد للمذيعات المحجبات في قناة الإسكندرية بدون علم نقابتهم ودون أن يشعروا بأي حرج أخلاقي ، ومثله ما جرى في نقابة الأطباء "أنظر العدد الماضي من روزاليوسف" ، وكيف تم التحول عن قسم "أبقراط" أبو الطب إلى قسم خاص لا علاقة له بالطب بل بالطائفة رغم البادج الذي يحمل اسم النقابة العامة لأطباء مصر ، يعني لكل الأطباء مع ذلك يبدأ القسم بالبسملة الإسلامية : بسم الله الرحمن الرحيم رغم أن قسما كهذا لا يفتتح هكذا ، بل إن البسملة نفسها باتت صرعة غير مفهومة نفتتح بها الخطابات ونرسل بها الشكاوي ونكتب بها حتى رسائلنا ، رغم أنك كي تبدأ بالبسملة فهذا يعني أنك ستقول كلاما مقدسا قياسا على القرآن ، ثم هل علم المسلمون أن النبي كلما تكلم بدأ كلامه بالبسملة؟ يعني هل قال يوما أحاديثه على قياس : بسم الله الرحمن الرحيم أمك ثم أمك ثم أبوك؟ إن الغرض من افتتاح القسم بالبسملة هو الأسلمة الإجبارية لكل طبيب سواء كان ملما أم غير مسلم ، أو وهو عدم اعتراف بوجود ثلث أطباء النقابة المسيحيين ، وإذا كانوا يعترفون بهم وقررنا الدروشة في العمل العلمي ، فلماذا لا نكتب بالمرة باسم الأب والابن والروح القدس إله واحد آمين؟

المهم تلى البسملة آية يكتبها كل أطباء مصر المسلمين في عياداتهم وفي المستشفيات هي "وإذا مرضت فهو يشفين" فلماذا مثلها مئات النماذج في الإنجيل مالها لا تكتب؟!

إذا كانوا على صحيح الاعتقاد باليقين أنة إذا مرضدت فهو يشفين ، فالماذا هم أطباء حتى الآن مادام هو يشفين؟ خاصة ما ما يحبذه فقهنا "لا يلزم الزوج لزوجته دواء وأجرة طبيب إذا مرضت ، لأن ذلك ليس من حاجاتها الضرورية المعتادة / روض المربع 397" ويرى فقهنا "أن ترك التداوي توكلا على الله أفضل ويكره إكراه المريض عليه / الإقناع ص 328 شرح ج1".

وماذا عن موقف الأطباء المتأسلمين من دعوة المبادرة إلى إقامة علمنا على شرعنا ، وشرعنا يقول غير ما يقول طبهم ، وعليهم أن يختاروا هذا أو ذاك فيقول الفقه الحنبلي : إن أكثر مدة للحمل هي أربع سنين لأنها أكثر ما وجد وأقل مدة حمل هي ستة أشهر / روض المربع 389" وما انتهى إليه الفقه الحنفي "إن أقل مدة حمل ستة أشهر وأكثرها سنتان / الاختيار / 154 شرح ج1".

ثم تعالوا إلى القسم نفسه وصياغة عباراته صياغة إسلامية المفردات مثل " تعاون الهيئة الطبية على البر والتقوى"؟ لماذا يا إخوان؟ هل أصبح شق الوطن وتمزيقه مهمة إخوانية محددة؟ أم أنهم لا يرون بقية أطباء مصر من غير المسلمين؟ الواضح أنه يرونهم جيدا لكنهم يقومون فقط بفعل نكاية لإثبات السيادة لهم وتبعية غيرهم لهم ، لذلك قاموا بتعديل البند الأخير بالقسم العربي للطبيب من "أن تكون حياتي مصداقا لإيماني في سري وعلانيتي نقية مما يشينها تجاه الله ورسوله والمؤمنين" بعد أن كانت تجاة الله ورسله ، هذا رغم أن إعلان اعتراف المسلم بكل الرسل هو شرط أول للإيمان الإسلامي وإعلان الاعتراف بكل الرسل في القسم أهم وأشمل من إعلان الاعتراف بنبي الإسلام وحده ، وهو ما يعني أنهم جعلوها "ورسوله" لمجرد النكاية وحتى لو خالفت عقيدة إسلامية أساسية .

والغريب المدهش أن نسمع الدكتور حمدي السيد يقول إن نص القسم متفق عليه بين الدول العربية ما عدا حكاية رسوله ورسله وإنه تم استبعاد قسم أبقراط لما فيه من إشارات وثنية ، وهو ما يجعلنا نتساءل : هل قسم ابقراط في العالم كله يعني وثنية هذا العالم؟ أو الاعتراف بوثنية اليونان؟ أم أنه قسم رمزي نستمده من الطب الأول ومن أبي الطب لأن له علاقة أكيدة بموضوعه وهو الطب وبتاريخه وهو تاريخ الطب كما لم تعد تماثيل الفراعنة أصناما ، بل رمز على ثقافة وزمن ، ومن هنا أبدى الدكتور عماد فريد دهشته وهو المسلم من إيراد رسوله أو رسله في القسم اصلا لأنها مخالفة تماما لقواعد العلم والطب ، إن لدنيا بين أطباء مصر من لم يزل يحترم العلم حقا.

ها هم إخواننا وما يريدون في مبادرتهم وها هم عندما يدخلون مكانا كنقابة الأطباء مثلا أو الصحفيين مثلا ويريدون منا أن نصدق شيئا بين مجموع النقائض التي طرحوها في المبادرة أو أن نثق في إخلاصهم للديمقراطية وفي حق الديانات الأخرى الذي أعلنوه ونرى ما نرى في آخر نتائج دخولهم مكانا .. القسم الإسلامي للطبيب .

بالمناسبة رأى الدكتور عصام العريان في برنامج دريم المذكور أن مبادرة الإخوان هي برنامج الإخوان السياسي والاقتصادي والاجتماعي وأنه برنامج إصلاح شامل؟!

أبناء مصر .. هذا برنامج الإخوان الشامل تطارحنا حوله عبر حلقات ثلاث فما رأيكم؟ هل نتركهم يسرقون منا الوطن بعد أن سرقوا منا الإسلام؟ .

روزاليوسف 15/5/2004 العدد 3962


2 Comments:

Anonymous Ahmed Fayed said...

How Democratic Was the Roman Republic?

by Allen Ward, University of Connecticut
Original Text © 2003 Allen Ward. All rights reserved



--------------------------------------------------------------------------------





Since the collapse of the Soviet Union and the rise of Western democratic triumphalism that followed in its wake, few in the West respect a government that does not conform to Western democratic ideals. That is no problem for historians of ancient Greece, since it is considered the birthplace of those ideals and, therefore, no stigma is attached to their field of study despite the eventual rise of monarchic Hellenistic empires. For the past century, however, historians of ancient Rome have had no period of democratic, or even semi-democratic, freedom to earn contemporary respect and approval for their field of history.

Ever since the late 19th and early 20th centuries, German and Anglo-American scholars have usually rejected the optimistic view of Polybius, the philo-Roman Greek historian who was trying to legitimize the Roman domination of Greece in the eyes of his fellow Greeks when he claimed that the Roman republican constitution embodied the Peripatetic philosophers’ ideal of a balanced mixture of the three good types of constitution: monarchy, aristocracy, and democracy. Scholars like Friedrich Muenzer, Matthias Gelzer, Ronald Syme, Ernst Badian, and T. R. S. Broughton argued that instead of being this balanced mixture, the Roman Republic was really an oligarchy in which a small number of wealthy, land-owning consular noble families controlled the major magistracies, the senate, and the popular assemblies through durable networks of personal relationships and factional alliances.

I believe that Muslim were the first to let commoner ( even the propertyless) question their most supreme leader at equall base.

8:04 ص  
Anonymous غير معرف said...

وتقول العالمة الذرية (جونان التوت)- التي أسلمت على يد البيصار من بين (250) رجلاً وامرأة أشهروا إسلامه في اليوم نفسه ومن بينهم سفير غانا- :(المسألة ليست انتقالاً من دين إلى دين آخر . ولا هي تحد لمشاعر وطقوس توارثناها –إنما هي الحرية المنشودة والفردوس المفقود الذي نشعر بأننا في أشد الحاجة إليه .نحن الشباب في الغرب ، نرفض واقع الدين الرومانسي ، والواقع المادي للحياة .وحل هذه المعادلة الصعبة هي أن نشعر بالإيمان بالله ) وتضيف قائلة (بعض الشباب غرق في الرقص بحثاً عن الله ، -في الشيطان ، في المخدرات ، وفي الهجرة إلى الديانات الشرقية القديمة .وخاصة البوذية – وقليلون هم الذين أعطوا لأنفسهم فرصة التأني والبحث والدراسة . وهؤلاء وجدوا في الدين الإسلامي حلاً للمعادلة الصعبة – وإذا كان عددهم لا يزال قليلاً حتى الآن ، فلأن ما نسمعه عن هذا الدين العظيم مشوش ، ومحرف ، وغير صادق فكل ما هو معروف عندنا عن الإسلام خزعبلات رددها المستشرقون ، منذ مئات السنين، ولا تزال أصداؤها قوية حتى الآن، فالدين الإسلامي كما في إشاعات المستشرقين هو دين استعباد المرأة ، وإباحة الرق وتعدد الزوجات، ودين السيف لا التسامح) وتقول أيضاً :(لا تصدقوا فكرة الحرية المطلقة في أمريكا . والتي تنقلها لكم السينما الأمريكية ، فإن في بلادنا كثير من المتعصبين دينياً . ولذا فإنني أعرف جيداً أنني مقبلة على حرب صليبية في بلادي وأسرتي، وستزداد هذه الحرب اشتعالاً عندما أبدأ في إقناع غيري بهذا الدين العظيم) ثم تقول : (لقد بدأت أحس بوجود الثواب والعقاب وهذا السلوك هو الذي سيحكم سلوكي ويضبطه في الاتجاه الصحيح ) (3)

ويقول أحد قساوسة جنوب أفريقيا مخاطباً مبعوث مجلة الاعتصام المنتدب لزيارة المركز الإسلامي هناك :(أنا قس من رجال الدين المسيحي أحمل اسماً مسيحياً. وهذا الاسم لا يعنيكم ولن أقوله-ولكن أقول- بالرغم من أني دربت على المسيحية ، وتعلمتها في جامعات بريطانيا ، وأعددت لأكون راية للمسيحية ، وداعية لها ، إلا أني لم أشعر بأن المسيحية استطاعت أن تجيب على تساؤلاتي ، لأنها مرتبكة في جسمي- وقد فكرت في التخلص من المسيحية السوداء التي لا تعترف بآدميتنا ، والتي جاءتنا بالإنجيل في يد وبالعبودية في اليد الأخرى وجاءنا أدعياؤها بالإنجيل في يد ، وبزجاجة الخمر في اليد الأخرى ) . ثم يضيف قائلاً : لقد رأيتكم تصلون .فإذا بالأبيض بجانب الأسود ‍‍، والغني بجانب الفقير‍‍، والمتعلم بجانب الجاهل ، لهذا أقول إن الأفريقي ليس بحاجة إلى المسيحية إنه في حاجة إلى هذا الدين العظيم- وبعد أن اغرورقت عيناه بالدموع قال : لماذا حجبتم عنا هذا الدين ؟ أنيروا لنا الطريق فإن مبادئ هذا الدين هي التي يمكن أن تنقذ العالم مما هو مقبل عليه من فوضى ودمار(4 )

ويقول أميل درمنجهم الذي كتب كتاباً في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم :

ولما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية ، اتسعت هوة الخلاف ، وازدادت حدة ، ويجب أن نعترف بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشد الخلاف فمن البيزنطيين من أوقر الإسلام احتقاراً من غير أن يكلفوا أنفسهم مؤنة دراسته ، ولم يحاربوا الإسلام إلا بأسخف المثالب – فقد زعموا أن محمداً لص! ، وزعموه متهالكاً على اللهو! ، وزعموه ساحراً !، وزعموه رئيس عصابة من قطاع الطرق! بل زعموه قسا رومانياً !!، مغيظاً محنقاً، إذ لم ينتخب لكرسي البابوية – وحسبه بعضهم إلهاً زائفا!!!ً يقرب له عباده الضحايا البشرية وذهبت الأغنيات إلى حد أن جعلت محمداً صنماً من ذهب وجعلت المساجد ملأى بالتماثيل والصور(5)

وفي كتاب (معالم تأريخ الإنسانية) بقول ويلز (كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط. ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنى سارت سوى دين الإسلام).

ويقول (هنري دي شاميون ) تحت عنوان ( الانتصار الهمجي على العرب) لولا انتصار جيش (شار مارتل) الهمجي على العرب في فرنسا في معركة (تور) على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) لما وقعت فرنسا في ظلمات العصور الوسطى . ولما أصيبت بفظائعها ولما كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني- ولولا ذلك الانتصار البربري لنجت إسبانيا من وصمة محاكم التفتيش ، ولما تأخر سير المدنية ثمانية قرون بينما كنا مثال الهمجية (6)

ويقول( أناتول فرانس) عن أفظع سنة في تأريخ فرنسا هي سنة (732)م وهي السنة التي حدثت فيها معركة (بواتيه) والتي انهزمت فيها الحضارة العربية أمام البربرية الإفرنجية- ويقول أيضاً :

(ليت( شارل مارتل) قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) إن انتصاره أخر المدنية عدة قرون)(7)



ويقول كارليل الإنكليزي في كتابه ( الأبطال):
من العار أن يصغي الإنسان المتمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين أن دين الإسلام دين كذب .وأن محمداً لم يكن على حق : لقد آن لنا أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة – فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ظلت سراجاً منيراً أربعة عشر قرناً من الزمن لملايين كثيرة من الناس- فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة التي عاشت عليها هذه الملايين ، وماتت أكذوبة كاذب أو خديعة مخادع ؟! لو أنة الكذب والتضليل يروجان عند الخلق هذا الرواج الكبير لأصبحت الحياة سخفاً ، وعبثاً .وكان الأجدر بها أن لا توجد.

إن الرجل الكاذب لا يستطيع أن يبني بيتاً من الطوب لجهله بخصائص البناء، وإذا بناه فما ذلك الذي يبنيه إلا كومة من أخلاط هذه المواد –فما بالك بالذي يبني بيتاً دعائمه هذه القرون العديدة وتسكنه مئات الملايين من الناس.

وعلى ذلك فمن الخطأ أن نعد محمداً كاذباً متصنعاً متذرعاً بالحيل والوسائل لغاية أو مطمع …فما الرسالة التي أداها إلا الصدق والحق وما كلمته إلا صوت حق صادر من العالم المجهول وما هو إلا شهاب أضاء العالم أجمع .ذلك أمر الله ن وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (8)

ويقول ادوارد مونتيه (الإسلام دين سريع الانتشار .يروج من تلقاء نفسه دون أي تشجيع تقدمه له مراكز منظمة لأن كل مسلم مبشر بطبيعته .فهو شديد الإيمان ،وشدة إيمانه تستولي على قلبه وعقله.وهذه ميزة ليست لدين سواه .ولهذا نجدأن المسلم الملتهب إيماناً بدينه ، يبشر به اينما ذهب وحيثما حل .وينقل عدوى الإيمان لكل من يتصل به ).

6:07 ص  

إرسال تعليق

<< Home